"خارطة التنظيمات المسلحة في سوريا بعد الأسد.. بين صراع المشاريع وتعدد الهويات
بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب السورية، تشهد البلاد تحولًا نوعيًا في طبيعة القوى الفاعلة على الأرض، فبينما تسعى الحكومة الانتقالية المدعومة من تركيا لتوسيع سيطرتها، وتمضي "هيئة تحرير الشام" بقيادة أبو محمد الجولاني في فرض مشروعها على الشمال، تُعيد التنظيمات المسلحة الأخرى تموضعها إما كقوى رفض للهيمنة الجديدة، أو كمشاريع موازية بديلة تسعى لفرض نفسها في مرحلة ما بعد التسوية.
يكشف هذا المشهد عن صراع أيديولوجي وعسكري متسارع، تتحرك فيه قوى محلية وإقليمية وفق مصالح متداخلة، بينما يبقى العمق السوري بيئة خصبة لولادة مشاريع مسلحة جديدة، على أنقاض المشاريع المنهارة.

داعش.. التمرد في قلب البادية
رغم الضربات المتلاحقة التي تلقاها تنظيم "داعش" منذ سقوط خلافته المزعومة في الرقة والموصل، فإن التنظيم أثبت قدرته على التحول إلى خلايا لامركزية تنشط في مناطق نائية كالبادية السورية، الممتدة من ريف حمص إلى دير الزور.
خاصة أن تفكك "داعش" وانهيار دولته في سوريا والعراق لا يعني نهائيًا سقوط مشروعه الحركي والتنظيمي، إذ أن التنظيمات من شأنها أن تتعرض للانشطار والانشقاق، لكن تظل روافدها باقية طالما أن فكرتها متماسكة وقادرة على الاستمرار والاستنساخ والتمدد فكرياً وتنظيمياً.
يتجه تنظيم "داعش" إلى التصعيد التكتيكي المحدود تجاه "الحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع أو "أبو محمد الجولاني"، بهدف تأكيد نفوذه في الساحة السورية وتقديم نفسه كفاعل ذي تأثير، ومن ثم تفجير كنيسة مار إلياس بدمشق في 22 يونيو 2025 ، حملت أهدافًا متعددة، منها ما يتعلق بالأجندة الداعشية ذاتها، متنوعة ما بين الأهداف التكتيكية والاستراتيجية، ومنها صناعة ما يعرف بـ"البروباجندة" الإعلامية، وبناء صورة ذهنية تبرز قوته وتماسكه وتطوره الهيكلي والتنظيمي، واستغلاله لحالة الفراغ الأمني بعد سقوط النظام والانتقال السياسي، بهدف إظهار ضعف الأجهزة الأمنية الجديدة، فضلا عن إشعال الفتن الطائفية والحرب الأهلية من خلال استهداف الأقليات الدينية في العمق السوري، والتي تضمن له البقاء والتمدد.
يعتمد داعش حاليًا على تكتيكات "الضرب والانسحاب"، وينفذ عمليات استنزاف للقوات الحكومية، مستغلًا هشاشة القبضة الأمنية، والصراعات بين الأطراف المتنازعة في سوريا، وبينما تُقدم "هيئة تحرير الشام" نفسها كتنظيم براجماتي يسعى للاعتراف الدولي، يعتبر "داعش الجولاني"، "مرتدًا وخارجًا عن المشروع الإسلامي"، ما يجعل المواجهة بين التنظيمين حتمية في حال تمدد الهيئة خارج إدلب.
جبهة المقاومة الإسلامية
أُعلن عن "جبهة المقاومة الإسلامية في سوريا" في ديسمبر 2024، كرد فعل مباشر على ما وصفته بـ"صمت الحكومة الانتقالية على الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة".
ترفع الجبهة خطاب "تحرير الجولان" ومواجهة "العدو الصهيوني"، لكنها تعمل بشكل مستقل عن مؤسسات الدولة الانتقالية، وتُعد بحسب مراقبين أداة ضغط إيرانية في ظل تراجع النفوذ السياسي لطهران داخل بنية الحكم الجديد في سوريا.
ورغم غموض هيكلها التنظيمي، فإن الجبهة باتت حاضرة في الجنوب السوري وبعض مناطق البادية، وتحظى بدعم لوجستي غير مباشر عبر جماعات شيعية محلية، ويُنظر لها كبديل محتمل للميليشيات التي كانت تُدار سابقًا من "فيلق القدس".
مجلس السويداء العسكري
في الجنوب، تحديدًا في السويداء، تشكّل "مجلس السويداء العسكري" ككيان محلي يرفض وصاية كل من النظام السابق، والحكومة الانتقالية، والجماعات الأصولية على حد سواء.
يرتكز المجلس على الهوية الدرزية، ويطالب بـنظام فدرالي يحفظ خصوصية الأقليات، ويرفض تدخل "هيئة تحرير الشام" أو أي تشكيل سني متشدد في الشؤون المحلية.
يحظى المجلس بدعم شعبي واسع في السويداء، ويعتمد على البنية الاجتماعية والطائفية في فرض حضوره، ويُعتبر صوتًا معارضًا مستقلًا، يرفض العودة إلى المركزية السلطوية، سواء كانت بعثية أو جهادية.
قوات سوريا الديمقراطية
رغم الاتفاق السياسي المبدئي بين قوات سوريا الديمقراطية "قسد" والحكومة الانتقالية، لا تزال العلاقة بين الطرفين يشوبها توتر جوهري، عنوانه: "من يملك القرار العسكري؟".
ترفض قوات "قسد"، القوة الكردية الأكبر في شمال وشرق سوريا، ترفض نزع سلاحها أو حل مؤسساتها الأمنية، وتُطالب بترسيخ مبدأ اللامركزية السياسية، كشرط للاندماج في هيكل الدولة الجديدة.
ورغم الضغوط التركية على الحكومة الانتقالية لعدم الرضوخ لمطالب "قسد"، فإن الدعم الأمريكي المستمر للقوات الكردية، يمنحها ورقة ضغط قوية في المفاوضات.
يُرجح كثيرون أن هذه الفجوة ستتحول إلى أزمة صدام سياسي وربما عسكري، إذا لم تُحل ضمن إطار توافقي يضمن مصالح الطرفين ويمنع تدويل الملف مجددًا.

عودة الضباط المنشقين
يتشكل "" من مجموعة ضباط سابقين في جيش النظام، أعلنوا انشقاقهم بعد 2020، وبدأوا منذ أواخر 2023 بإعادة بناء هيكلهم في مناطق الساحل السوري.
يرفض المجلس الاعتراف بشرعية الحكومة الانتقالية، ويعتبرها "نتاج تفاهمات دولية" أقصت الجيش السوري الحر لصالح جماعات مدعومة إقليميًا، خصوصًا تركيا وقطر.
يطرح "المجلس العسكري لتحرير سوريا" نفسه كـبديل وطني عسكري قادر على إعادة بناء الدولة، ويُهدد بتصعيد مسلح في حال استمرار ما يصفه بـ"تهميش الضباط الوطنيين"، في خطاب يُحاكي البعثيين السابقين، لكن بأدوات جديدة.
الفصائل الجنوبية
في المنطقة الجنوبية، خصوصًا في درعا والسويداء، بدأت مجموعات مسلحة محلية في الدخول بمسار تفاوضي جديد، برعاية روسية مباشرة، مع وزارة الدفاع السورية.
ينص هذا المسار على: دمج المقاتلين ضمن الأجهزة الرسمية، والإبقاء على بعض التشكيلات المحلية بصلاحيات أمنية محدودة، وعدم العودة إلى نموذج الدولة المركزية، مع ضمانات بعدم تكرار الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق بحق المدنيين.
تُعد هذه الترتيبات محاولة من موسكو لاحتواء الفراغ الأمني جنوبًا، في ظل انشغال إيران، وارتباك دمشق، وتردد الحكومة الانتقالية في توسيع نفوذها في المنطقة الحساسة.

هيئة تحرير الشام
وسط هذا التشظي، تبرز "هيئة تحرير الشام"، بقيادة الجولاني، كأقوى كيان مسلح منظم في الشمال، تمتلك أجهزة أمنية وقضاءً ومحاكم، وتفرض نموذج "الحكم الإسلامي المنضبط" بحسب تعبير قيادتها.
