"بنات المرشد".. بين الدعم اللوجستي وشرعنة العنف
أبرز مسلسل "رأس الأفعى"، الذي يحاكي الأحداث الدامية التي شهدتها الدولة المصرية عقب سقوط حكم جماعة "الإخوان"، العديد من الأزمات الداخلية، وتدشين وشرعنة مرحلة العمل المسلح، وتسليط الضوء على شخصية القيادي القطبي محمود عزت، وكذلك الدور المحوري للنشاط النسائي في تلك المرحلة، في عملية الحشد والتعبئة والتصعيد الإعلامي.
كان "قسم الأخوات" اللاعب الرئيسي في التقارير المفبركة والتحريضية، لا سيما المتعلقة بأوضاع السجون، وإرسالها إلى المنظمات الدولية الحقوقية، مثل "هيومان رايتس ووتش" الأمريكية، إلى جانب إدارة عدد كبير من المنصات الرقمية والإلكترونية العربية والإنجليزية، على مختلف وسائل السوشيال ميديا، بهدف تعبئة الرأي العام الدولي والنيل من سمعة الدولة المصرية ومؤسساتها.
كما عمل قسم "الأخوات" على إنتاج الأفلام الوثائقية حول أوضاع سجناء الجماعة، وتسجيل لقاءات مع ذويهم، وإرسال هذه الأفلام إلى المنظمات الحقوقية في الدول الأوروبية، مثل فيلم "المغربون من سجن برج العرب"، وتضمن تسجيل شهادات لعدد من نساء الجماعة عن السجون المصرية، بهدف تصدير صورة للرأي العام الدولي والمحلي بأنهم يتعرضون لمذبحة كبرى داخل السجن، وتم إنتاج الفيلم بواسطة شركة Alex Revolution، وهي شركة إخوانية عاملة في مجال الميديا، ومتخصصة في صناعة الأفلام الوثائقية والاستقصائية المعنية بنشاط الجماعة.

ومنذ سقوط حكم الإخوان، أنشأ "قسم الأخوات" عددًا كبيرًا من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، بمسميات ولغات مختلفة، للتنديد بالدولة المصرية، إضافة إلى الصفحات التي تروج لظاهرة "الاختفاء القسري الوهمي"، بهدف تعبئة الرأي العام الدولي ضد الدولة المصرية.
هذه التفاصيل تكشف الدور الخفي الذي يتم فيه توظيف قسم "الأخوات" داخل الجماعة، بداية من توصيل الرسائل والأموال، وتجهيز الاجتماعات واللقاءات السرية، والتواصل مع العناصر الخارجية، وذلك لعدم الشك فيهن أو في دورهن.
في نوفمبر 2018، ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على عائشة خيرت الشاطر، وهدى عبد المنعم، وسمية ناصف، وسحر حتحوت، وروية الشافعي، وعلياء إسماعيل، وإيمان القاضي، بتهمة مسؤوليتهن عن نشاط التنظيم النسائي في مصر، وقيامهن بدور حلقة الدعم المالي بين القواعد التنظيمية في القاهرة وقيادات التنظيم الدولي، منذ ثورة 30 يونيو 2013.
كانت الحالة العدوانية التي ظهرت لـ"تنظيم الأخوات" عقب انهيار المشروع الإخواني، وتورط بعضهن في العنف المسلح، دافعةً لي، كباحث في شؤون تيارات الإسلام السياسي، أن أوثق المتغيرات الفكرية والتاريخية والتنظيمية للمكوّن النسائي داخل "الإخوان"، في دراسة بحثية صدرت في كتاب تحت عنوان "بنات المرشد.. القصة الكاملة لتنظيم الأخوات"، عام 2014.
يمثل التنظيم النسائي "الأخوات" داخل الجماعة رابطًا حيويًا في الحفاظ على قوام المكوّن الإخواني عامةً منذ ستينيات القرن الماضي، وما تلاها من حوادث، لتمتعه بليونة تنظيمية وسهولة حركية في التعاطي مع الضغوط الأمنية والسياسية.
تمكن "تنظيم الأخوات"، في ظل حالة الانهيار التي تعانيها الجماعة، من هيكلة صفوفه، وعقد اجتماعاته التنظيمية والفكرية، لسهولة التقائهن في المنازل والشقق السكنية الخاصة، بحكم ارتباط أغلبهن بعلاقة مصاهرة ونسب، ما جعلهن أكثر تشابكًا وفاعلية في خدمة المشروع الإخواني.

