مؤامرة الديون تنهي حكم الخديوي إسماعيل وتمهد للنفوذ الأجنبي
في مثل هذا اليوم 26 يونيو عام 1879، صدر قرار السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بعزل الخديوي إسماعيل من حكم مصر، وذلك تحت ضغوط مباشرة من بريطانيا وعدد من الدول الأوروبية، بدعوى عدم قدرة الدولة المصرية على سداد ديونها الخارجية، وشكل القرار نقطة تحول فارقة في التاريخ المصري الحديث، إذ ارتبط بتصاعد النفوذ الأوروبي داخل البلاد وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التدخلات الأجنبية في الشأن المصري.
اللائحة الوطنية ومحاولة إنقاذ الموقف
في خضم أزمة الديون التي واجهتها مصر آنذاك، كان عدد من رجال الحركة الوطنية يسعون إلى إيجاد حلول تمنع وقوع البلاد تحت الهيمنة الأجنبية، حيث أعدوا مشروعًا وطنيًا يضمن تسوية الديون اعتمادًا على إيرادات الحكومة المصرية، خاصة العائدات الناتجة عن قناة السويس، مع تقديم رؤية لإجراء إصلاحات سياسية وتطوير النظام البرلماني في البلاد.
وحظيت هذه المبادرة بدعم واسع من عدد من النواب والتجار والأعيان والعلماء وقيادات دينية مختلفة، كما لاقت ترحيبًا من الخديوي إسماعيل نفسه، الذي رأى فيها فرصة حقيقية لتجاوز الأزمة المالية والحفاظ على استقلال القرار المصري بعيدًا عن الضغوط الأوروبية.
بريطانيا تتحرك لعزل إسماعيل
أثار المشروع الوطني مخاوف بريطانيا والدول الأوروبية، التي اعتبرت أن نجاح تلك المبادرة قد يؤدي إلى تعزيز مكانة الخديوي إسماعيل وتحويله إلى رمز وطني قادر على قيادة مشروع إصلاحي واستقلالي داخل مصر، ولذلك بدأت التحركات السياسية المكثفة للضغط على الدولة العثمانية من أجل عزله.
ووصل الأمر إلى إرسال ممثلي الدول الأوروبية إلى قصر عابدين لإبلاغ الخديوي اعتراضهم على خطواته السياسية وتحذيره من الاستمرار في هذا المسار، ورغم ذلك، لم يُظهر إسماعيل تراجعًا واضحًا، حيث كان يعتقد أن الدولة العثمانية ستدعمه في مواجهة الضغوط الأجنبية، إلا أن التطورات جاءت على عكس توقعاته.
من القصر إلى المنفى
رضخ السلطان العثماني في النهاية للضغوط الأوروبية، وأصدر قرارًا بعزل الخديوي إسماعيل وتعيين نجله توفيق حاكمًا جديدًا لمصر، وبعد القرار، اضطر إسماعيل إلى مغادرة البلاد على متن اليخت الملكي "المحروسة"، ليبدأ رحلة طويلة من المنفى والتنقل خارج مصر.
وأقام إسماعيل لاحقًا في الأستانة بعد أن سمح له السلطان العثماني بالإقامة هناك، إلا أن حياته في المنفى اتسمت بالعزلة والرقابة المشددة، إذ عاش سنواته الأخيرة بعيدًا عن السلطة والأضواء، حتى توفي عام 1895، وبعدها سمح بعودة جثمانه إلى مصر ليدفن في مسجد الرفاعي بالقاهرة، لينتهي بذلك فصل مهم من تاريخ مصر الحديث.