لكن مشروع الهيئة يواجه: رفضًا جذريًا من داعش باعتبارها مرتدة ومتساهلة، مع مخاوف المجتمع الدولي من إعادة تدوير الجهادية، وانتقادات قوى المعارضة المدنية من تغولها الأمني.
ومع صعود "هيئة تحرير الشام " إلى الحكم في نهاية 2024، سعى تنظيم "داعش" إلى استهدافها إعلاميًا؛ إذ أشارت افتتاحية العدد (473) من صحيفة النبأ التابعة لــــ"داعش" الصادرة في 12 ديسمبر 2024، والتي جاءت بعنوان "تدجين وتجنيد"، إلى حصول "هيئة تحرير الشام" على الدعم الدولي من أجل محاربة تنظيم "داعش".
وأوضحت الافتتاحية أن ما حدث في سوريا هي عملية إبدال مدروسة لنظام "الأسد" بنظام يحارب الشرع بـ"الشرع"- على حد زعم الصحيفة.
ثم سلطت افتتاحية العدد (486) من صحيفة النبأ الصادرة في 14 مارس 2025، التي جاءت بعنوان "نسف الأقلية والطائفية" الضوء على أحداث الساحل السوري، موضحة أن "أوهام" التعايش في سوريا "فشلت في الاختبار الأول"؛ مشيرة إلى أن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، ما هو إلا "دمية" يتم تحركيها بغية الانتهاء من خطة تقسيم المنطقة.
وبعد ذلك جاءت افتتاحية العدد (495) من صحيفة النبأ الصادرة في 15 مايو 2025، بعنوان "على عتبة ترامب" ووصفت "الشرع”، بأنه "خائن للقضية" و"تذلل" أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كما دعت المقاتلين الأجانب في سوريا إلى الانشقاق عن الحكومة السورية الحالية والانضمام إلى "داعش".
ومن ثَمّ تقدم تلك المعطيات الملامح الأساسية للعلاقة بين "داعش" و"هيئة تحرير الشام" القائمة على العداء العقائدي والتنافس العملياتي.
يحاول الجولاني لعب دور "الرجل الواقعي" القادر على ملء الفراغ، لكنه محاصر بين طموحه بالحكم، ورفض واسع لهوية مشروعه.

سيناريوهات المستقبل
في ظل هذا التعدد المعقد، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية، أولًا: الاندماج السياسي التدريجي، بحيث تدخل بعض هذه الفصائل، خصوصًا "قسد" وفصائل الجنوب، ضمن ترتيبات توافقية مع الحكومة الانتقالية، تؤسس لحالة هجين بين اللامركزية والتعدد السياسي.
ثانيًا: صدام عسكري متعدد الأطراف، في إطار انفجار الخلافات الكامنة، خصوصًا في الشمال الشرقي والجنوب، مما يعيد البلاد إلى مربع الحرب الأهلية المتناثرة.
ثالثًا: استمرار الوضع الهجين، بحيث تبقى الفصائل مسيطرة على مناطقها، دون صدام شامل، في انتظار موازين دولية جديدة تُعيد صياغة المشهد السوري.
تشير خارطة التنظيمات المسلحة في سوريا إلى أن الحرب قد تكون انتهت رسميًا في بعض الجبهات، لكنها لا تزال قائمة بصيغ جديدة، عنوانها الصراع على الهوية والنفوذ والتمثيل، وبينما يتصدر الجولاني واجهة السلطة في إدلب، يبرز العمق السوري كساحة مشتعلة بالتنظيمات الرافضة للهيمنة الجديدة، في ظل حالة من تقاطع خرائط المشاريع: الكردية، والجهادية، والفدرالية، والعسكرية، والثورية، ومن ثم المرحلة المقبلة ستحدد من سيبقى، ومن سيتحول إلى جملة منسية في أرشيف الصراع.. وهكذا، فإن المسار النهائي للصراع لن تحدده موازين القوى المحلية وحدها، بل شبكة التعارضات الدولية التي ما تزال تمسك بمفاتيح الجغرافيا السورية.
عمرو فاروق *
كاتب مصري وباحث في شؤن الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