المصاهرة والنسب
تربى شباب "الإخوان" وقيادتهم على أن الترابط الاجتماعي (المصاهرة والنسب) فيما بينهم يوثّق ويقوّي بقاء الفكرة، ويحمي الجماعة من التفكك والاختراق الأمني، فاتجهت غالبيتهم لاختيار شريكة الحياة من بين فتيات التنظيم النسائي، كونهن الأكثر قربًا فكريًا وسلوكيًا، ما أسهم في صناعة حالة من التشابك التنظيمي غذّتها المصالح الاقتصادية بين القادة في الغالب الأعم.
استثمرت قيادات الجماعة "تنظيم الأخوات" بما يحقق لها التغلغل في العمق الأسري وبين الفئات والأوساط النسائية داخل الطبقات المجتمعية المصرية والعربية، وتحويلهن إلى مرجعيات إعلامية وتنظيمية متحركة، يحملن خطابًا مدفوعًا بمنهجية إخوانية قطبية.
في بداية الثلاثينيات، وتحديدًا في 26 أبريل عام 1932، بعد نحو أربعة أعوام من تأسيس جماعة الإخوان، قرر المؤسس "حسن البنا" أن يشكل فرقة "الأخوات المسلمات" من بنات وفتيات أبناء قيادات الجماعة، واختار سيدة تُدعى "لبيبة أحمد"، وهي زوجة القاضي عثمان مرتضى باشا.
وفي أبريل 1944، شكل حسن البنا أول لجنة تنفيذية لـ"فرقة الأخوات" بعد أن توقفت عدة سنوات، واتخذ من المبنى رقم 17 بشارع سنجر الخازن بالحلمية الجديدة مقرًا لها، وتكونت اللجنة من 12 عضوة، أبرزهن: آمال عشماوي، زوجة الإخواني الأرستقراطي منير الدلة، وفاطمة عبد الهادي، زوجة القيادي الإخواني محمد يوسف هواش، وأمينة علي، زوجة الشيخ محمود الجوهري عضو الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان، وزينب عبد المجيد، زوجة الشيخ عبد اللطيف الشعشاعي أحد 23 دعاة وزارة الأوقاف حينها، وزهرة السنانيري، أخت كمال السنانيري عضو مكتب الإرشاد وأبرز قادة الجماعة.
أسند البنا مهمة الإشراف على عمل الأخوات إلى المرشد العام، مع أحقيته في اختيار رئيس تنفيذي أو سكرتير ينوب عنه في مباشرة المهام، فوقع اختياره على محمود الجوهري كأول رئيس لقسم "الأخوات" بالجماعة.

أيام من حياتي
تنامى دور قسم الأخوات في مرحلة الأربعينيات، إذ شاركت المرأة الإخوانية في أعمال احتجاج عامة على قرار حل التنظيم ومصادرة ممتلكاته، وذلك بعد تورط "النظام الخاص" في أعمال العنف المسلح، منها اغتيال القاضي أحمد الخازندار في 22 مارس 1948، واغتيال رئيس وزراء مصر محمود فهمي النقراشي باشا في 28 ديسمبر 1948، وتفجير محكمة استئناف القاهرة في 13 يناير 1949.
في أعقاب ثورة يوليو 1952، لعبت زينب الغزالي دورًا محوريًا في تنامي دور قسم "الأخوات"، والتي أشارت في مبايعتها لحسن البنا قبل مقتله بفترة قصيرة في 1949 إلى "أنها مجرد جارية"، حسب ما ذكرته في كتابها "أيام من حياتي"، وقد تحولت من مجرد قيادة نسائية إلى أحد المحرضين على أعمال العنف المسلح، وشاركت في تأسيس خلايا "تنظيم 65" بقيادة سيد قطب.
مع بدء السبعينيات وموجة الإفراج عن قيادات الإخوان، أدركت الجماعة أهمية الدور النسائي في خدمة أهداف التنظيم ومخططاته، فتمت إعادة ترتيب قسم "الأخوات"، ووُضعت لائحة جديدة له عام 1984، بهدف التوسع في أعماله ومهامه، وزيادة عدد لجانه الداخلية، التي تنوعت ما بين لجنة "الزهروات" ولجنة "الفتيات" ولجنة "الطالبات"، انتهاءً بلجنة "ربات البيوت"، ولجنة "الدعوة الفردية"، لا سيما مع تشكيل التنظيم الدولي للإخوان عام 1982 على يد "مصطفى مشهور"، المرشد الخامس للجماعة.
ومن قبيل إحكام السيطرة الفكرية عليهن، وضعت قيادات الجماعة منهجًا فكريًا عممته على مختلف فروع التنظيم في الداخل والخارج، تضمن عددًا كبيرًا من كتب منظريها وقياداتها، من أبرزها: "معالم في الطريق" لسيد قطب، و"معركة التقاليد" لشقيقه محمد قطب، و"رسالة الجهاد" لحسن البنا، و"حتمية الحل الإسلامي" ليوسف القرضاوي، و"دور المرأة المسلمة" لجمعة أمين، و"في رياض الجنة" لجاسم عبد الرحمن.

مرحلة التسعينيات
وفي بداية مرحلة التسعينيات، لعب "قسم الأخوات" دورًا فاعلًا بين مختلف الفئات والقطاعات، خاصة المؤسسات التعليمية مثل المدارس والجامعات، خاصة بعد أن سمح لهن الفضاء العام بالوصول إلى المؤسسات الدينية مثل المساجد، والنقابات المهنية، والأندية الرياضية، وقد أشرف على تلك المرحلة الشيخ محمد عبد الله الخطيب، بمساعدة مجموعة من زوجات قيادات الإخوان وبناتهن، مثل وفاء مشهور، بنت المرشد الأسبق مصطفى مشهور، ومكارم الديري، زوجة القيادي الإخواني إبراهيم شرف.
ومع عام 1994، في محاولة من الجماعة لتجميل وجهها والرد على انتقادها بانتقاص حقوق المرأة، أصدرت وثيقة "المرأة المسلمة في المجتمع المسلم"، التي كانت بمثابة إعادة تحديث لنسخة حسن البنا قديمًا، لكن بمقتضاها منحت نساءها حق المشاركة السياسية، بما تقتضيه مصلحة الجماعة والتنظيم.
عاشت المرأة - وما زالت - على الهامش في كل التنظيمات الأصولية، لكن عقب أحداث يناير 2011، أصبح "تنظيم الأخوات" بمثابة كيان موازٍ داخل جماعة "الإخوان"، ومن ثم حاولن التمرد على الأوضاع القائمة التي تقلل من قدرهنّ ومكانتهنّ، مطالبات بجملة من التغييرات الجذرية، وزيادة فاعليتهن داخل الهرم التنظيمي، وأحقية تمثيلهنّ في مكتب الإرشاد، ومكتب الشورى العام، والمكاتب الإدارية، ومنحهنّ حق إدارة الكيان النسائي بعيدًا عن السلطة الذكورية المتحكمة في سلطة التنظيم.
حاولت قيادات "الإخوان" مواجهة موجات التمرد التي انتشرت بين "قسم الأخوات" من خلال دورات تأهيلية تحت مسمى "تصحيح الرؤية"، لامتصاص حماستهن وعرقلة مساعي التفلت والانشقاق.
في بداية عام 2012، أعلنت لمياء خالد قريطم، إحدى قياديات "تنظيم الأخوات" في البحيرة، استقالتها بعدما ظلت بين جدران المكوّن الإخواني 23 عامًا، احتجاجًا على تهميش الأخوات وعدم تمثيلهن تمثيلًا لائقًا داخل مؤسسات الجماعة.
الأخوات المنشقات
ربما أرّقت أزمة "الأخوات المنشقات" منام قيادات الجماعة، في ظل فضحهن الكثير من خبايا الكيان النسائي المغلق، فترجمت انتصار عبد المنعم تلك الحالة في كتابها "حكايتي مع الإخوان.. مذكرات أخت سابقة" (الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2011)، بعدما وصفته بالتناقض والتخبط، وأنه لا يمثل سوى وعاء لكبت الحريات، متذكرة: "كنت وغيري قد صدقنا بالفعل أننا نعمل لخدمة الإسلام، فلم يكن من السهل أن نتخيل أننا نعمل من أجل أفراد يريدون الوصول إلى الحكم سريعًا، كنا نتحرك كالقطيع أو كالمخدرين، ننفذ ما يمليه الرجال علينا".
لم تكن هذه هي الشهادة الوحيدة، فالكاتبة "ناهد إمام" سجلت شهادتها أيضًا في كتاب حمل عنوان "صندوقي الأسود"، حذرت فيه من حالة "العزلة الشعورية" التي تعاني منها المرأة داخل الجماعة، واعتبرت أن "التعافي من الإساءات الروحية والعاطفية التي تتعرض لها المرأة الإخوانية ليس بالأمر الهين".
وفي المنهجية ذاتها، أبدت عزة عفيفي، زوجة القيادي السابق سامح عيد، ندمها على سنوات عمرها التي وضعتها بين أيديهم، لتستيقظ على واقع مرير تجلت فيه الأكاذيب والخيانة، لتلحق بقطار التمرد على مقاليد السمع والطاعة العمياء، مشيرة إلى إيمانهن المطلق بتكفير أدباء مصر ومفكّريها أمثال طه حسين والعقاد وغيرهما.

على خلفية هذه التطورات، طرحت إحدى الأخوات عبر منتدى "ملتقى" فكرة انفصال "الأخوات" إداريًا بالكامل، وهي الفكرة التي أثارت حفيظة قيادات "الإخوان" وأزعجتهم، لا سيما بعد التطرق إلى فكرة "تمكين الأخوات" من خلال تطبيق "نظام الكوتا" داخل المؤسسات الفاعلة في الجماعة.
اضطرت الجماعة في النهاية إلى إحداث تغييرات في اللائحة الداخلية لقسم "الأخوات" نهاية عام 2012، تتيح زيادة تمثيلهن في الهيكل التنظيمي عند حدود ما يعرف بـ"مكتب إداري المحافظة"، ويمثلهن فيه أحد الرجال كحلقة وصل بينهن وبين قيادة الجماعة في نقل وجهات النظر، بعدما كنّ في عزلة كاملة عن الهيكل الإداري.
وبرغم هذه النقلة التنظيمية التي أتاحت للقيادات النسائية فاعلية أكبر واستقلالية أوسع في العمل داخل الجماعة، فإن الهيكل الإداري لهن توقف عند حدود مكاتب المحافظات، وظل تمثيلهن في مكتب الإرشاد ومجلس الشورى العام منعدمًا تمامًا.
ربما يتفق هذا مع حقيقة هامة تتبلور في أن "الأخوات" ليس لهن "بيعة"، ولا يمكنهن اختيار المرشد وقيادات مكتب الإرشاد، فـ"البيعة المباشرة" مقصورة فقط على دوائر محددة داخل القطاعات التنظيمية من الرجال دون النساء.
من بين موجات التمرد التي شهدها قسم "الأخوات" داخل جماعة الإخوان، ما طرحته رشا أحمد، أستاذة الطب في جامعة القاهرة، عبر رسالة في مدونة "أمواج التغيير" في نهاية 2009، وثّقت فيها انتقاداتها للمخالفات الفكرية والشرعية والتنظيمية تجاه المرأة داخل "الإخوان"، وأرسلتها إلى المرشد السابع محمد مهدي عاكف.
تساءلت الدكتورة في رسالتها عن حالة التغييب الفكري والسياسي المتعمد للأخوات، ومنعهن من ممارسة حقوقهن في اختيار مسؤولي الجماعة وقياداتها، فضلًا عن مناصبة العداء لكل من يحاول الاعتراض والخروج عن الأطر التنظيمية، ووصمه بتهمة التكفير والخذلان.
ضغوط "تنظيم الأخوات" أجبرت قيادات مكتب الإرشاد، في 21 ديسمبر 2009، على إعادة النظر في الأطر المنظمة للكيان النسائي، وصوغ لائحة تنفيذية جديدة، ساهم في كتابتها حينها جمعة أمين (بصفته المسؤول الإداري عن القسم حينها)، وسراج اللبودي (أحد المشرفين على النشاط النسائي)، ومركز "المرام" أو "المركز المصري لرصد أولويات المرأة"، التي تولّت مسؤوليته كبيرة ناجي صالح (مغربية الأصل)، وزوجة الإخواني محمد عزيز همام الزمر.

مركز مرام
تكوّن مجلس إدارة "مرام" من 14 قيادة نسائية، هن: أماني أبو الفضل، ومنال أبو الحسن، وجيهان عليوة زوجة حسن مالك، وخديجة الشاطر، ووفاء مشهور، ومنال حسين، ونادية سعيد، وسمية عبد الفتاح، وسوزان عرابي، وغادة علي، وإيناس مبروك، وأمينة هاني هلال، وهند عبد الله، وسمية مشهور، وقام بالأعمال الإدارية لهذا المركز جابر مهنا.
لم يكن "تنظيم الأخوات" يومًا مجرد ذراع اجتماعي أو دعوي داخل جماعة "الإخوان"، لكنه أداة فاعلة في إدارة الصراع مع الدولة، من خلال دوائر الحشد الإعلامي، وشبكات الدعم اللوجستي والمالي، وإعادة إنتاج خطاب المظلومية الذي مثّل الغطاء الأيديولوجي لشرعنة العنف، فالتقارير المفبركة، والأفلام الدعائية، وحملات "الاختفاء القسري"، ليست سوى أدوات ضغط سياسي لتبرير تصعيد العنف، فضلًا عن أن عملية توظيف "المرأة الإخوانية"، لم يكن ارتجاليًا، بل جاء ضمن رؤية تنظيمية تراكمت عبر عقود، تقوم على استثمار الهامش الاجتماعي للمرأة في العمل السري، وعلى استغلال صورتها النمطية كعنصر بعيد عن الشبهة الأمنية
عمرو فاروق*
كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي



