رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التاريخ السري: كيف فضحت مذكرات على عشماوي الصندوق الأسود للإخوان؟

مذكرات على عشماوي
مذكرات على عشماوي

تُعد مذكرات علي عشماوي، أحد أبرز قادة التنظيم السري الخاص داخل جماعة الإخوان، من أهم الوثائق التي أعادت قراءة تاريخ الجماعة من زاوية داخلية، والتي في ذاتها لا تعتمد على الخصومة السياسية أو السرديات الأمنية وحدها، بل على اعترافات قيادات فاعل في مركزية التنفيذ واتخاذ القرار التنظيمي. ومن ثم تكتسب هذه الشهادة أهميتها من كون صاحبها لم يكن مجرد عضو عابر، بل مسؤولًا عن لجنة الأسلحة والتخطيط داخل ما عُرف بـ"التنظيم الخاص" أو "الجهاز السري".

صدرت مذكرات عشماوي تحت عنوان "التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين"، مقدمًا رواية تفصيلية حول نشأة الجناح الخاص المسلح داخل الجماعة، بين آليات اتخاذ البيعة، وعمليات التدريب والتأهيل الفكري والحركي، ومسارات التسلح، والارتباط الفكري بقيادات مركزية مثل سيد قطب وزينب الغزالي وحسن الهضيبي، فضلًا عن تفاصيل خطط الاغتيال والتخريب التي أُعدت خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

النظام الخاص

يوضح عشماوي أن ما يُعرف داخل الجماعة باسم "التنظيم الخاص" كان تنظيمًا شبه عسكري، يخضع لهيكل قيادي محكم وقائم على مبدأ "السمع والطاعة المطلقة"، واصفًا آلية البيعة بقوله: "تتمّ في منزلٍ معيّنٍ... ثمّ يتمّ إحضار مسدسٍ ومصحفٍ وتتلاقى الأيدي على المسدس والمصحف، ويتمّ القسم وهي بيعة لله على السمع والطاعة للجماعة وقادتها، ثمّ بعد ذلك يتمّ التدريب على حلّ أجزاء المسدس وتركيبه وصيانته وكيفية استعماله".

هذه الشهادة تؤكد أن البنية التنظيمية للجماعة لم تكن قائمة على الشق الدعوي فقط، وإنما تضمنت مسارًا للإعداد العسكريً، ومحاولة الربط بين العقيدة و"حتمة المواجهة المسلحة"، بما يعكس طبيعة التنظيم الخاص ككيان مسلح موازٍ للهيكل المعلن للجماعة.

كما يشير عشماوي إلى أن التنظيم كان مسؤولًا عن الاغتيالات والتفجيرات وتخزين الأسلحة، وهو ما اعترف به أمام محكمة أمن الدولة العليا عام 1966، حين ذكر تفاصيل شراء المدافع الرشاشة والقنابل اليدوية والمتفجرات، وأماكن التخزين، وخطط استهداف المنشآت الحيوية.

مذكرات على عشماوي
مذكرات على عشماوي

خطة الاغتيالات

في جلسات محاكمة تنظيم 1965 بقيادة سيد قطب، أدلى عشماوي باعترافات تفصيلية حول التسليح والأهداف المرصودة، وأقر بشراء الأسلحة من مهربي السلاح، وتخزينها في منازل متعددة، وصناعة الخناجر وزجاجات مولوتوف.وجاء في أقواله: "لما تقرر إننا هنقاوم، قررنا تنفيذ مجموعة اغتيالات لبعض رؤوس الدولة، ونسف بعض المنشآت زي محطات الكهرباء".

كما أشار عشماوي إلى إعداد كشف بأسماء شخصيات مستهدفة، من بينها، الرئيس جمال عبد الناصر، والمشير عبد الحكيم عامر، وزكريا محيي الدين، وعلى صبري، وغيرهم، موضحًا أن الهدف لم يكن الاغتيال الفردي فقط، بل تعطيل البنية التحتية عبر تفجير محطات الكهرباء والقناطر الخيرية، وفق ما عرف حديثًا باستراتيجية "الإرباك والإنهاك" للدولة ومؤسساتها.

هذه التفاصيل والاعترافات التي كشف عنها عشماوي في مذكراته، بينت اتجاه الجماعة في إطار الخلافات السياسية إلى تحويل الأزمة إلى صراع ديني عقائدي، والتكريس لفكرة "المؤامرة على الإسلام" بما يمنحها المبرر الشرعي في إسقاط الدولة وتنفيذ جرائمها وخداع الرأي العام.

سيد قطب
سيد قطب

نظرية العنف

تشير شهادات عشماوي إلى أن سيد قطب كان المحرك الرئيسي للمشهد ومشاركا في مناقشة مختلف خطط الاغتيال والتفجير، فضلًا عن الاعتماد على رؤيته الفكرية حول مفهوم "الحاكمية"، ونظرية "الجاهلية"، وإعادة بناء المجتمع الإسلامي بالقوة.

ويكشف عشماوي في مذكراته أن بعض الخطط تضمنت تفجير خمس محطات كهرباء رئيسية، إضافة إلى القناطر الخيرية، محملًا الجماعة المسؤولية الفكرية عن إنتاج العنف والتطرف، إذ قال: "تتحمّل جماعة الإخوان المسلمين المسؤولية عن جميع أعمال العنف باسم الدين... فقد خرجت من عباءتهم فكرًا واعتقادًا"، وهذه العبارة تعتبر من أهم أخطر ما في الشهادة، لأنها تنقل المسألة من مستوى الأفراد إلى مستوى "البنية الفكرية" للجماعة.

يتفق ما ذكره عشماوي مع رواية سيد قطب في وثيقته الشهيرة "لماذا أعدموني؟"، إذ يؤكد الأخير أنه وافق على تولي القيادة بعد مناقشات مستفيضة، وبدأ في وضع الخطط اللازمة للتحرك، وفق ما أورده في وثيقة "در الاعتداء"، وتتمثل أبرز هذه المخططات في إعادة محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر، بعد فشل محاولة سابقة في عام 1954، فيما عُرف بـ"حادثة المنشية"، وتفجير مؤسسات الدولة.

المساومة السياسية

بعد حملة الاعتقالات، خضع عشماوي لمحاكمة انتهت بإعدام عدد من القادة، من بينهم سيد قطب ويوسف هواش وعلى عبده اسماعيل، بينما صدر عفو عن آخرين، كان من بينهم عشماوي، والذي لعب دورًا في التفاوض مقابل التعهد بوقف النشاط - وفق مذكراته- ما يكشف عن انتقال الجماعة من الصدام إلى المساومة السياسية، دون المراجعة الفكرية الجذرية. 

عمالة لجهات خارجية

يقول عشماوي، أن "النظام الخاص" للإخوان كانت مخترقًا من الأجهزة الغربية، ويعملون ويعمل لحسابهم، فيشير: "بدأت أراجع جميع أعمال الإخوان والتي كانوا يعتبرونها أمجادًا لهم بعد معرفتي بعلاقات العمالة والتبعية من بعض قادة الإخوان للأجهزة الغربية الصهيونية... فعبد الرحمن السندي مسؤول النظام الخاص، وكذلك الدكتور محمد خميس، وكيل الجماعة في عهد الأستاذ حسن الهضيبي، كانوا عملاء للمخابرات الإنجليزية".

مذكرات على عشماوي
مذكرات على عشماوي

استمرارية العنف

الأهمية الكبرى لشهادة عشماوي لا تكمن فقط في الاعترافات العملياتية، بل في تأكيده أن الفكر الذي تأسس داخل التنظيم الخاص لم ينتهِ بإعدامات 1966، بل استمر تأثيره في جماعات أخرى، لا سينا أنه يرى أن بنية "السمع والطاعة" والبيعة المغلقة، والتدريب العسكري، كانت سببا في إنتاج موجات لاحقة من التنظيمات المسلحة، وأن الاتجاه إلى العنف لم يكن مجرد حدث عارض، بل نتيجة منطقية للبنية الفكرية والتنظيمية القائمة على السرية والتعبئة العقائدية. معتبرًا أن استخدام التفجيرات والسيارات المفخخة، أصبح نمطًا متكررًا في مختلف التنظيمات الإرهابية، وامتدادًا لفكر العنف الذي نشأ داخل جماعة الإخوان.

فيقول: "تتحمّل جماعة الإخوان المسلمين المسؤولية عن جميع أعمال العنف باسم الدين التي تحدث في أيّ مكانٍ في العالم الإسلاميّ وبجميع صوره وأشكاله، والحقيقة أنّى حين قلت إنّ جماعات الإرهاب خرجت من عباءة الإخوان فإنّني لم أجانب الحقيقة، ولكنّني أعود وأكرر أنّ جماعات العنف باسم الدين لم تخرج من عباءتهم أفرادًا، فقد خرجت من عباءتهم فكرًا واعتقادًا، وهذا أخطر بكثيرٍ وأشمل من مجرد أفراد؛ لأنّ التفريخ مستمر، مادام هذا الفكر المتمكن والمتماسك والبرّاق في أعين الشباب موجودًا، بل ويتمدد باستمرارٍ، فسوف يكون هناك إعمال لهذا الفكر باستمرار على هيئة جماعات تقوم بأعمال قتل ونسف، وانتحاريين، وسيارات مفخخة تقتل من تصادف، سواء كان مسلمًا، أو سائحًا، أو عدوًا، أو صديقًا، فإنّها لا تبصر، ولا تختارُ ضحاياها؛ لأنّ مبتكري هذا النوع من الإرهاب أجبنُ من مواجهة عدوّهم وقتاله وجهًا لوجه، ولكنّهم يتّبعون أسلوب العصابات الدولية، الذين يفجرون طائرةً بمن فيها؛ لأنّهم يريدون تصفية شخصٍ ما يركب في هذه الطائرة. ولقد انتشر هذا الأسلوب الجبان في كلّ مكانٍ فنجد الانتحاريين والسيارات المفخخة في العراق، وفي لبنان، وفي الجزائر باختصارٍ في كلّ مكانٍ به قلاقل، وإنني أحمّل الإخوان مسؤولية هذا الخلل الذي أصاب عقول وحركة جميع فرق المقاومة في كلّ مكانٍ، ولا أدري ما هي الفتوى التي صدرت باستعمال هذا النوع الخسيس من الحرب؟ وكيف أفتُوا بقتل الأبرياء الذين لا دخل لهم بالصراع، ولكن تصادف وجودهم في مسرح الجريمة، إنّها فقط لا تزيد من سخط النّاس المسلمين على هذا الفكر وتستعدي غير المسلمين على الإسلام، بل وضعت المسلمين جميعًا في حالة دفاعٍ مستمرٍ، وتراجعٍ مستمرٍ! ويعلمُ الله إلى أيّ مستوى سوف تصل. أنا لا أفتري عليهم، ولا أخترع من عندي، فتلك الوسائل التي أعيبُها عليهم، وأتّهمهم بابتكارها، ثم صارت أسلوب عمل عند جميع المنظمات المماثلة، فهم سيحاسبون أمام الله عن كلّ فرد استعمل هذه الأساليب لأنّهم مبتكرون".

الصراع الداخلي

تكشف مذكرات على عشماوي أيضًا عن صراعات داخلية، وانقسامات بين تيارات داخل السجون، وخلافات حول شرعية التواصل مع السلطة. كما تشير إلى وجود نقاشات حول إعادة بناء التنظيم بعد الضربات الأمنية.وتبرز خلال السرد التاريخي، أن التنظيم كان يعمل على الجمع بين الإطار السري والتوسع المجتمعي، مستفيدًا من الظروف السياسية المواتية.

على الرغم من الجدل الذي صاحب نشر مذكرات على عشماوي، فإن أهميتها تكمن في كونها تعد وثيقة خارجة من قلب "النظام الخاص" داخل جماعة الإخوان، وكتبها أحد القيادات المسؤولة عن السلاح والتمويل والتخطيط. وقد نُشرت أولًا عام 1993، في إطار حلقات عبر صفحات مجلة "المصور" عن دار الهلال، وفي عام 2006 أعاد مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، طباعتها تحت عنوان "التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين".  

مذكرات على عشماوي
مذكرات على عشماوي

 شهادة علي عشماوي تكشف أن "النظام الخاص" داخل جماعة الإخوان لم يكن مجرد كيان تنظيمي عابر، بل مشروعًا متكاملًا قائمًا على الإعداد العسكري، والتأصيل الفكري، والتخطيط الاستراتيجي لاختراق مؤسسات الدولة واسقاطها بالتبعية، ومن ثم تعتبر شهادة عشماوي مادة أساسية لفهم الجذور الفكرية لجماعة الإخوان وطبيعة توجهاتها وميولها للعنف والتطرف.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء