من تأسيس الكتائب إلى الثورة المسلحة.. رسائل حسن البنا الممنوعة من النشر
وضع مسلسل "رأس الأفعى" يده على الكثير من التفاصيل الدقيقة المتعلقة بجماعة الإخوان رابطا تاريخها القديم بحديثها في إبراز بينتها الحركية والفكرية التي صاغت نظريات التكفير والجاهلية على يد سيد قطب، ومن خلفه التيار القطبي الذي أحكم قبضته على مقاليد التنظيم، ابتداء من مصطفى مشهور ومحمود عزت ومحمد بديع، وغيرهم قيادات الصف الأول أو "الرعيل الأول" وفق مصطلحاتهم التنظيمية.
حاولت جماعة الإخوان كثيرًا التبرؤ من العنف والتنكر من أيمانها بهذه المفاهيم التي انحرفت عن المسار الصحيح للعقيدة الإسلامية، مدعية أن أدبيات سيد قطب تم تأويلها وإخراجها من سياقها السليم لرؤيته الشاملة تجاه قضايا الأمة الإسلامية، رغم أن واقع الجماعة وتاريخها القديم والمعاصر لخالف ذلك تمامًا في ظل اعتمادها على مفردات سيد قطب في تربية وتهيئة قواعدها التنظيمية، فضلا عن ممارسة العنف سواء في مرحلة الأربعينات أو ما تلاها ووصولًا إلا الفترة السابق التي صعدت فيها من موجات العنف مرتكز على نظرية "الإرباك والإنهاك" لإسقاط الدولة، بجانب أن منهجيتها الفكرية والتنظيمية تحولات إلى دستور شاملة لمختلف الجماعات الأصولية المسلحة في التعامل مع استراتيجية أسلمة المجتمع التي ينادون بها في ظل تكفيرهم للمجتمع وحكوماته المتلاحقة.

البنا وتكفير المجتمع
الحقيقة التي يتهرب منها دائمًا أن منهجية حسن البنا ذاته قائمة على فكرة "تكفير المجتمع" و"حتمة الصدام المسلح"، من أجل تطبيق مشروعه الفكري والسياسي، وذلك وفق ما ورد في الكثير من رسائله التي أخفتها الجماعة ومنعت طباعتها ونشرها خشية افتضاح أمرها أمام الرأي العام على اعتبار أنها تردد أن قطب خرج عن السياق الذي رسمه البنا نتيجة التعذيب في السجون، رغم أن قطب قضى فترة سجنه في مستشفى السجن، وحصل على إذن قضائي بتفسير أكثر من 18 جزء من تفسره المسمى "في ظلال القرآن" بسبب ارتباطه بعقود رسمية مع إحدى دور النشر، وبالفعل صدر الكتاب من داخل السجن، ثم قام واستخلص منه أدبيات أو نظريته التي وضعها في كتابه "معالم في الطريق"، ما ينفى الادعاءات بتأثير التعذيب على قناعات قطب، رغم أن الجماعة تضع كتب قطب على رأس المناهج الفكرية لتربية قواعدها التنظيمية.
رسائل البنا التي تم اختيارها وتجميعها في كتاب "الرسائل"، اعتمدت من قبل مكتب الإرشاد، ومن قبل مسؤولي اللجان التربوية، المعنية بالأسر والكتائب التأهيلية داخل الإخوان، منتصف مرحلة السبعينات من القرن الماضي، إبان عهد المرشد الثالث عمر التلمساني.
وهي المرحلة التي اتسمت بنوع من المهادنة بين الجماعة والدولة المصرية، في ظل الصفقة التي عقدت بين الإخوان والرئيس الراحل أنور السادات، بهدف تمكين الجماعة من الشارع المصري، للقضاء على الحركة الشيوعية واليسارية.
ومن ثم حاولت الجماعة وقتها طرح أفكارها بشكل يميل إلى التخلي عن العنف، واستخدام القوة، والتراجع عن مشروع "التنظيم الخاص"، أمام الرأي العام، فاختارت بعضًا من رسائل البنا التي لا تُظهر بشكل واضح الدعوة للعنف.

