كيف تحول عمر مكرم إلى زعيم شعبي قاد المصريين ضد الظلم؟
يوافق السادس والعشرون من يونيو ذكرى وصول عمر مكرم مم ، أحد أبرز الشخصيات الوطنية في تاريخ مصر الحديث، إلى القاهرة قادمًا من صعيد مصر عام 1793، في خطوة لم تكن مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، وإنما شكلت بداية مرحلة جديدة صنعت واحدًا من أبرز الزعماء الشعبيين الذين ارتبطت أسماؤهم بالدفاع عن حقوق المصريين ومواجهة الظلم والاحتلال.
فقد استطاع عمر مكرم خلال سنوات قليلة أن يتحول من رجل دين وعالم بارز إلى شخصية تمتلك تأثيرًا واسعًا في الشارع المصري، وأن يصبح صوتًا معبرًا عن طموحات الشعب وتطلعاته في فترة اتسمت بالاضطرابات السياسية والصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية.
مع وصوله إلى القاهرة، بدأ عمر مكرم في بناء مكانته بين أبناء المجتمع المصري مستفيدًا من علمه ومكانته الدينية، فضلًا عن قدرته على التواصل المباشر مع المواطنين والاستماع إلى مشكلاتهم اليومية، ولم يكن حضوره مقتصرًا على دوره الديني فقط، بل سرعان ما تحول إلى شخصية عامة تحظى بثقة الناس وتأييدهم، خاصة في ظل ما كانت تشهده البلاد من ظروف معيشية صعبة وأزمات سياسية متلاحقة.
وكانت القاهرة في تلك الفترة تعيش حالة من التوتر نتيجة الصراع بين المماليك والعثمانيين وتزايد الأعباء الاقتصادية على المواطنين، وهو ما دفع عمر مكرم إلى الانخراط بصورة أكبر في الشأن العام، مدفوعًا برغبته في الدفاع عن حقوق الناس وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية، ومع مرور الوقت، أصبح اسمه يرتبط بالمواقف الوطنية والمطالب الشعبية، الأمر الذي منحه مكانة استثنائية لدى قطاعات واسعة من المصريين.
حين قاد المصريين في مواجهة المحتل
مع اقتراب الحملة الفرنسية من مصر عام 1798، دخلت البلاد مرحلة جديدة من التحديات السياسية والعسكرية، وهنا ظهر الدور الوطني لعمر مكرم بصورة أكثر وضوحًا، فقد كان من بين الشخصيات التي عملت على حشد الجماهير للمشاركة في مقاومة الاحتلال الفرنسي والدفاع عن البلاد، حيث دعا المصريين إلى الاصطفاف في مواجهة القوات الفرنسية وعدم الاستسلام للواقع الجديد.
وقد استجابت أعداد كبيرة من المواطنين لدعوته، وشارك الآلاف في جهود المقاومة، في مشهد عكس حجم التأثير الذي امتلكه الرجل داخل المجتمع، ولم يكن دوره في تلك المرحلة مجرد تحفيز معنوي للجماهير، بل كان جزءًا من حركة شعبية أوسع سعت للحفاظ على الهوية الوطنية ومواجهة محاولات فرض السيطرة الأجنبية على البلاد.
وأسهمت هذه المواقف في تعزيز صورته لدى المصريين باعتباره قائدًا شعبيًا حقيقيًا، لا يكتفي بالكلمات والشعارات، وإنما يشارك في الأحداث ويتحمل مسؤولياته تجاه الوطن والمواطنين.
معركة العدالة وحقوق الفقراء
لم تتوقف مواقف عمر مكرم عند مقاومة الاحتلال الخارجي فقط، بل امتدت إلى مواجهة الأوضاع الداخلية التي أثقلت كاهل المصريين، خاصة ما يتعلق بفرض الضرائب وتزايد معاناة الطبقات الفقيرة، فقد وقف في مواجهة عدد من الحكام المماليك وعلى رأسهم إبراهيم بك ومراد بك، مطالبًا بضرورة تخفيف الأعباء عن المواطنين وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وكان يرى أن مسؤولية الحاكم لا تقتصر على إدارة الدولة فقط، بل تمتد إلى حماية حقوق المواطنين وضمان حياة كريمة لهم، لذلك دعا إلى رفع الظلم عن الفقراء وتقليل الضرائب المفروضة عليهم، مع التأكيد على ضرورة تطبيق مبادئ العدالة والمساواة، وقد ساهمت هذه المواقف في توسيع قاعدته الشعبية بصورة كبيرة، إذ وجد فيه المواطن البسيط شخصية تدافع عن حقوقه وتعبر عن مشكلاته في وقت كانت فيه البلاد تشهد أزمات متتالية.
كيف صنع محمد علي ثم اصطدم به؟
شهد عام 1805 واحدة من أبرز المحطات في تاريخ مصر الحديث، وكان لعمر مكرم دور محوري خلالها، عندما شارك مع مجموعة من العلماء والزعماء في عزل خورشيد باشا من الحكم بسبب سياساته التي أثارت غضب المواطنين، وفي المقابل، دعم تولي محمد علي حكم مصر بعد أن تعهد الأخير بإقامة العدل وتحسين أوضاع الشعب.
واعتقد كثيرون في ذلك الوقت أن محمد علي يمكن أن يحقق استقرارًا سياسيًا ويستجيب لمطالب المصريين، وكان عمر مكرم من أبرز الداعمين لهذا التوجه، مستندًا إلى رغبة شعبية واسعة في إحداث تغيير داخل البلاد.
لكن العلاقة بين الطرفين لم تستمر طويلاً بنفس درجة التوافق، إذ بدأت الخلافات تظهر تدريجيًا مع تغير السياسات وتراجع بعض الوعود التي كانت قد قُدمت سابقًا، الأمر الذي دفع عمر مكرم إلى إعلان اعتراضه على بعض الممارسات التي رأى أنها لا تحقق مصالح المواطنين.
من الزعامة إلى سنوات المنفى
مع اتساع نفوذ عمر مكرم الشعبي وتزايد تأثيره داخل المجتمع، بدأ محمد علي ينظر إليه باعتباره شخصية يمكن أن تمثل تحديًا أمام استقرار حكمه، لذلك اتخذ قرارًا بعزله من منصبه كنقيب للأشراف، ثم أصدر قرارًا بنفيه إلى دمياط، في محاولة لإبعاده عن المشهد السياسي وتقليص تأثيره بين المصريين.
وقضى عمر مكرم سنوات طويلة بعيدًا عن القاهرة، إلا أن ذلك لم ينجح في إلغاء مكانته لدى الشعب، إذ ظل اسمه حاضرًا في وجدان المصريين باعتباره أحد أبرز المدافعين عن حقوقهم.
لماذا بقي عمر مكرم حاضرًا في الذاكرة المصرية؟
عاد عمر مكرم إلى القاهرة في يناير عام 1819 وسط استقبال شعبي كبير عكس حجم التقدير الذي كان يحظى به بين المصريين، ورغم ابتعاده لفترة طويلة عن المشهد العام، فإن صورته كزعيم شعبي ظلت حاضرة بقوة، خاصة بعدما ارتبط اسمه بالنضال الوطني والدفاع عن العدالة وحقوق المواطنين، ورحل عمر مكرم عام 1822.




