تنصيب الأمير محمد توفيق "خديوي" على مصر بعد عزل والده إسماعيل
شهد يوم 26 يونيو عام 1879 واحدة من أهم المحطات السياسية في التاريخ المصري الحديث، عندما تولى الأمير محمد توفيق حكم مصر بعد عزل والده الخديوي إسماعيل، ليصبح سادس حكام مصر من الأسرة العلوية وخديوي مصر والسودان خلال الفترة الممتدة من عام 1879 وحتى عام 1892، وجاءت هذه الخطوة في ظل ظروف سياسية واقتصادية معقدة، ارتبطت بتفاقم الديون الأجنبية وتزايد النفوذ الأوروبي داخل البلاد، الأمر الذي جعل مرحلة حكمه واحدة من أكثر الفترات تأثيرًا في تاريخ مصر الحديث.
الخديوي توفيق وعلاقته بوالده
ولد محمد توفيق بن الخديوي إسماعيل، وهو الابن الأكبر له من شفق نور هانم، ولم يكن ضمن الأبناء الذين أرسلهم والده لاستكمال تعليمهم في أوروبا، وهو ما اعتبره بعض المؤرخين أحد الأسباب التي أثرت على طبيعة العلاقة بينه وبين والده لاحقًا، وقد بدت ملامح هذا التباعد بصورة أوضح بعد عزل الخديوي إسماعيل، إذ اتخذ توفيق موقفًا ابتعد فيه عن رجال والده وسياساته السابقة.
وعلى الرغم من انتمائه إلى الأسرة الحاكمة، فإن الظروف التي أحاطت بتوليه الحكم وضعت على عاتقه مسؤوليات كبيرة، خاصة أن البلاد كانت تمر بحالة من الاضطراب المالي والسياسي نتيجة تراكم الديون وتدخل القوى الأجنبية في الشأن الداخلي المصري.
بداية الحكم وأزمة تشكيل الحكومة
تولى الخديوي توفيق الحكم رسميًا عقب إجبار والده على التنازل عن السلطة، في خطوة جاءت تحت ضغط إنجلترا وفرنسا اللتين سعتا إلى إحكام سيطرتهما على المشهد السياسي المصري، وبعد توليه الحكم بفترة قصيرة، شهدت البلاد أزمة سياسية مرتبطة بتشكيل الحكومة الجديدة.
فقد أعيد تكليف محمد شريف باشا بتشكيل الوزارة، لكنه اشترط أن تعمل الحكومة وفق دستور جديد يمنح مجلس النواب سلطات رقابية أوسع على شؤون الدولة وإدارة الحكم. إلا أن الخديوي توفيق رفض هذا التوجه، وهو ما أدى في النهاية إلى استقالة شريف باشا وعودة حالة من الاضطراب السياسي داخل البلاد.
السياسات الاقتصادية
شهد عهد الخديوي توفيق تطبيق سياسات مالية وإدارية مرتبطة بشكل مباشر بمطالب الدائنين الأجانب، حيث خضعت مصر لضغوط كبيرة من أجل سداد التزاماتها المالية. وتم تخصيص جزء كبير من إيرادات الدولة لسداد الديون، وهو ما زاد من حجم التدخل الأوروبي في الاقتصاد المصري، كما اتجه توفيق إلى اتخاذ إجراءات هدفت إلى تهدئة القوى الأوروبية وكسب دعمها، ففرض قيودًا مالية وإدارية جديدة استجابة للمطالب الدولية، الأمر الذي أدى إلى اتساع نفوذ الأجانب داخل مفاصل الاقتصاد المصري بصورة غير مسبوقة.
الثورة العرابية وبداية الاحتلال البريطاني
ارتبط عهد الخديوي توفيق كذلك بأحداث سياسية وعسكرية كبرى كان أبرزها اندلاع الثورة العرابية، التي جاءت نتيجة تزايد حالة الغضب داخل صفوف الضباط المصريين بسبب ما اعتبروه تمييزًا ضدهم وتفضيلًا للعناصر الأجنبية والتركية في المناصب العسكرية، وشهدت تلك المرحلة تصاعدًا سريعًا للأحداث، انتهى بالتدخل البريطاني العسكري واحتلال مصر عام 1882، وهي الخطوة التي شكلت تحولًا جذريًا في تاريخ البلاد، إذ دخلت مصر مرحلة جديدة من النفوذ والسيطرة البريطانية امتدت لسنوات طويلة.
إنجازات في التعليم والإدارة
وعلى الرغم من التحديات السياسية التي واجهت فترة حكمه، فإن عهد الخديوي توفيق شهد عددًا من الإصلاحات في مجالات التعليم والإدارة، فقد أولى اهتمامًا بالتعليم منذ فترة ولاية العهد، وعمل على إنشاء مدارس جديدة وتطوير المنظومة التعليمية، كما تم خلال عهده تأسيس المدرسة العليا للمعلمين، والتوسع في إنشاء المدارس الابتدائية والثانوية، بالإضافة إلى إنشاء المجلس الأعلى للمعارف بهدف تطوير العملية التعليمية وتنظيم شؤونها، وشهدت تلك الفترة أيضًا إصدار لوائح خاصة بالموظفين والمعاشات المدنية والعسكرية، إلى جانب إنشاء مجالس محلية وتنظيم بعض الجوانب الإدارية داخل الدولة.
استمرت فترة حكم الخديوي توفيق حتى وفاته في قصر حلوان بالقاهرة في السابع من يناير عام 1892، بعد سنوات حملت تحولات سياسية واقتصادية كبيرة ما زالت موضع دراسة ونقاش بين المؤرخين حتى اليوم، فبينما يرى البعض أن عهده شهد إصلاحات في بعض القطاعات، يعتبر آخرون أن تلك الفترة ارتبطت ببداية مرحلة النفوذ البريطاني المباشر داخل مصر، وهو ما جعلها واحدة من أكثر الفترات إثارة للجدل في التاريخ المصري الحديث.




