واشنطن وتل أبيب.. من خطة "الثقة العظيمة" إلى مشروع "توني بلير" في غزة
منذ بدء الحرب الإسرائيلية الجارية على قطاع غزة، ظل السؤال عن المستقبل واليوم التالي للحرب يشغل أذهان الدول والأطراف المنخرطة في الصراع، واكتسبت الرؤى المختلفة لهذا المستقبل مزيدًا من الزخم، مؤخرًا، بعد الإعلان عن خطتي الثقة العظيمة The GREAT TRUST، التي كشفت عنها صحيفة واشنطن بوست، وخطة توني بلير لإدارة غزة عن طريق هيئة/ إدارة دولية مؤقتة تسمى "جيتا"، وعقب الكشف عن الخطة الأخيرة، قالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية إن الولايات المتحدة تدرس ترشيح رئيس الوزراء البريطاني السابق لرئاسة الإدارة الانتقالية.
ولا تنفصل هذه التطورات عن الوضع الدولي في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وموجة الاعترافات الأخيرة بالدولة الفلسطينية في ظل التحالف الراعي لها الذي تقوده المملكة العربية السعودية وفرنسا، وكذلك زيادة العزلة الإسرائيلية دوليًا بفعل الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة والمنطقة ككل، فهذه التطورات المتزامنة مع استمرار العملية العسكرية الإسرائيلية في مدينة غزة، شمال القطاع، دفعت واشنطن للحديث مجددًا عن اليوم التالي بعدما وفرت دعما غير محدود طوال عامين للعدوان الإسرائيلي على القطاع.
ووفقًا لصحيفة هآرتس فإن الولايات المتحدة رشحت توني بلير لترأس الإدارة الانتقالية لقطاع غزة، ويعني منا نشرته الصحيفة الإسرائيلية إن واشنطن ترى أن مقترح توني بلير أكثر واقعية من خطة الثقة العظيمة التي كشفت عنها صحيفة واشنطن بوست، من قبل، والتي نصت على التهجير الطوعي لمئات آلاف الفلسطينيين من قطاع غزة وإعادة إعمار القطاع بطريقة تعكس في جوهرها تصور ترامب لـ"ريفييرا غزة" حيث يتم إنشاء منتجعات سياحية ومراكز مالية على الأراضي الفلسطينية.

وسبق أن عملت عدد من المؤسسات الأمريكية والإسرائيلية منها مؤسسة راند الأمريكية التابعة لوزارة الحرب "البنتاجون" (الدفاع سابقًا)، والمعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي " JINSA" التابع للوبي الصهيوني في واشنطن على تصورات لليوم التالي للحرب في قطاع غزة، وكذلك قدمت مصر خطة لمستقبل غزة تشمل تشكيل لجنة المساندة المجتمعية وإعادة إعمار القطاع بتكلفة متوقعة قدرها 53 مليار دولار وهي الخطة التي دعمتها القمة العربية الطارئة في القاهرة في مارس الماضي.
ومن بين التصورات المقترحة، حظيت خطة الثقة العظيمة، وخطة توني بلير لليوم التالي للحرب باهتمام أكبر من قبل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
الانتقال من خطة الثقة العظيمة لخطة توني بلير
وفي الواقع فإن خطة الثقة العظيمة The GREAT TRUST التي سميت اختصارًا لـ" Transformation Gaza Reconstitution, Economic Acceleration and" أي إعادة إعمار غزة وتسريع الاقتصاد والتحول، والتي اقترحتها مؤسسة غزة الإنسانية المنشأة بدعم أمريكي إسرائيلي، تتكون من 38 صفحة، وهي خطة تمتلئ بالفجوات وتفترض إجراء عملية التحول في القطاع وفق جدول زمني قد لا يكون واقعي بالنظر إلى حجم العمل المطلوب لإزالة آثار الدمار في القطاع وإعادة الإعمار.
فضلا عن أن الخطة تفترض المضي قدمًا في خطة التهجير الطوعي، وهو ما تدعمه القيادة الإسرائيلية، وهذا التهجير لم يتم التوصل إلى تصور عملي لتطبيقه في ظل عدم القبول به نهائيا حتى الآن، فضلا عن الجهود المصرية المبذولة من أجل إجهاضه عن طريق حراك دبلوماسي وسياسي مع الدول المرشحة للتهجير.
ويبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي وإمبراطور العقارات دونالد ترامب، الحالم بريفييرا أخرى على أنقاض غزة، أدركت أن الخطة التي أعدتها مؤسسة غزة الإنسانية GHF، التي تراعاها الإدارة، لا تصلح عمليا للتطبيق في قطاع غزة، ولذا استدعى "ترامب" رئيس الوزراء البريطاني الأسبق دونالد ترامب، وجاريد كوشنر صهر ترامب إلى اجتماع في البيت الأبيض، في 27 أغسطس الماضي، لمناقشة خطة ما بعد الحرب التي عمل عليها توني بلير ومؤسسته الخاصة المعروفة بـ"معهد توني بلير للتغيير العالمي" وشارك في صياغتها جاريد كوشنر، وهي الخطة التي تراها الإدارة الأمريكية أكثر واقعية للعمل عليها في الفترة المقبلة.
وهذه الخطة كشفت عنها صحيفة تايمز أوف إسرائيل، في 18 سبتمبر الجاري، قائلةً إن هذه الخطة عمل عليها "بلير" منذ الشهور الأولى للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة واعتبرها تصور لمرحلة ما بعد الحرب، ولا تُصرح الخطة علنا بتهجير الفلسطينيين، بل تتحدث عن إنشاء هيئة دولية للإدارة الانتقالية "جيتا" (Gaza International Transitional Authority (GITA))، وتنص الخطة على مشاركة السلطة الفلسطينية في الإدارة وتتحدث عن نقل كامل السلطات لها في غزة مستقبلا دون أن تُحدد إطارًا زمنيا واضحًا لهذا النقل.

وبحسب خطة توني بلير فستتكون إدارة "الجيتا" من شخصيات أممية وعربية مع مشاركة عضو فلسطيني واحد، وستُنشأ إدارة مالية لتلقي المنح والتبرعات والرقابة على عملية الإنفاق، وفريق دعم لرئيس الهيئة الانتقالية (الذي تقترح واشنطن أن يكون هو نفسه توني بلير)، وهيئة اقتصادية لتشجيع الاستثمار.
وستندرج تحت إدارة "الجيتا" أجهزة رئيسية تضم قوات الأمن التي ستتكون من قوات أمن دولية بجانب قوات أمن تابعة للسلطة الفلسطينية، والإدارة المحلية (البلديات)، وحدة حفظ حقوق الملكية التي ستصدر تأشيرات ملكية رقمية بموجبها تضمن حق حصول الفلسطينيين الذين ستدخل أراضيهم في عملية إعادة الإعمار على راتب شهري ومصروفات إيجار في إحدى الدول المستضيفة خارج فلسطين أو الحصول على شقة سكنية في المشروعات التي سيتم إقامتها في سنوات إعادة الإعمار في قطاع غزة وهذه الجزئية تنص عليها أيضًا خطة الثقة العظيمة، وأخر الأجهزة التي ستنضوي تحت إدارة "الجيتا" هي القضاء.
وسعى رئيس الوزراء البريطاني، سابقا، لحيازة دعم عربي وفلسطيني من قبل السلطة الفلسطينية لهذه الخطة، وعقد في هذا الإطار سلسلة من الاجتماعات في دول عربية وفي رام الله حيث التقى بمحمود عباس وقادة السلطة الفلسطينية الحالية، التي تنص الخطة على أنها بحاجة إلى إعادة تأهيل كي تتسلم مستقبلا إدارة قطاع غزة.
والحقيقة فإن فكرة إعادة تأهيل السلطة الفلسطينية تشغل أذهان صناع سياسة الولايات المتحدة الخارجية المعنيين بملف المنطقة العربية (الشرق الأوسط)، وإعادة التأهيل هذه في تصورهم تقتضي أن يتم تغيير وجه السلطة الفلسطينية الأبرز أي الرئيس محمود عباس ونقل السلطة إلى وجه جديد ودعمه عن طريق الحصول على تمويل وتبرعات من الدول الإقليمية، وحث الدول الأوروبية على إطلاق مرحلة جديدة من عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وفق التصور الأمريكي.
ترامب وفريقه يحشدون لخطة بلير
ومن الملاحظ أن الخطة السابقة تتشابه إلى حد كبير مع الخطة التي قدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف إلى القادة العرب في الاجتماع الذي عُقد في نيويورك وضم مسؤولين بارزين من دول مصر والسعودية والإمارات وقطر والأردن وتركيا وإندونيسيا وباكستان، يوم الثلاثاء الماضي، وهي الخطة التي تتكون من 21 نقطة، كما كشف عنها موقع "أكسيوس" القريب من الاستخبارات الإسرائيلية.
وتنص النقاط الواحدة والعشرين على إطلاق سراح الرهائن دفعة واحدة ووقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة تدريجيا، وتشكيل قوة أمنية فلسطينية وعربية وإسلامية لتولي إدارة الأمن في القطاع في المرحلة التالية للحرب، ومشاركة السلطة الفلسطينية وعدم ضم أي مناطق جديدة من الضفة الغربية لإسرائيل، وبحسب "أكسيوس" فإن هذه الخطة حظيت بدعم القادة العرب الذين شاركوا في الاجتماع مع ترامب.
وبدوره، أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ترحيبه بمبادرة الرئيس الأمريكية (خطة الـ21 نقطة القائمة في جوهرها على خطة توني بلير)، ودعا لتنفيذها في أقرب وقت ممكن، مؤكدًا انحياز مصر لخيار السلام في المنطقة.
وحتى الآن لا يمكن بأن خطة توني بلير ستجد مسارًا كي تُطبق بشكل كامل في قطاع غزة، فالتفاصيل الخاصة بها لا تزال غير مجمع عليها كما قد تعيقها الأوضاع على الأرض بما في ذلك الخطط العملياتية الإسرائيلية التي تمضي للآن في مسار مغاير لما تصبو إليه هذه الخطة، وكذلك ترغب مصر في تشكيل إدارة فلسطينية غير فصائلية للقطاع ولا تعترض على نشر قوات أممية في القطاع بشرط منح هذه القوة تفويضا من مجلس الأمن الدولي وفقًا لما ذكره وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، أمس الخميس، وهذا يعني أن اليوم التالي للحرب في غزة لم تتبلور ملامح فجره بعد بينما تستمر الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في اليوم الحالي.
أحمد سلطان
باحث في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب



