جمال الشاعر: لن يستقيم لسان الإعلامي إلا بقراءة القرآن الكريم
عقد منذ قليل لجنة حماية اللغة العربية وإحياء التراث المعاصر باتحاد كتاب مصر ندوة ثقافية بعنوان «الجهود اللغوية للإعلامي الكبير جمال الشاعر في برامجه الثقافية ومؤلفاته الإبداعية»، وذلك برعاية الدكتور علاء عبد الهادي، رئيس النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر والأمين العام للأدباء والكتاب العرب.
أدار الندوة أحمد عفيفي، وشارك فيها كل من الكاتب أحمد فضل شبلول، والدكتور سيد هادي، والدكتور محمد حجاج، والدكتور أبو اليزيد العجمي، الأستاذ بكلية دار علوم جامعة القاهرة، والدكتورة إيناس سلامة، مؤسسة الإيناس الدولية للتدريب وتعليم اللغات، والكاتبة والناقد عزة أبو العز، والدكتور حسام جايل، الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية بكلية الألسن جامعة الأقصر ورئيس القسم السابق، والدكتور محمد حجاج، عضو اتحاد الكتاب المصريين، فضلًا عن نخبة من المثقفين والصحفيين وأساتذة الجامعات.
تحديات اللغة عبر التاريخ
وخلال الندوة، قال الدكتور أبو اليزيد العجمي، إن اللغة العربية مرت عبر تاريخها الطويل بتحديات عديدة، لكنها استطاعت تجاوزها والحفاظ على مكانتها، مؤكدًا أن الوضع الحالي أفضل بكثير مقارنة بمراحل سابقة شهدت محاولات للنيل من اللغة العربية أو التقليل من أهميتها.
وأوضح العجمي أن بعض المستشرقين في فترات سابقة، ومنهم “مستر هوكس”، كانوا يروجون لفكرة أن سبب تراجع العرب هو تمسكهم باللغة العربية، وسعوا إلى إقناع الناس بأن الحل يكمن في استخدام العامية أو الكتابة بالحروف اللاتينية، إلا أن هذه الدعوات لم تعد تجد صدى في الوقت الراهن.
وأشار إلى أنه خلال عصر محمد علي كانت اللغة التركية هي اللغة الرسمية للدولة، حتى إن جريدة “الوقائع المصرية” صدرت باللغة التركية، كما أن الصحف التي أشرف عليها رفاعة الطهطاوي كانت تصدر أيضًا بهذه اللغة.
محمد علي واللغة العربية
وأضاف أن عددًا من كبار علماء النحو لم يكونوا يجيدون العربية بطلاقة في الحديث، لكنهم قدموا إسهامات كبيرة في الكتابة والتأليف، وتركوا تراثًا لغويًا مهمًا، مؤكدًا أن القيمة الحقيقية تكمن في خدمة اللغة وتطويرها.
وفي سياق متصل، كشف العجمي عن إصدار دار العلوم بجامعة القاهرة منذ ثلاث سنوات لمعجم إلكتروني متخصص، بدأ تحت اسم “معجم دار العلوم”، ثم تحول لاحقًا إلى “معجم القاهرة الإلكتروني”، موضحًا أن المعجم يتميز بقدرته على تحديد الفئة العمرية ومستوى الباحث، ومن ثم تقديم محتوى مناسب لطبيعة المستخدم واحتياجاته المعرفية.
وأكد أن المعجم لا يقتصر على تقديم معاني الكلمات فقط، بل يضم روابط ومواد معرفية متنوعة، من بينها حلقات دينية ومحتوى ثقافي متعدد، بما يجعله منصة معرفية متكاملة تخدم مختلف فئات الباحثين.
الحفاظ على اللغة العربية
وقال الإعلامي جمال الشاعر، إن الحفاظ على اللغة العربية لا يجب أن يظل مجرد شعارات أو حالة من القلق النظري، مؤكداً أن اللغة العربية تمتلك مرجعية راسخة وقوة بقاء حقيقية، مستشهداً بقوله تعالى: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون»، موضحًا أن الخوف الحقيقي ليس على اللغة ذاتها، وإنما على الإنسان العربي وعلاقته بلغته ودوره الحضاري والمعرفي.
وأضاف أن اللغة العربية ستبقى مهما تغيرت الظروف السياسية أو الثقافية في العالم، قائلاً: «نحن لا نخاف على اللغة العربية، نحن نخاف على أنفسنا، لأننا بدون لغة عربية فاعلة وعلمية ومتقدمة نصبح مهددين بالفناء».
وأشار إلى أن أخطر ما يواجه المجتمعات العربية اليوم هو التحول إلى ما وصفه بـ«المستعمرات الرقمية»، موضحًا أن الإنسان أصبح خاضعًا بصورة كبيرة للتكنولوجيا والأنظمة الرقمية التي تتحكم في سلوكه وقراراته اليومية، ضاربًا مثالًا بالاعتماد المفرط على تطبيقات الملاحة الإلكترونية، مؤكدًا أن المرجعية الرقمية أصبحت تسيطر على الإنسان بشكل مقلق.
أزمة اللغة العربية
وأكد أن أزمة اللغة العربية ليست في استخدامها الديني أو التعبدي، وإنما في غيابها عن مجالات العلم والتكنولوجيا والمعرفة الحديثة، موضحًا أن العربية ما زالت حاضرة بقوة كلغة قرآن وعبادة، لكنها تحتاج إلى أن تتحول في الوقت نفسه إلى لغة علم وإبداع وتفوق تكنولوجي.
وأضاف أن الأمم كانت تتجه سابقًا لتعلم اللغة العربية لأنها كانت حاملة للعلم والمعرفة، قائلاً: «كانوا يأتون لتعلم العربية لأنها لغة العلم، واللغة دائمًا تحمل الحضارة التي تقف وراءها».
وشدد على ضرورة ربط اللغة العربية بالمجالات العلمية الحديثة، داعيًا إلى توطين العلوم باللغة العربية، وإيجاد مسارات تعليمية موازية تعتمد على الترجمة والتدريس بالعربية في التخصصات العلمية المختلفة، حتى وإن تم الأمر بشكل تدريجي عبر “تراكات” تعليمية متوازية.
وأوضح أن المشكلة الأساسية ليست في اللغة نفسها، وإنما في حالة التخلف العلمي والمعرفي التي يعيشها المجتمع العربي، مؤكدًا أن العلم هو جوهر الاستخلاف الإنساني في الأرض، وأن الدين ذاته يدعو إلى المعرفة والبحث والاكتشاف.
القرآن الكريم والمعرفة
وأضاف أن القرآن الكريم ربط الإنسان بالعلم بصورة مباشرة، مستشهدًا بالآيات التي تؤكد قيمة العلم والمعرفة، مشيرًا إلى أن الإنسان مُنح القدرة على التغيير والتطوير وعمارة الأرض من خلال العلم، وليس من خلال الاكتفاء بالشعارات أو الممارسات الشكلية.
كما دعا الشاعر، الأسر إلى العودة للاهتمام بتعليم القرآن الكريم للأطفال داخل البيوت، مؤكدًا أن القرآن يمثل المرجعية الصغرى والأساسية للغة العربية، وأن تعلّم الأطفال للقرآن يسهم بشكل مباشر في تعزيز علاقتهم باللغة.
وأشار إلى أهمية استعادة بعض المظاهر الاجتماعية القديمة المرتبطة بتعليم اللغة والقرآن، موضحًا أن وجود “الشيخ” داخل البيوت أو الأحياء لتعليم الأطفال كان جزءًا مهمًا من الثقافة المجتمعية، وأسهم في ترسيخ اللغة العربية لدى الأجيال السابقة.
تطوير التطبيقات الرقمية
وأكد ضرورة استغلال التكنولوجيا الحديثة في خدمة اللغة العربية، من خلال تصميم تطبيقات وبرامج تفاعلية تساعد الأطفال والشباب على تعلم اللغة بصورة جذابة وعصرية، مشيرًا إلى أن الشباب المصري يمتلك قدرات كبيرة في مجال تطوير التطبيقات الرقمية.
وأضاف أن إصلاح منظومة تعليم اللغة العربية يحتاج إلى مراجعة مستمرة وتطوير حقيقي في طرق التدريس، مشيدًا بقرار المجلس الأعلى للجامعات الخاص بعدم اعتماد شهادات الإعلام الأجنبية دون دراسة اللغة العربية، معتبرًا أن القرار يمثل خطوة مهمة في دعم الهوية اللغوية والثقافية.
كما تحدث عن تجربته الشخصية في تدريس اللغة العربية للطلاب الأجانب داخل الجامعة الأمريكية، موضحًا أنه حاول كسر النمط التقليدي في تدريس اللغة من خلال ربطها بالأحداث الجارية والموسيقى والأغاني والأفلام ومقاطع الفيديو ووسائل الإعلام الحديثة.
وأشار إلى أنه كان يبدأ محاضراته بمناقشة الأخبار اليومية مع الطلاب، ثم يستغل الحوار لتبسيط القواعد اللغوية بصورة عملية، مؤكدًا أن الطلاب كانوا يتفاعلون مع اللغة بشكل أكبر عندما ترتبط بحياتهم اليومية واهتماماتهم.
وأضاف أنه استخدم الأغاني المعاصرة في تعليم اللغة العربية، حيث كان يطلب من الطلاب ترجمة كلمات الأغاني العامية إلى العربية الفصحى، موضحًا أن هذه الطريقة خلقت حالة من التفاعل والمتعة داخل قاعات الدراسة، وأسهمت في تقريب اللغة إلى الطلاب بشكل كبير.
وأكد أن تعليم اللغة يجب ألا يعتمد فقط على الحفظ النظري لقواعد النحو والصرف، وإنما على دمج اللغة في الحياة اليومية والثقافة والإعلام والفنون، حتى يشعر المتعلم بأن اللغة كائن حي يتفاعل معه باستمرار.
اللغة العربية النهضة العلمية
كما أوضح أنه كان يشجع الطلاب على استخدام “اللغة الخليط” التي تمزج بين العربية واللغات الأجنبية في البداية، ثم يساعدهم تدريجيًا على الوصول إلى التعبير العربي الصحيح، مؤكدًا أن الهدف الأساسي هو إزالة الحاجز النفسي والخوف من اللغة.
وأشار إلى أن استخدام الفيديوهات والأخبار والمواد البصرية داخل المحاضرات خلق حالة كبيرة من الحيوية والتفاعل بين الطلاب، وجعل تعلم اللغة أكثر سهولة ومتعة.
وفي ختام حديثه، شدد الإعلامي جمال الشاعر، على أن اللغة العربية يجب أن تتحول إلى “قاطرة” للنهضة العلمية والمعرفية، مؤكداً أن مستقبل الأمة العربية مرتبط بقدرتها على استعادة علاقتها الحقيقية بالعلم واللغة والمعرفة، داعيًا إلى تجاوز ما وصفه بـ«الغيبوبة المعرفية» التي يعيشها المجتمع العربي، والعمل على بناء مشروع حضاري جديد تكون اللغة العربية في قلبه، مؤكدًا على ضرورة أن يبدأ الإعلامي بتعلم اللغة العربية حتى يستطيع أن يتقن اللغة العربية بشكل صحيح.
الإنسان “ابن اللغة”
قال الدكتور سيد الهادي إن الحديث عن اللغة لا يجب أن يكون حديثًا مختزلًا أو سطحيًا، لأن اللغة في جوهرها مرتبطة بالإنسان ذاته، موضحًا أن الإنسان لا يمكن فصله عن لغته، فهي وعاؤه الفكري والوجداني والمعرفي، مضيفًا: «لماذا لا نتحدث عن اللغة؟ لأننا نحن الإنسان، والإنسان هو اللغة».
وأضاف أن حماية اللغة لا تنفصل عن حماية حرية الإنسان، معتبرًا أن اللغة تبدأ بحرية التفكير قبل حرية التعبير، مشيرًا إلى أن الإنسان “ابن اللغة”، وأن المجتمعات التي تحترم الحوار والنقاش الحر هي المجتمعات القادرة على الحفاظ على لغتها وثقافتها وهويتها.
وأوضح أن الدولة الحقيقية هي دولة الحوار، قائلًا: «الدولة هي الحوار، والمكان الذي يضيق بالحوار يتسع للقمامة»، مؤكدًا أن تراجع النقاش الحر يؤدي إلى اتساع مساحات الفوضى والجمود الفكري، وأن مستوى الحرية داخل أي مجتمع يمكن قياسه بمدى حضور الحوار فيه.
وأشار الدكتور سيد الهادي إلى تجربته الفكرية والبحثية في الربط بين اللغة والرياضيات، موضحًا أنه أهدى أحد كتبه إلى الدكتور أحمد بالبول، وهو كتاب بعنوان «الرقم والمعنى في رياضيات التعريف وفلسفة الكم»، والذي استغرق تأليفه خمس سنوات كاملة، مؤكدًا أن الكتاب أصبح مرجعًا في بعض الدراسات المرتبطة بالعقل العربي، ويتم تدريسه في بعض المؤسسات الأكاديمية.
العمليات الحسابية داخل اللغة العربية
وأضاف أن الفكرة الأساسية للكتاب تقوم على اكتشاف العمليات الحسابية الكامنة داخل اللغة، متسائلًا: «هل فكر علماء اللغة في العصر الرقمي كيف يمكن استخراج المكنون الرياضي الموجود داخل اللغة للتعامل مع العصر الحديث؟».
وأوضح أن اللغة العربية، مثل غيرها من اللغات، ليست مجرد وسيلة للتواصل أو الشعر أو البلاغة، وإنما تحتوي على بناء رياضي ومنطقي عميق، مضيفًا أن عدد الحروف في كل لغة يطرح تساؤلات فلسفية وعلمية مهمة، قائلًا: «اللغة العربية تتكون من 28 حرفًا، والإنجليزية من 26 حرفًا، واليونانية من 22 حرفًا، والفارسية من 32 حرفًا.. لماذا اكتملت كل لغة بهذا العدد تحديدًا؟ وهل يمكن حذف حرف دون أن يتأثر البناء الكامل للغة؟».
وأشار إلى أن هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، وإنما ترتبط بفهم طبيعة اللغة وعلاقتها بالكون، موضحًا أن الكون نفسه قائم على نظام رياضي دقيق، ومستشهدًا بمقولة فيثاغورس التي تؤكد أن الكون يسير وفق نظام رياضي، وكذلك مقولة جاليليو بأن «الرياضيات هي الأبجدية التي كتب بها الله هذا العالم».
وأكد أن فهم الطبيعة لا يمكن أن يتم بعيدًا عن الرياضيات، ولذلك فإن اللغة أيضًا لا يمكن أن تكون بعيدة عن البنية الرياضية، لأن اللغة هي أداة وعي الإنسان واتصاله بالعالم، مضيفًا: «إذا كان الكون منظمًا رياضيًا، فكيف تكون اللغة بعيدة عن الرياضيات؟».
رضينة اللغة العربية
وأضاف أن المنطق نفسه يحتوي على عمليات حسابية منظمة، وبالتالي فإن اللغة التي تحمل هذا المنطق لا بد أن تكون بدورها حاملة لبنية حسابية دقيقة، موضحًا أن السؤال الأهم الذي يجب أن يُطرح اليوم هو: «هل فتشنا بالفعل في العمليات الحسابية الموجودة داخل اللغة؟».
وأشار إلى أن فكرة “رياضيات المعنى” التي تناولها في كتابه تقوم على البحث في كيفية ترويض المعنى وتحليله وفق بنية رياضية ومنطقية، مؤكدًا أن اللغة ليست مجرد كلمات جامدة، وإنما نظام معرفي متكامل يحمل داخله أبعادًا رقمية وفلسفية وعلمية.
وأوضح أن الفيلسوف الحقيقي يبدأ دائمًا بسؤال بسيط، لكنه قد يقضي سنوات طويلة في محاولة الإجابة عنه، مضيفًا أنه قضى خمس سنوات كاملة في محاولة الإجابة عن سؤال واحد يتعلق بكيفية تبرير وجود الشر في الحياة، مؤكدًا أن الأسئلة الفلسفية الكبرى لا تنتهي بسهولة، وأن السؤال الواحد قد يفتح أبوابًا واسعة من التفكير والمعرفة.
وأضاف أن اللغة العربية بالتحديد تمتلك طاقة هائلة في التعامل مع هذا الكون الرياضي، لأنها لغة مليئة بالبناء الرقمي والإيقاعي والدلالي، مؤكدًا أن التعامل مع اللغة بوصفها مجرد أداة شعرية أو بلاغية فقط يمثل اختزالًا شديدًا لقدراتها الحقيقية.
وأشار إلى أن المستقبل يفرض ضرورة إعادة النظر في علاقتنا باللغة، خاصة في ظل العصر الرقمي والتكنولوجيا الحديثة، مؤكدًا أن المطلوب اليوم ليس فقط الحفاظ على اللغة، وإنما اكتشاف ما تحمله من نظم رياضية ومعرفية يمكن أن تساعد في فهم العالم والتفاعل معه بصورة أعمق وأكثر تطورًا.
وخلال الندوة تم تكريم الإعلامي الكبير جمال الشاعر.




