رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

توازن القوى المفقود: تداعيات انهيار إيران على مستقبل الشرق الأوسط

الهجوم  الأمريكي
الهجوم الأمريكي على إيران

شهدت القارة الأوروبية في بداية القرن التاسع عشر حالة من الفوضى والاضطرابات الأمنية الشديدة على خلفية إرهاصات ما بعد الثورة الفرنسية والحروب النابليونية، والتي انتهت بهزيمة نابليون في معركة واترلو في هولندا في 18 يونيو 1815.

عقب هزيمة الجيوش الفرنسية وزوال الخطر النابليوني، انعقد مؤتمر للقوى الأوروبية في يونيو 1815 في العاصمة النمساوية فيينا، وفيه نجح الوزير النمساوي والسياسي الأول بها في ذلك الوقت كليمنس فون مترنيش في إرساء العديد من المبادئ السياسية الحاكمة للعلاقات الدولية، والتي تقوم على أساس ضرورة الحفاظ على الأعداء وعدم القضاء على الخصوم بصفة نهائية، حيث إن الإقصاء النهائي للخصوم من شأنه تعزيز نفوذ قوى أخرى ناشئة وبروز أخطار جديدة لا يمكن مواجهتها.

قامت فكرة مترنيش على فكرة تحقيق التوازن بين القوى الكبرى والوسطى في العالم في ذلك الوقت، وذلك لمنع تغول قوى على قوى أخرى، وبناء على هذه السياسة تم الحفاظ على الإمبراطورية العثمانية ومنعها من السقوط رغم حالة العداء التي كانت تكنها الدول الأوروبية للدولة العثمانية، وكذلك حالة الضعف التي كانت عليها إسطنبول، إذ كانت تُسمى باسم "رجل أوروبا المريض". فعلى سبيل المثال تدخلت فرنسا وبريطانيا في حرب القرم عام 1853 لمنع سقوط الدولة العثمانية أمام الإمبراطورية الروسية ومنع تغول موسكو في شرق أوروبا والبلقان.

الهجوم  الأمريكي على إيران 
الهجوم  الأمريكي على إيران 

اعتبرت القوى الكبرى في ذلك الوقت، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، أن الدولة العثمانية، ورغم حالة العداء معها ورغم ضعفها الشديد، إلا أنها لعبت دورًا وظيفيًا هامًا في حماية النظام الدولي، حيث كانت بمثابة حائط صد أمام الأطماع الروسية في شرق أوروبا ومنطقة البلقان.

لكن حين قررت بريطانيا وفرنسا تصفية الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، انهار حائط الصد العثماني عن غرب أوروبا، وبرزت القوى الفاشية والنازية في وسط أوروبا، كما تمدد الاتحاد السوفيتي في شرق أوروبا ومنطقة البلقان، مهددًا الأمن القومي لدول غرب أوروبا لعقود طويلة من الزمن.

تكرار السيناريو

ما جرى في الماضي البعيد، وتحديدًا في نهاية الحرب العالمية الأولى بإزالة الدولة العثمانية، مما أدى إلى تمدد قوى الفاشية والنازية والشيوعية في وسط وشرق أوروبا، يتكرر اليوم في منطقة الشرق الأوسط. فإيران، خاصة بعد حرب الاثني عشر يومًا وتدمير العديد من منشآتها العسكرية والنووية ومقتل قادتها، اعتُبرت "رجل الشرق الأوسط المريض"، والذي يجب الحفاظ عليه لتحقيق التوازن الوظيفي في المنطقة ومعادلة وموازنة نفوذ أية قوة أخرى صاعدة في منطقة الشرق الأوسط.

رغم الأهمية الوظيفية لإيران في الحفاظ على توازن القوى في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن الولايات المتحدة وإسرائيل لهما رأي آخر، فهما يريدان إزالة النظام الإيراني بشكل شبه كامل، مما يعني انهيارًا تامًا للدولة الإيرانية وترك فراغ جيوسياسي وأمني كبير في منطقة الشرق الأوسط قد تسعى العديد من الدول الإقليمية الأخرى إلى إعادة ملئه والتحول إلى قوى إقليمية كبرى متغلبة على باقي الدول في المنطقة.

تركيا القوية

لطالما نُعتت تركيا تاريخيًا بـ"رجل أوروبا المريض"، أما اليوم فيمكن وصفها بـ"رجل الشرق الأوسط القوي"، والتي لا تفوت أي فراغ أمني وجيوسياسي به من أجل تعزيز قوتها السياسية والعسكرية والجيوسياسية. فعلى سبيل المثال، استغلت أنقرة هجمات البيجر واغتيال الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله في سبتمبر 2024، وإضعاف قواته المسلحة في لبنان وسوريا، في توسيع تمددها في سوريا. ففي نهاية نوفمبر 2024 أوعزت أنقرة لحلفائها من الميليشيات السورية المتمردة "هيئة تحرير الشام" باستغلال حالة الضعف التي بات عليها حزب الله وأنصار نظام الأسد في التحرك جنوبًا صوب العاصمة دمشق وإسقاط النظام السياسي في 8 ديسمبر 2024، وبالتالي تكون تركيا قد زحزحت نفوذها الجيوسياسي ليشمل كافة التراب السوري، أو كما عبّر الرئيس الأمريكي ترامب في السابق بأن تركيا استولت تقريبًا على سوريا.

الهجوم  الأمريكي على إيران 
الهجوم  الأمريكي على إيران 

تداعيات سقوط النظام الإيراني

توجد العديد من التداعيات السلبية التي قد تحدث في حال انهيار النظام الإيراني الحالي، والتي قد تؤثر فعليًا على مستقبل منطقة الشرق الأوسط، ومن أبرز تلك التداعيات:

أولًا: تركيا العدو الأول لإسرائيل

 وفي هذا الإطار يؤكد الباحث برنارد سيمان، الزميل المشارك الأول في معهد إيغمونت الملكي للعلاقات الدولية (Egmont – The Royal Institute for International Relations)، والمتخصص في التهديدات والحروب الهجينة، بأن تركيا باتت هي العدو الرئيس الأول للنظام الإسرائيلي وليس إيران، فتركيا حاليًا نجحت في استغلال الفراغ الجيوسياسي في سوريا، وعلى استعداد لاستغلال الفراغ الجيوسياسي في إيران في حال حدوثه.

ثانيًا: ممر الإرهاب والجريمة

في حال سقوط النظام الإيراني فإن ذلك يعني ظهور مناطق خارجة عن السيطرة، مما قد يؤدي إلى إنشاء ممر طويل يمتد من الحدود الأفغانية الإيرانية شرقًا إلى الحدود الإيرانية العراقية غربًا، وفي الغالب قد يتم استغلال هذا الممر أو المعبر في الجريمة المنظمة وانتعاش المنظمات الإرهابية التي قد ترى في المناطق الإيرانية الواسعة والخارجة عن السيطرة فرصة مُثلى من أجل التوسع والتمدد والانتشار.

ثالثًا: تزايد الهجرات غير الشرعية

 تاريخيًا وقفت إيران حائط صد منيعًا أمام هجرات اللاجئين الأفغان والباكستانيين إلى دول غرب أوروبا، لكن في حال انهيار النظام الإيراني فإن موجات اللاجئين الأفغان والباكستانيين ستعبر إيران من شرقها إلى غربها حيث الحدود مع تركيا، والتي تعد بوابة اللاجئين الأولى إلى أوروبا.

رابعًا: تمردات الشيعة

 تتضارب الأرقام حول تعداد الشيعة حول العالم، ويُرجح تعدادهم بحوالي 300 مليون نسمة موزعين ما بين شمال وغرب أفغانستان وإيران وأذربيجان والعراق ولبنان وسوريا، لذا من المحتمل في حال انهيار النظام الإيراني أن تعج تلك المنطقة بالعديد من الميليشيات والكتائب الشيعية، الأمر الذي قد يزعزع استقرار العديد من دول المنطقة.

الهجوم  الأمريكي على إيران 
الهجوم  الأمريكي على إيران 

ختامًا:

 يمكن القول إن إسرائيل وأمريكا نجحتا في تحقيق نجاح تكتيكي بالغ في الإضرار بالأهداف الإيرانية وإضعاف قوتها السياسية والعسكرية، خاصة بعد استهداف المرشد الإيراني، لكن قد ينجم عن هذا التصرف خطر بالغ متمثل في إحداث فراغ جيوسياسي كبير في المنطقة، ستسارع العديد من المنظمات الإجرامية والإرهابية وكذلك الدول الإقليمية مثل تركيا إلى إعادة ملئه، مثلما حدث في السابق حين انهارت الدولة العثمانية مما أدى إلى بزوغ الخطر النازي والشيوعي وتهديدهما لأمن واستقرار أوروبا.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء