رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

"حرب الجواسيس" بين طهران وتل أبيب

المرشد الأعلى للثورة
المرشد الأعلى للثورة الإيرانية ورئيس الحكومة الإسرائيلية

 

في إطار الحرب النفسية والعسكرية كذلك، بين تل أبيب وطهران، نشرت وسائل إعلام إسرائيلية،  أن جهاز "الموساد" تمكن من تجنيد 100 عميل،  داخل  الأراضي الإيرانيةوبينت القناة 13 الإسرائيلية في تقرير تلفزيوني أن مهمة هؤلاء العملاء استهداف منصات الصواريخ الباليستية الإيرانية ومنظومات الدفاع الجوي، إلى جانب تقديم دعم مباشر للهجمات الجوية الإسرائيلية التي استمرت 12 يومًا في يونيو 2025.

تعد حرب المخابرات بين إيران وإسرائيل من أكثر الصراعات السرية تعقيدًا واستمرارية في الشرق الأوسط، وتتجاوز حدود الحروب التقليدية لتشمل الاغتيالات، والهجمات السيبرانية، وعمليات التجسس، وتجنيد العملاء، وتخريب المنشآت الحيوية.

 

عملية الأسد الصاعد

تواجه إيران تصاعدًا في عمليات التجسّس المرتبطة بإسرائيل، تُقابل غالبًا بإعدامات سريعة في محاولة لاحتواء حالة الانكشاف الأمني المتكرر، لكن في أعقاب الضربة الجوّية الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية، التي أُطلق عليها "الأسد الصاعد"، وطالت منشآت عسكرية ونووية داخل إيران، كشفت أن جانبًا كبيًرا من نجاحها يعود إلى نشاط استخباري داخلي كثيف، نفّذته خلايا مرتبطة بالموساد الإسرائيلي.

واتهمت السلطات الإيرانية "الموساد" بالسعي لزرع عملاء داخل البلاد بغرض التجسس على المنشآت النووية، وتنفيذ اغتيالات، ونشر معلومات مضللة عبر الإنترنت لإثارة الفوضى الداخلية، وقد كشفت السلطات الإيرانية، عن عدد من العملاء المرتبطين بجهاز الاستخبارات الإسرائيلي، بتهمة المساهمة في استخدام الطائرات المسيرة، ضد المنشآت النووية والقيادات العسكرية، وشن الحملات السيبرانية لإثارة القلق في أوساط الرأي العام، تشويه صورة النظام الإيراني، وقلب نظام الحكم.

ألقت التحليلات العسكرية الدولية، الضوء على الدور الاستخباراتي لجهاز "الموساد" الإسرائيلي، في قيامه بتجنيد عدد من العملاء المحليين منذ سنوات داخل الأراضي الإيرانية، وتأسيس فرعًا أو غرفة "عمليات سرية"، ونشر أسلحة دقيقة التوجيه في مناطق مفتوحة، قرب مواقع أنظمة صواريخ سطح-جو إيرانية، واستخدام تقنيات متطورة ضد أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، ما كنه من توجيه مسار الحرب العسكرية الجارية بين طهران وتل أبيب.

التقديرات العسكرية، أبرزت أهمية الدور الاستخباراتي في تأسيس قاعدة "الطائرات المُسيّرة" بالقرب من طهران، التي استهدفت عددًا من المنشآت النووية وعدد من قيادات الحرس الثوري، فضلًا عن    تفعيلها تجاه منصات إطلاق صواريخ أرض-أرض في قاعدة "إسباغ آباد"؛ أحد المواقع المركزية التي تُهدد إسرائيل، في عملية مشتركة بين الجيش الإسرائيلي، ووكالة الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية، والصناعات الدفاعية الإسرائيلية.

 

الهجمات السيبرانية

استخدمت إسرائيلية " الهجمات السيبرانية" ضد المؤسسات النووية الإيرانية، مثل "فيروس ستاكس نت" (Stuxnet): في عام 2010، لتخريب أجهزة الطرد المركزي في منشأة "نطنز" النووية، وتدور الحرب الكترونية المستمرة والمتبادلة بين الطرفين، في نطاق استهداف البنية التحتية، والمصارف، والموانئ، وحتى منشآت المياه والكهرباء.

في إطار السجال الاستخباراتي المستمرة بين إسرائيل وإيران في الشرق الأوسط، يعتبر المسلسل الدرامي "طهران"، الذي انتجته شبكة التلفزيون الإسرائيلي عام 2020، بمثابة مشروع حقيقي تم تنفيذه ميدانيًا، ويوثق عملية تجنيد العملاء في الداخل الإيراني، وطريقة توظيفهم في تعطيل منظومة الدفاع الجوي خلال توجيه ضربات صاروخية المنشآت النووية.

منذ أن أصبح مئير داغان رئيسًا للموساد عام2002، قام بعملية تطوير للجهاز الاستخباراتي، في إطار التركيز على المعلومات الاستخباراتية القابلة للتنفيذ، التي يمكن أن تؤدي إلى عمليات استباقية ووقائية، مثل التخريب، والكمائن، والقتل المستهدف، والاغتيالات، وكان هدفه تحويل "الموساد" إلى وكالة محاربة قادرة على اتخاذ إجراءات حاسمة ضد أعدائها خارج الحدود، وأعاد تنظيم "الموساد" لمعالجة هدفين رئيسين؛ مواجهة الدول المعادية التي تحاول الحصول على أسلحة نووية، وفي مقدمتها إيران، ومواجهة الفصائل المسلحة القادرة على مواجهة تل أبيب، مثل حزب الله، وحماس، والحرس الثوري.

وعلى مدار سنوات طويلة، كانت غالبية الاستهدافات الإسرائيلية تحدث- على نحو أساسي- عبر الطرق التقليدية، مثل القتل المباشر بيد عملاء استخبارات أو جواسيس، أو من خلال التسميم، ومن خلال وحدات العمليات الخاصة للاغتيالات، مثل "سايرت ماتكال"، أو "شايطيت 13"، أو "دوفدفان"، وهي معروفة بالاغتيالات السرية.

 توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي

 في السنوات القليلة الماضية ركز جهاز "الموساد" على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات الاغتيال ضد أعدائه؛ ليضمن تحقيق أهدافه بدقة، خاصةً أن عمليات الاغتيال تحقق نجاحات تكتيكية قصيرة الأجل، لكنها تفشل في إنتاج انتصارات إستراتيجية طويلة الأجل.

 تخوض إيران وإسرائيل حربًا خفية تتضمن عمليات استخباراتية، واغتيالات، وهجمات برية وبحرية، وفقًا لخطة مدير الموساد الأسبق تامير باردو، الذي وضع خطة شاملة لوقف طموحات إيران النووية من خلال مجموعة من التدابير المباشرة وغير المباشرة، وبناءً على هذه الخطة، أعدّ الموساد قائمة بأسماء عدد من العلماء والباحثين كأهداف للاغتيالات، غالبيتهم كان مسؤولًا عن تطوير البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي الإيراني.

بدأ الموساد عمليات اغتيال داخل إيران، من خلال استهداف أربعة من العلماء النوويين هم مسعود محمدي، ومجيد شهرياري، وداريوش رضائي نجاد، ومصطفى أحمدي روشن، في قلب طهران خلال عاميْ 2010 و2012، إذ اغتال ثلاثة منهم باستخدام قنابل مغناطيسية، في حين قتل الرابع بإطلاق الرصاص عليه أمام منزله.

وفي نوفمبر 2020، قامت خلية للموساد باغتيال العالِم محسن فخري زادة، الذي يُعدّ رئيس المشروع النووي، وذلك عندما كان متجهًا إلى عطلة مع زوجته، لكن الضربة الكبرى التي وجّهها "الموساد" إلى إيران، كانت في سنة 2018، عندما سرق الأرشيف النووي من قلب طهران، وتضمَّن 50 ألف وثيقة، و163 قرصًا مدمجًا جرى نقلها بشاحنات.

لم تكتفِ إسرائيل باغتيال العلماء النوويين؛ بل استهدفت شخصيات عسكرية مرموقة في الأراضي الإيرانية؛ بهدف إضعاف القدرات الإستراتيجية والدفاعية لإيران، ومن أبرز عملياتها في هذا، كانت عملية اغتيال حسن طهراني مقدم، الذي يُشار إليه بأبي البرنامج الصاروخي الإيراني؛ لدوره المحوري في تطوير قدرات الصواريخ الباليستية الإيرانية.

وفي نهاية عام 2021، كشف يوسي كوهين، الذي أمر بتنفيذ العملية عندما كان رئيسًا لـ"الموساد"، معلومات صادمة، فأوضح أن فريقًا لـ"الموساد" من 20 عنصرًا، ليس بينهم أي مواطن إسرائيلي، عمل على الأراضي الإيرانية طيلة سنتين، حتى تمكّن من معرفة مكان الأرشيف وما يحتويه، واستطاع سرقته من المخازن السرية في طهران، في عملية استغرقت 7 ساعات، دون أن يكتشفهم أحد.

وقال إن العملية، التي أُديرت من تل أبيب، نُفّذت بعد أن قام الفريق بتعطيل أجهزة الإنذار وإزالة أبواب المستودع، وفتح 32 خزانة تحتوي على المواد، ولكيلا يلفت تحرك الشاحنة النظر، استأجر الفريق عشر شاحنات في جميع أنحاء منطقة طهران.

منظمة مجاهدي خلق

الحكومة الإيرانية وكل الناطقين بلسان "الحرس الثوري" أعلنوا أن هناك مبالغات في تقييم الغنائم، لكنهم، فيما بعد، تحدثوا عن "إلقاء القبض على جميع الإرهابيين الذين ساعدوا المخابرات الإسرائيلية"، واتهموا المعارضة الإيرانية بذلك خاصة "منظمة مجاهدي خلق"، في الوقت الذي أكدت فيه مصادر استخباراتية إسرائيلية، أن "الموساد" لم يعتمد على منظمات من المعارضة السياسية، بل على جهات مرتزقة تعمل من أجل المال، وعلى مساعدة استخبارات أجنبية، وغربية بالأساس، ممن لديها مصلحة في إجهاض المشروع النووي الإيراني.

 

رئيس وحدة الاستخبارات السرية

وقد صرح الرئيس الإيراني الأسبق أحمد نجاد، عام 2021، أن رئيس وحدة الاستخبارات السرية في في الحرس الثوري الإيراني، التي تم تشكيلها لمطاردة عملاء الموساد في الجمهورية الإيرانية، كان عضوًا في الموساد، وأن الوحدة كانت تضم نحو 20 عنصرًا يعملون لحساب الاستخبارات السرية الإسرائيلية، بينما كان من المفترض أن يقوموا بمراقبة أنشطة التجسس الإسرائيلية ضد إيران.

وأكد الرئيس الإيراني الأسبق، أن هذه المجموعة هي المسؤولة عن تسريب معلومات خطيرة حول البرنامج النووي الإيراني إلى إسرائيل، حيث قاموا بسرقة وثائق البرنامج النووي الإيراني عام 2018، ونقلها إلى إسرائيل، كما أفاد نجاد أن عملاء إسرائيل في جهاز الاستخبارات الإيراني كانوا مسؤولين عن قتل عدد من العلماء والمسؤولين عن البرنامج النووي الإيراني، وأنه تم اكتشافهم عام 2021، ولكنهم تمكنوا من الفرار ويعيشون حاليا في إسرائيل.

وجود عملاء للموساد في طهران لم يعد مجرد افتراض أو نظرية، بل تؤكده العديد من الأحداث والتسريبات، ويُعتبر أحد أعقد الملفات في حرب الظل بين إيران وإسرائيل، ورغم أن "الموساد" لا يعلن رسميًا عن عملياته، فإن ما تسرب من معلومات أو ما صرّحت به طهران نفسها، يشير إلى اختراق إسرائيلي عميق داخل إيران.

وقد أعلنت السلطات الإيرانية في حالات كثيرة عن اعتقال عناصر إيرانيين بتهمة التعاون مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، وتفكيك خلايا مرتبطة بالموساد، وبعض هذه الشبكات متهمة بـ"محاولات تخريب منشآت صناعية وعسكرية" داخل طهران، ومحاولة تخريب في منشآت نووية داخل إيران مثل "منشأة نطنز" التي تعرضت لتفجير داخلي (2020 و2021)، وقد صرح مسؤولون إيرانيون أن التخريب تم بمساعدة من "عملاء داخليين"، وربما موظفين في المنشأة.

 

شبكة إسرائيلية في وسط إيران

نجحت إسرائيل في تجنيد بعض الإيرانيين المنشقين للحصول على المعلومات، ولعل أبرزهم الجنرال "علي رضا أصغري" الذي لعب دورًا بارزًا في الشبكة التي تربط بين إيران وحزب الله وسوريا، ويعتقد أن أصغري كان مصدر المعلومات الاستخباراتية التي استخدمتها إسرائيل في عملية "البستان" الشهيرة لقصف المفاعل النووي السوري في دير الزور في سبتمبر عام 2007.

لم يكن هذا هو الاختراق الإسرائيلي الأوحد لإيران على كل حال، ففي 10 أبريل 2012 أعلنت وزارة الداخلية عن اكتشاف شبكة إسرائيلية في وسط إيران تحاول جمع معلومات عن الأنشطة النووية الإيرانية، مشيرة لقدرتها على تفكيك شبكات التجسس التابعة لوكالة المخابرات المركزية والموساد فيما أسمته حرب الاستخبارات المفتوحة بين الفريقين، ولكن اختراق المؤسسات الأمنية والسياسية الإسرائيلية المنيعة ظل دوما حلما وهدفا مشروعًا بالنسبة للإيرانيين.

استهداف المصالح الإسرائيلية

ورغم النجاحات الكبيرة التي حققتها إيران في استهداف المصالح الإسرائيلية في الخارج، كان النجاح الذي حققته طهران في الاختراق الاستخباراتي المباشر للكيان الصهيوني حتى ذلك التاريخ محدودًا بشكل كبير، فقد كشفت وزارة الاستخبارات الإيرانية في 10 يونيو 2025، عن تفاصيل وثائق نووية حساسة حصلت عليها طهران من داخل إسرائيل، مبينة أنها تحتوي على برامج غير قانونية وسرية للأسلحة النووية.

وأشار الوزارة الإيرانية في بيانها، أن "الوثائق التي تم الحصول عليها تحتوي على تنوع موضوعي، كما تتمتع بقيمة استراتيجية وعملية وبحثية وعلمية، وتشتمل معلوماتها على جزء كبير من المجالات المرتبطة بالبرامج غير القانونية والسرية للأسلحة النووية، بما في ذلك المنشآت، والأبحاث، والاتصالات مع مؤسسات أمريكية وأوروبية، حيث تتعلق بالبرامج النووية الحالية والمستقبلية لإسرائيل، وتتضمن ملفات تتعلق بالبرامج العسكرية والصاروخية، والوثائق الفنية الخاصة بمشاريع ذات استخدام مزدوج علمي وتقني، إلى جانب الأسماء، والبيانات الشخصية، والصور، والعناوين الكاملة لمديري ومسؤولي وعلماء إسرائيل المتورطين في هذه المشاريع".

جهاز الاستخبارات الإيراني

ويعود تاريخ تأسيس جهاز الاستخبارات الإيراني لعام 1957، حين تعاونت الولايات المتحدة الأمريكية، مع شاه إيران "محمد رضا بهلوي" لإنشاء منظمة الأمن الوطني والاستخبارات الإيرانية المعروفة باسم "السافاك"، وكان الهدف الرئيسي للجهاز حماية الدولة من اختراقات الشيوعيين، ونتيجة لذلك تم منح الجهاز صلاحيات واسعة في مراقبة الصحفيين والأكاديميين والنقابات العمالية.

كان النشاط الخارجي لجهاز "السافاك" محدودًا بشكل كبير قبل أن يتم حله نهائيا أعقاب الثورة الخمينية، حيث أسست الحكومة الثورية الجديدة مجموعة من الوكالات الجديدة أيضًا على رأسها الوكالة الوطنية الإيرانية للاستخبارات والأمن "سافاما"، والتي تولت مهمة جمع المعلومات الاستخباراتية الخارجية، في حين تم تأسيس "الحرس الثوري" لحماية الثورة، والتعامل مع التهديدات الداخلية، قبل أن يشارك هو الآخر في العمليات الأجنبية في وقت لاحق.

حرب الجواسيس والعملاء بين البلدين انتقلت مؤخرًا إلى مرحلة متقدمة ليس على الأرض، أو على أجهزة الحاسوب والاتصال، ولكن على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح هذا البعد أكثر خطورة في تجنيد العملاء للتأثير على الرأي العام الداخلي في كل دولة، أو الرأي العام الدولي.

حرب المخابرات بين إيران وإسرائيل ليست مجرد صراع بين جهازين أمنيين، بل هي جزء من مواجهة أوسع تشمل التكنولوجيا، والسياسة، والقطاع الأمني، وحتى التحالفات الدولية، وكثيرًا مما يجري في هذه الحرب يظل طي الكتمان، لكن الأحداث التي تظهر على السطح تكشف عن صراع شرس وطويل الأمد، لا يبدو أنه سينتهي قريبًا.

 

* عمرو فاروق

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء