رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

"الجهود القطرية" بين الدبلوماسية المرنة والسيادة المفقودة

أمير قطر برفقة الرئيس
أمير قطر برفقة الرئيس السيسي

 

باتت الوساطة سمةً بارزةً بشكلٍ متزايد في السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية. بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، برزت الوساطة كأداة مرنة لإدارة الأزمات، وبلورة سُمعة دولية تُعزز من نفوذها الدبلوماسي، وصورتها الدولية كجهات فاعلة محايدة وغير منحازة. فتُشير البيانات المرصودة طبقاً لتقارير لإتمام حوالي (30 حالة) وساطة موثقة لدول مجلس التعاون الخليجي من العام 2007 إلى أغسطس من العام 2025-زاد العدد ما بعد ذلك-فامتداد المساعي الخليجية للوساطة ليس فقط على مدي الامتداد الإقليمي في الشرق الأوسط، إنما تمتد الجهود الخليجية إلى الساحة الإفريقية والأوروبية أيضاً.  فنجد على مدار العامين (2024-2025)، تألقت دولة الإمارات بنجاحها في إتمام ما يُقَدّر بـ(17) عملية وساطة بين روسيا وأوكرانيا، في ظل الأزمة الروسية الأوكرانية، كما تدخلت السعودية بعمليات وساطة مُباشرة تارة بين روسيا وأوكرانيا، وفي مارس 2025 استضافت ورعت المُباحثات الأمريكية الأوكرانية في جدة، كما استضافت الرياض محادثات جدة حول السودان، وقمتين عربيتين إسلاميتين حول غزة ومستقبل الدولة الفلسطينية، بالإضافة إلى دورها في الوساطة بين الهند وباكستان مايو 2025. في كل حالة، تواصلت قيادة المملكة مباشرةً عبر القنوات الرسمية مع القيادة الوطنية بدلاً من التواصل مع أطراف متمردة أو غير حكومية. ولعلّ تسهيلها لعقد قمة أمريكية روسية عام 2025 مثّل أبرز دليل على قدرتها على جمع الأطراف، مُظهرةً بذلك قدرة المملكة على جمع القوى العظمى المتنافسة. فضلاً عما قدمته الدول الخليجية بشكل عام من موارد مالية ودعم عيني لأوكرانيا على مدار سنوات حربها مع روسيا، ذلك فضلاً عن مجهودات الكويت وعُمان وقطر في عمليات الوساطة الإقليمية.

جهود أمير قطر في افريقيا
جهود أمير قطر في افريقيا

قطر لاعبًا دبلوماسيًا محوريًا في حل الأزمات في أفريقيا

 

وقطر بشكل خاص إلى جانب جهود الوساطة التي تبذلها في ملفات إقليمية مثل غزة وإيران، أصبحت قطر لاعبًا دبلوماسيًا محوريًا في المساعدة على حل الأزمات في أفريقيا. وقد تصدرت الدولة الخليجية الغنية عناوين الصحف العالمية في مارس2025 عندما استضافت محادثات بين الرئيس فيليكس تشيسكيدي، رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية، والرئيس الرواندي بول كاغامي، والتي أسفرت عن وقف إطلاق النار. وجاء هذا الاتفاق والتوافق برعاية قطرية بعد فشل فرنسي في عقد أي توافق بين الدولتين الإفريقيتين، كما أعلنت قطر في 19 سبتمبر نجاح وساطتها للإفراج عن مواطنين بريطانيين كانا محتجزين في أفغانستان، ليصلوا قطر ومنها إلى لندن. 

رغماً عن كل تلك الجهود الدبلوماسية الخليجية الحثيثة في مُختلف عمليات الوساطة التي تهدف لتعزيز السلم والأمن الدوليين والتي بشكل خاص تُوجه نحو الامتداد الأوروبي في الأزمة الروسية الأوكرانية، أو على مدي الشرق الأوسط وكأنها جهود احتوائية وتصليحيه لما تُخربه إسرائيل بدعم أمريكي خاصة على مدار العاميين (2024-2025) من غزة إلى إيران إلى سوريا ولبنان واليمن والسودان، ورغماً عما يرافق تلك الجهود الدبلوماسية من جهود سياسية ومُقدرات اقتصادية مُستنفذة. إلا أن كل ذلك وذاك لم يجد أدني تقدير حقيقي لدي الولايات المتحدة الأمريكية أو الدول الأوروبية التي لم تُبدي اهتمام بالأمن الخليجي حين أتت الضربات العسكرية الإسرائيلية –المدعومة أمريكًا وبريطانيًا-على الدوحة القطرية لتُشكل حدث زمني فارق في صياغة سياسات ورؤى دول الخليج.

فقد أدت ضربة الدوحة إلى زيادة الوعي بأن الوسطاء والمنابر الدبلوماسية أصبحت الآن عرضة للخطر، مما يفرض إعادة تفكير استراتيجية جذرية. بالنسبة للدول العربية، قد تُحفّز هذه اللحظة تحولًا نحو استقلالية استراتيجية أكبر وتحالفات أكثر تنوعًا. وقد دعا القادة العرب والإسلاميون بالفعل إلى عمل جماعي، دبلوماسيًا وأمنيًا، مؤكدين على ضرورة السعي إلى العمل من خلال الهيئات الدولية بدلًا من الاعتماد على جهود فردية مجزأة. 

 

أماكن التفاوض تحولت لأهداف مشروعة

 

 فيُرسي الهجوم سابقة خطيرة للوساطة على نطاق أوسع. إذا أصبحت أماكن التفاوض المحايدة أهدافًا مشروعة، فإن الإطار الأساسي لحل النزاعات قد قُوِّض. بالنسبة للوسطاء الآخرين في المنطقة، وخاصة الإمارات والسعودية ومصر، الذين قادوا أيضًا محادثات بشأن الصراع الفلسطيني، فإن الضربة على الدوحة تُمثّل إشارة واضحة إلى ضرورة تنويع الترتيبات الأمنية وتعزيزها. قد يعني ذلك تعزيز القدرات الدفاعية الجماعية أو السعي إلى شراكات أمنية أوسع مع قوى مثل الصين وروسيا وتركيا. تعمل بعض دول الخليج بالفعل على تعميق تعاونها مع بكين وموسكو، اللتين لا تزال آثارهما الاقتصادية والعسكرية في المنطقة تنمو.

 تُعدّ مشاركة الكويت والإمارات في منظمة شنغهاي للتعاون أحد مؤشرات هذا التحول. ويُعتبر الحدث الأبرز لجدية تغير التوجهات الأمنية العسكرية الخليجية التعاون الدفاعي بين السعودية وباكستان، إنما الأمر اللافت، هو التساهل القطري اليوم التالي للقمة العربية الإسلامية التي حظيت بها قطر بمُساندة ودعم واسع النطاق، إلا سُرعان ما انصاعت للتوجيهات الأمريكية وقبول عرض إدارة ترامب الأمريكية بعقد اتفاقية تعاون دفاعي مُعززة بين قطر والولايات المُتحدة مُثيره لتساؤل لن يجد مُجيب، ما الذي سيختلف في التعاون الدفاعي المُعزز عن التعاون الدفاعي القائم بالفعل ولكنه بشكل صوري لا يمت للواقع بشيء؟! 

 

قطر  تطلب اعتذارًا إسرائيليًا

 

الأمر الأكثر غرابة أن قطر حاليًا تطلب اعتذار إسرائيلي يُركّز على مقتل ضابط الأمن القطري، ويتضمن وعودًا بتعويض عائلته وعدم انتهاك السيادة القطرية مرة أخرى. علماً أنه سبق لإسرائيل أن قدمت اعتذارات مماثلة في الماضي. ففي عام 2013، اعتذر نتنياهو للرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن مقتل ناشطين أتراك في غارة أسطول الحرية على غزة عام2010

ختاماً، نجد تغير وتنوع في إدراك الدول الخليجية لواقعها الأمني، فمن الملامح الإيجابية في الإدراك الخليجي النمو السريع للصناعات الدفاعية في السعودية والإمارات على مدار السنوات العشر الماضية، والذي عززه التعاون الصناعي مع تركيا، وعززته الشراكات الصينية والتوجه لتوطين الصناعات الدفاعية، إنما السلوك القطري مع مُستجدات ما بعد استهداف عاصمتها بضربة جوية إسرائيلية يؤكد أن الولايات المُتحدة تضعها في خانة صاحب الجهود المضمونة خاصة أنها لم تتخذ إي إجراء اعتراضي سواء دبلوماسيًا أو اقتصاديًا عما حدث لها، هذه الدولة الخليجية الصغيرة حليف رئيسي للولايات المتحدة، استقبلت الرئيس الأمريكي ترامب قبل أربعة أشهر فقط؛ فُرش السجاد الأحمر، وأُبرمت صفقات بمليارات الدولارات، وأهدته طائرة رئاسية مثيرة للجدل، ولم يمنع عنها الضربات الإسرائيلية، وحاليًا فقط تطلب قطر اعتذارًا من إسرائيل عن غارتها في الدوحة قبل استئناف وساطتها في اتفاق سلام غزة.

اعتذار ليس من المؤكد أن تحصل عليه، لما يُمثله الاعتذار الآن انقلابًا سياسيًا مدمرًا لنتنياهو وائتلافه اليميني المتشدد، لكن مصدرًا مطلعًا على الأمر قال إن القطريين يدركون التعقيد السياسي في إسرائيل، ومستعدون للتحلي بالمرونة بشأن لغة الاعتراف بالخطأ !!

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء