روشتة جودة عبد الخالق بين التقشف والعدالة لمواجهة صدمات الاقتصاد |تحليل
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، وامتداد تأثيرها إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، تتزايد التساؤلات حول قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع هذه الصدمات، خاصة مع طرح رؤى اقتصادية تدعو إلى إجراءات تقشفية حادة وإعادة هيكلة أولويات الإنفاق والاستيراد.
رؤى إصلاحية
طرح الدكتور جودة عبد الخالق، وزير التموين الأسبق وأستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، مجموعة من الإجراءات العاجلة، تستهدف تقليل الضغط على الاقتصاد المصري، من خلال ترشيد الاستيراد، وخفض الإنفاق الحكومي بنسبة 20%، إلى جانب تبني سياسات ضريبية تصاعدية لتمويل زيادة الأجور، والعودة إلى الدعم العيني كآلية للحد من التضخم.
هذه الطروحات تعكس توجهًا تقليديًا يعتمد على أدوات الانضباط المالي وإعادة توزيع الدخل، خاصة في أوقات الأزمات، إلا أن تطبيقها على أرض الواقع يفتح بابًا واسعًا للنقاش، في ظل طبيعة الاقتصاد المصري الحالية وتشابك التحديات الداخلية والخارجية.
ترشيد الاستيراد.. بين الضرورة والمخاطر
يُعد تقليص الواردات أحد أبرز الحلول المطروحة لتخفيف الضغط على العملة الأجنبية، لكن خبراء يرون أن هذا التوجه قد يواجه صعوبات عملية، نظرًا لاعتماد العديد من الصناعات المحلية على مكونات مستوردة، ما قد يؤدي إلى تباطؤ الإنتاج بدلًا من دعمه.
كما أن تحديد "السلع الضرورية" بشكل دقيق يمثل تحديًا في حد ذاته، خاصة مع ارتباط سلاسل الإنتاج ببعضها البعض، وهو ما قد ينعكس على السوق في صورة نقص معروض أو ارتفاع أسعار.
خفض الإنفاق الحكومي.. هل هو واقعي؟
مقترح تقليص الإنفاق الإداري بنسبة 20% يبدو نظريًا قابلًا للتنفيذ، لكنه عمليًا يتطلب إعادة هيكلة حقيقية في بنود الموازنة، وليس مجرد خفض مباشر، خاصة أن جزءًا كبيرًا من الإنفاق الحكومي يذهب إلى أجور وخدمات أساسية.
وهنا يرى وائل النحاس أن تنفيذ هذا الخفض في الوقت الحالي "صعب التطبيق"، مشيرًا إلى أن الحكومة لديها التزامات ثابتة، وأن أي تقليص غير مدروس قد يؤثر على كفاءة الجهاز الإداري أو جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
الضرائب التصاعدية.. عدالة اجتماعية أم ضغط اقتصادي؟
فيما يتعلق بتمويل زيادة الأجور عبر الضرائب التصاعدية، يُنظر إلى هذا المقترح باعتباره أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، لكنه في المقابل قد يثير مخاوف تتعلق بتأثيره على مناخ الاستثمار.
ويرى بعض المحللين أن فرض أعباء ضريبية إضافية على الفئات الأعلى دخلًا قد يؤدي إلى تقليص الاستثمارات أو زيادة محاولات التهرب الضريبي، ما قد يحد من فعالية هذه السياسة إذا لم تُطبق بشكل متوازن ومدروس.
الدعم العيني.. عودة لسياسات الماضي؟
الدعوة للعودة إلى الدعم العيني، مثل تقديم السلع بنصف الثمن، تستهدف ضمان وصول الدعم مباشرة إلى المواطنين، وتجنب استغلال التجار لأي زيادات نقدية.
لكن هذا النموذج يواجه تحديات تتعلق بالكفاءة والتكلفة، حيث يتطلب منظومة رقابية قوية لضمان عدم تسرب الدعم، فضلًا عن الأعباء اللوجستية المرتبطة بتوفير السلع وتوزيعها بشكل عادل.
الواقع الاقتصادي يفرض قيودًا
في المجمل، تعكس مقترحات عبد الخالق رؤية تستند إلى أدوات اقتصادية تقليدية لمواجهة الأزمات، إلا أن الواقع الحالي للاقتصاد المصري، الذي يعاني من ضغوط الديون، وارتفاع تكلفة الاستيراد، والتزامات مالية كبيرة، يجعل من تطبيق هذه الحلول بشكل فوري أمرًا معقدًا.
وقال الخبير الاقتصادي، وائل النحاس، في تصريحات لـ “إيجبتك”، أن التحدي الحقيقي لا يكمن في طرح الحلول، بل في مدى قابليتها للتنفيذ في ظل الظروف الراهنة، وهو ما يتطلب مزيجًا من السياسات المرنة التي توازن بين الاستقرار المالي والحماية الاجتماعية، دون الإضرار بمعدلات النمو أو مناخ الاستثمار.





