الإخوان وفتنة سيد قطب.. تنظيم 65 بين فقه التكفير ونظرية "التوقف والتبين"
أبرزت دراما "رأس الأفعى" التي يتم إذاعتها خلال شهر رمضان، الدور المحوري للقيادي الإخواني محمود عزت باعتباره امتداد للتيار القطبي، واشتبكت مع العديد من الملفات المتعلقة بجماعة الإخوان على المستوى الفكري والحركي والتنظيمي، ومن ضمنها ملف "تنظيم 65"، وبروز الدور الفاعل لسيد قطب داخل التنظيم، وبلورة الميول الفكرة تجاه أدبيات التكفير، وصياغة عدد من المصطلحات والنظريات التي مهدت الطريق أمام ظهور الجماعات الأصولية المسلحة على مدار التاريخ الحديث، مثل العزلة الشعورية والحاكمية وجاهلية المجتمع و"حتمة الصدام"، والتي تسبب في إشعال موجات العنف المسلح في عمق المنطقة العربية.
كانت منطلقات سيد قطب الفكرية البنية الأساسية التي أثرت في عقلية الكثير من قادة الحركات الأصولية وأبنائها وشبكات العنف المسلح التي تشكلت تطورًا واتباعًا أو انشقاقًا وانشطارًا، متبنية المرجعية التكفيرية نفسها في التعامل مع قضايا أسلمة المجتمعات، وتطويعها لآلياتها وأساليبها في محاولة فرض سطوتها على ثقافتها الدينية وعاداتها الاجتماعية.
يمثل الفكر القطبي الخيط الرفيع الرابط بين كل تلك الشبكات المسلحة التي تولدت في الأساس من رحم مشروع حسن البنا الذي سعى إلى الانتقال بالإسلام كدين من الحالة الدعوية الفكرية إلى الحالة التنظيمية المسلحة، بهدف الاستحواذ على السلطة وبناء الزعامة السياسية.

مروان حديد
لعب السوري مروان حديد اثناء اقامته في القاهرة للدراسة في كلية الزراعة دورًا مهمًا في تجنيد الشباب واستقطابهم إلى تنظيم سيد قطب، وتولى تشكيل إحدى الخلايا التابعة لتنظيم (65) وقيادتها، وكان في مقدمها محمد بديع (مرشد الإخوان)، وكذلك محمود عزت (نائب المرشد).
تمكن مروان حديد من نقل المشروع الفكري لسيد قطب إلى سوريا، وقام بتشكل "الطليعة المقاتلة" عام 1970 التي مثلت حينها الذراع العسكرية لجماعة "الإخوان" في سوريا.
العزلة الشعورية
عقب انتشار فكر التكفير بين عناصر "الإخوان"، داخل السجون وخارجها، وانسياق عدد كبير منه إلى آراء سيد قطب ومحمد يوسف هواش وعبد الفتاح إسماعيل وعلي إسماعيل ومحمد قطب مؤلف كتاب "جاهلية القرن العشرين"، وعبد المجيد الشاذلي وأحمد عبد المجيد عبد السميع، ظهر ما يسمى بـ"التيار القطبي"، وهو تيار تبنى أدبيات التكفير، ورفض فكرة الصلاة في المساجد باعتبارها معابد جاهلية، وفقًا لوصف سيد قطب في كتاب "في ظلال القرآن"، ونادى بالعزلة الشعورية عن المجتمع.
انقسم التيار القطبي على نفسه، فاتجه تيار إلى التمسك بالتنظيم "الإخواني"، وسيطر على مقاليد السلطة فيه، وسار بالجماعة نحو خطاب معلن موجه للرأي العام وفقًا لمقتضيات الحاجة والمصلحة ومدى تحقيق أهداف "التمكين" ومشروعه، وخطاب آخر سري موجه للقواعد التنظيمية وفقًا لأدبيات التأهيل والتصعيد التنظيمي للأفراد.

نظرية التوقف والتبين
بينما قاد "الإخواني" الأزهري، علي عبده إسماعيل، شقيق القيادي "الإخواني" عبد الفتاح إسماعيل (أعدم مع سيد قطب عام 1966)، فصيلًا من التيار القطبي، داعيًا إلى تأسيس جماعة تكون بمثابة نواة للمجتمع المسلم، تحت مسمى "جماعة المسلمين"، داعيًا إلى اعتزال المجتمعات المعاصرة باعتبارها مجتمعات كافرة تغرق في الجاهلية، مستعيد فكرة الهجرة لتأسيس المجتمع المسلم الجديد.
التفت حول علي إسماعيل، مجموعات من شباب "الإخوان" داخل السجون، الذين رأوا في أفكاره تجسيدًا لأفكار سيد قطب، لكن سرعان ما أعاد النظر في أفكاره التكفيرية، وبلورها في نظرية حملت عنوان "التوقف والتبين"، بمعنى أن من يدعي أنه مسلم فلا تحكم عليه الجماعة بالإسلام أو الكفر إلا بعد أن تتوقف وتتبين إسلامه من كفره.

التكفير والهجرة
رأى إسماعيل بعد ذلك أن نظرية "التوقف والتبين"، ضلالة كبرى وفتنة عظمى، لذلك خرج في أحد أيام عام 1969، وجمع أنصاره داخل السجن وصلى بهم، وما كاد يفرغ من الصلاة حتى قام وخلع جلبابه قائلًا: "لقد تبين لي أن الفكر الذي كنت عليه هو فكر الخوارج، وهو فكر يفرق الأمة ويقضي على الجماعة، لذلك أنا أخلع هذا الفكر، إنني أخلع فكرة التكفير كما أخلع جلبابي هذا"، معلنًا براءته من فكر "جماعة المسلمين".
تلقى تلاميذ علي إسماعيل، فكرة التراجع الفكري، بحالة من الذهول والرفض، واعتبروه ناكصًا على عقبيه، وتمسك بعضهم بأفكار التكفير، ورفضوا التراجع عنها، بل اتهموه بالجبن والتخاذل، وكان على رأس هذا الفريق شكري مصطفى وعبد الله السماوي والشيخ عبد المجيد الشاذلي، ليسير كل منهم في طريق، فتولى مصطفى قيادة "جماعة المسلمين" التي صاغها تنظيميًا الشيخ علي إسماعيل، وقامت على أفكار تكفير المجتمع وضرورة الهجرة منه، عقب خروجه من السجن تحت مسمى "التكفير والهجرة". بينما تبنى الشيخ الشاذلي مبادئ نظرية "التوقف والتبين"، وأسس جماعته تحت مسمى "أهل السنّة والجماعة"، والتي عرفت إعلاميًا بـ"القطبيون"، أو "التيار القطبي" وتمركزت داخل محافظة الإسكندرية.

دعاة لا قضاة
خلال تلك المهزلة الفكرية، خرج إلى النور كتاب "دعاة لا قضاة" المنسوب زورًا إلى مرشد "الإخوان"، حسن الهضيبي، لكنه في الحقيقة من تأليف الشيخ علي إسماعيل، الذي أراد أن يغسل سمعته ويديه من فكر التكفير، وفقًا للكثير من الأدلة، إذ إن صياغته فقهية شرعية، تتفق مع توجهات علماء الأزهر الشريف، وهو ما لم يتناسب مع وضع حسن الهضيبي وفكره إطلاقًا.
ووفقًا لما جاء في كتاب "الإخوان وأنا"، للواء فؤاد علام، نائب رئيس جهاز أمن الدولة الأسبق وأحد شهود العيان على تنظيم 65، أن "كتاب دعاة لا قضاة" لا يعبر عن فكر "الإخوان" بالمرة، وأن الذي وضعه هم مجموعة من علماء الدين بطلب من المباحث العامة، وأعطوه لمأمون الهضيبي الذي أوصله إلى والده، ثم أصدره باسمه.
كان حسن الهضيبي مؤيدًا لمشروع سيد قطب التكفيري، وفقًا لاعترافات أعضاء "تنظيم 65"، وفي مقدمهم أحمد عبدالمجيد، الذي ذكر في كتابه الصادر عام 1991 "الإخوان وعبدالناصر": "عندما شكا أعضاء مكتب الإرشاد، وهم في سجن الواحات، وكان المرشد تحت الإقامة الجبرية، من آراء سيد قطب الواردة "في ظلال القرآن" ونقلوا شكواهم وشكوى الإخوان منها في هذا السجن، إلى المرشد حسم الشكوى لمصلحة سيد قطب، فأجابهم: ما قاله صاحب الظلال هو الحق الذي لا شك فيه"، وبدأ "الإخوان" بعدها يتدارسون الظلال في سجن الواحات في صورة مجموعات، بإشراف أعضاء مكتب الإرشاد، وكذلك تم الشيء نفسه في سجن القناطر باستثناء البعض، وتم ذلك على اعتبار كلام المرشد موافقة على ما ورد في الظلال، ولما سئل المرشد عن كتاب "معالم في الطريق" قال: إنه كتاب عظيم).

رغم تراجع علي عبده إسماعيل عن أفكاره، إلا أنّ ابن أخيه، نجيب عبدالفتاح إسماعيل، قرّر أن يستكمل مسيرة عمّه، بتنظيره لفكر "التوقف والتبين" من داخل السجون، ليتأثر به كل من الدكتور مجدي الصفتي، الذي تخلى عن انتمائه الى تنظيم "الجهاد"، وتبنّى فكر "التوقف والتبين"، وأسس تنظيم "الناجون من النار"، الذي قام بثلاث عمليات مسلحة في صيف 1987، مثل محاولة اغتيال حسن أبو باشا، رئيس جهاز مباحث أمن الدولة الأسبق في القاهرة، ومحاولة اغتيال نبوي إسماعيل، وزير الداخلية المصري الأسبق، ومحاولة اغتيال الكاتب الصحفي مكرم محمد أحمد.
كما تأثر به المهندس شوقي الشيخ، ليشرع عقب خروجه من السجن في تأسس تنظيم "الشوقيون"، في محافظة الفيوم، وقد مزج فيه بين العمل المسلح، وعقيدة جماعة "التوقف والتبيّن"، ونشط هذا التنظيم في السطو المسلح على محلات الذهب خصوصًا التي يمتلكها الأقباط، كما نفذ عمليات مسلحة ضد ضباط جهاز أمن الدولة وضباط مصالح السجون المصرية، في تسعينات القرن الماضي.
أم مصعب الداعشية
لكن القصة لم تنتهِ، إذ سار على نهج فكر "التوقف والتبين"، أمل المعروفة بـ"أم مصعب"، الابنة الصغرى لعبدالفتاح عبده إسماعيل، والمتهمة بدعم الخلايا الإرهابية التابعة لتنظيم "داعش" في مصر.
كانت "أم مصعب"، ضمن المعتقلين في قضية "الجهاد الكبرى"، التي ضمت 302 متهمين، سواء أكانوا المشاركين او المخططين لاغتيال الرئيس أنور السادات عام 1981، وأودعت في سحن النساء في القناطر الخيرية في محافظة القليوبية، والتقت داخله عددًا من القيادات النسائية المصرية، أمثال الدكتور صافيناز كاظم، ولطيفة الزيات، وفريدة النقاش، اللاتي تم اعتقالهن بسبب اعتراضهن على اتفاقية" كامب ديفيد"، في أحداث 3 سبتمبر 1981.

عقب إخلاء سبيلها، طالبت الدكتورة صافيناز كاظم، الرئيس محمد حسني مبارك، بالإفراج عن "أم مصعب"، بسبب حملها، وتأخر حالتها الصحية، فأصدر قرارًا بالإفراج عنها، مراعاة لظروفها.
أنجبت أمل عبد الفتاح عبده إسماعيل، سهيل أحمد الماحي، أحد عناصر حركة "حسم" الذي تمت تصفيته في محافظة الإسماعيلية في منتصف يوليو 2017، كما أن ابنها المثني، سافر إلى ليبيا، وانضم إلى التنظيمات المسلحة، والمرجح مقتله هناك، إضافة أن ولديها حنظلة ومصعب تم القبض عليهما في خلية "داعش" الصعيد.
ويعتبر زوجها أحمد أحمد الماحي، من قيادات فكر "التوقف والتبين" في مصر، وكان إمامًا لمسجد المطراوي، في حي المطرية في القاهرة، وشاهدًا على عمليات التخطيط لتنفيذ مذبحة الفنية العسكرية، والتي تعتبر أول محاولة للانقلاب العسكري المسلح من التيار الأصولي ضد الرئيس الرحال محمد أنور السادات في 18 أبريل 1974، وأسفرت عن مقتل 17 وإصابة 65، وهدفت إلى إعلان الجمهورية المصرية الإسلامية، واستولى المتمردون على أسلحة بقيادة د. صالح سرية، الفلسطيني الأصل، الذي صدر حكم بالإعدام ضده، وعرفت تلك الخلية الإرهابية باسم "تنظيم الفنية العسكرية".
كانت تلك الأفكار المهد الحقيقي لميلاد تنظيمات الجهاد المسلح، والجماعة الإسلامية، ومن رحمها أيضًا تأسس تنظيم "القاعدة" على أيدي أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وكذلك تنظيم "داعش" و"بوكو حرام" و"جماعة الشباب الصومالية"، وغيرها من الجماعات التي كفرت المجتمعات ونادت بمشروع الخلافة والتمكين.