الرسائل السرية
فوفقا لقيادات سابقة بالجماعة، لم يتم الكشف بشكل كامل عن كل ما سطره البنا في حياته من أفكار تعبر عن توجهاته وأفكاره، وطريقة تعامله مع المجتمع وقضاياه، لاسيما الأمور التي تخص، التنظيم الخاص المسلح. فالجماعة اخفت عددًا من الرسائل المباشرة، أو ما يعرف بالرسائل السرية الـ(5) التي وضعها "البنّا" لعناصر التنظيم السري الخاص، ولا يعرفها أحد مضمونها بشكل حقيقي، وهي ليست كرسائل "التعاليم" و"الجهاد" التي تتضمن أفكاره، لكنها خطط ومراحل للوصول إلى مشروع دولة الخلافة الإسلامية، وأستاذية العالم.
"الرسائل السرية"، التي درست لعناصر "التنظيم الخاص"، وصف فيها "البنّا"، المملكة العربية السعودية بـ"الجائزة الكبرى"، وكتب عن الولايات المتحدة الأمريكية أنها ستصبح دولة تابعة للإخوان، وسيطلق عليها "الولايات المتحدة الإسلامية".
ومن ثم عمدت الجماعة إلى إخفاء رسائل البنا، التي تحمل التوجهات الثورية وتدعو للقوة المسلحة، والسيطرة على مفاصل الدولة بشكل صريح، واستخدمت مكانها الرسائل الشفهية، التي يتم بثها في مستويات تربوية وتنظيمية معينة، كنوع من التقية السياسية، لاسيما أن غالبية الرسائل المكتوبة أو المنشور تصل بشكل مباشر أو غير مباشر للأجهزة الأمنية، فوضعت الجماعة من باب الاحتياطات الأمنية فكرة الرسائل الغير مكتوبة، ذات التوجه الغير معلن، وأطلقت عليها "الرسائل الحركية".
إذاعة الإخوان
كان الإخوان في عهد حسن البنا، قد أسسوا إذاعة خاصة، أطلقوا عليها إذاعة "الإخوان المسلمين"، وقت أن كان الأمر متاحًا للجميع قبل تقيده حفاظا على الأمن القومي المصري، وبثت هذه الإذاعة الكثير من "رسائل البنا" التي لم يتم تدوينها، لكنها مسجلة وتم إخفاء هذه الشرائط، عن القواعد التنظيمية اللاحقة، وعن الرأي العام حتى لا تمثل اعترافًا صريحًا باعتناق البنا لفكر التكفير والإيمان بحتمة الصدام المسلح في مواجهة الدولة
وهذا الكنز موجود في حيازة القيادات التاريخية، الذين يطلق عليهم "الرعيل الأول" للتنظيم، التي أزاحت العديد من خطب البنا عن المشهد، لما تحمله من توريط واضح للجماعة أمام الرأي العام، فيما يخص التعامل مع قضايا الحاكمية والتكفير.

وعندما أسست الجماعة موقع "ويكيبديا الإخوان"، حذفت وتجاهلت الكثير من الرسائل والمقالات الخاصة بمؤسس التنظيم حسن البنا، نظرًا لما حملته من لغط حولها داخل الجماعة، خاصة مقاله الشهير عن هتلر، والتي تحدث فيها عن إراداته وقوته، كما أن غالبية الرسائل التي تم إخفائها معنية بالتربية العسكرية داخل "التنظيم السري"، ولم تكن موجهة للأُسر والشُعب.
الأمر الذي دفع قيادات الشبابية عقب سقوط حكم المرشد والتباري في العمل المسلح، إلى البحث عن أكثر من 400 رسالة لم تصل إلى أيديهم، وتم إخفاؤها بشكل مقصود ومتعمد عن القواعد التنظيمية الشبابية، رغبة في عدم التشهير بحسن البنا، لاسيما أنها تحمل إدانة واضحة له بالتكفير.
عدد من قيادات الجماعة الشبابية اعتبرت – وفق ما ذكروه في مقالاتهم عبر منصاتهم التي أطلقوها من الخارج-، أن القيادات التاريخية تهاونت بشكل كبير فيما تركه البنا، وحاولت إخفاء الكثير من معالم أفكاره وأطروحاته خلال مرحلة الثلاثينات والأربعينات من تاريخ الجماعة، وما سطره البنا بيده في العديد من المخطوطات وسجل بها آرائه وطريقة المواجهات المسلحة، لاسيما في يخص تشكل التنظيم السري الخاص، الذي كان نواة حقيقة لتكوين جيش مواز داخل الدولة المصرية، خاصة أنه آمن بنظرية المواجهة والقوة المؤجلة.
رسالة المنهج
ومن ضمن هذه الرسائل رسالة "المنهج" التي كشف عنها القيادي في التنظيم الخاص، أحمد عادل كمال، في كتابه "النقط فوق الحروف.. الإخوان المسلمون والنظام الخاص"، حيث أشار فيه قائلاً: (الأستاذ البنا كتب لنظام الكتائب رسالة (المنهج)، وحدد فيها مراحل العمل وتكوين الكتائب، وأتذكر من مراحلها أن يصل أفرادها إلى اثني عشر ألفا "ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة"، ويؤسفني أن ليس تحت يدي الآن نسخة من هذه الرسالة، إذ أن النسخة الوحيدة التي كنت أملكها قد استولت عليها النيابة العامة في تحقيقات قضية السيارة الجيب، ولم يتيسر لي غيرها، فإن ذلك المنهج لم يقدر له أن يأخذ طريقه العملي، ويبدو أنه كان عنيفا إلى حد ما، فسحبت قيادة الإخوان هذه الرسالة من بين أيديهم ! وقد كانت رسالة خاصة لا تباع) .
رسالة "المنهج" التي وضع صياغتها حسن البنا، وضَّحت نظام الكتائب الذي بدأ في سبتمبر عام 1937م، ولقد طُبعت هذه الرسالة وعُممت على جميع شُعب الإخوان في سبتمبر1938، وقد دعت إلى تأصيل العنف الممنهج، واستخدامه بشكل عملي جدًا، لكن تم حجبها داخل الأُسر التربوية، لاسيما في السنوات الأخيرة بشكل مقصود ومتعمد من القيادات التاريخية، حتى لا يقال أن فكر حسن البنا ومبادئه تدعو إلى استخدام العنف المسلح.
تفاصيل رسالة حسن البنا والتي وجهت إلى قيادات "النظام الخاص" دارت بنودها كتالي وفق ما ذكره البنا: "تعميم نظام الكتائب في شعب الإخوان، مع ضم الكتائب إلى الفرق، ويجب أن يتم تكوين خمس وعشرين كتيبة على الأقل في البلاد القوية، وذلك بأن يسافر إليها مندوبون من الإخوان يكون هذا عملهم".
وأضاف البنا في رسالته إلى قيادات "النظام الخاص": "يجب تعميم الدعاية في بقية مراكز القطر الإدارية، والعمل على وجود كتيبة على الأقل في كل بلد مركزي من هذه البلاد، بحيث يتم عدد هذه الكتائب (300) ثلاثمائة كتيبة في مدى أربع سنوات، فيكون مجموع الإخوان المنتسبين إلى هذه الكتائب (12000) اثني عشر ألفا من الإخوان المجهزين تمام التجهيز ماديا وروحيا، والعمل على ضم بعض الخاصة إلى الإخوان، وتوثيق صلتهم بهم، والنواب الذين ساعدهم الإخوان نواة صالحة لهذه الغاية، ويبدأ العمل في ذلك من الآن".
من الوهلة الأولى يدرك المتابعون لكتابات حسن البنا، وأفكاره، أن هناك اختلافًا كبيرًا بين مفردات كتاب "الرسائل" الذي يعد دستورًا فكريًا للإخوان، وبين مذكرات حسن البنا، التي كتبها وسجلها تحت عنوان "مذكرات الدعوة والداعية".
فالبنا بطبيعته لم يكن صاحب تكوين فكري أو فقهي، بقدر ما كان صاحب منهج حركي ورؤية تنظيمية، ساعدت في نشر فروع الجماعة في مختلف المناطق سواء داخل مصر وخارجها.
الحقيقية الغائبة هي أن "الرسائل"، المنسوبة لمؤسس للإخوان، وضمتها قيادات الجماعة في كتاب أطلقت عليه "الرسائل"، ليست من تأليف البنا ولم يسطرها بخط يديه، وإن كانت تحمل في مجملها أفكار حسن البنا.
وفق أحد قيادات الجماعة السابقين، الذي أجريت معه حوارًا عبر صفحات مجلة "أكتوبر" عام 2007، أكد أن رسائل البنا التي طبعت في كتاب "الرسائل"، الذي يعد أخطر الكتب الفكرية للتنظيم، لم تكن من تأليف البنا، ولم يكتب منها كلمة واحدة، وإن كانت تحمل في مضمونها أفكاره وآراه.

400 رسالة مفقودة
فالمدقق يرى أن اللغة التي كتبت بها رسائل البنا، هي لغة أدبية، وتختلف بشكل كبير جدًا، عن اللغة التي كتب بها البنا كتابه الوحيد وتضمن مذكراته الشخصية وأطلق عليها "مذكرات الدعوة والداعية".
فالبنا كان ذات طبيعة شخصية عصبية حادة جدًا، وأفكاره تحمل توجيها ثأريًا وثوريًا محرضًا لمشاعر الأجيال الشبابية، ومن ثم لا يمكن أن تخرج الرسائل التي تم صياغتها بهذا الشكل الأدبي الهادئ.
إذن مَن كَتبَ رسائل البنا؟، ومن اختار بعضها وضمها في كتاب، لتكون بمثابة مرجعية لشباب الإخوان؟، ولماذا تم اختيار تلك الرسائل تحديدا؟، رغم أن البنا له أكثر من 400 رسالة لم يسجل أي منها في كتاب، ولم تنشر على الرأي العام، ولم تتضمنها كتب الإخوان بشكل عام.
الكثير من الشواهد تشير إلى أن غالبية الرسائل ألقاها البنا، في المؤتمرات والندوات الإخوانية، التي كان ينظمها لنشر آرائه وأفكاره، ويحضرها أعدد كبيرة من الشباب، أو المنشورة في مجلات الإخوان، التي تنوعت بين المراوغة الفكرية والسياسية، وحمل بعضها فكرة مهادنة الدولة، أو لجأت لصياغة التهديد، أو حملت في طياتها مبادئ الجاهلية وأفكار التكفير، أو طرق مواجهة النظم السياسية بالقوة والسلاح، هي من صناعة عدد من قيادات الإخوان خلال تلك المرحلة، لاسيما أزاهرة المرحلة وأدباءها لكونهم الأقدر على توظيف المفردات الأدبية، مع منطلقات الفقه والشريعة بحكم دراستهم للعلوم الشرعية، التي كان يجهلها حسن البنا تمام.
بعض هذه الرسائل صاغ مفرداتها وكتبها قبل أن يلقيها البنا، الشيخ أحمد حسن الباقوري، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ سيد سابق، وأحمد السكري، والدكتور عبدالعزيز كامل، ومحمود عبد الحليم، أول مؤرخ لتاريخ الجماعة، وصاحب موسوعة "الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ"، وبعض قيادات النظام الخاص، إضافة للشيخ الشعراوي رحمه الله، خلال المرحلة التي مكث فيها داخل الإخوان قبل أن يعلن استقالته.

وفقا لما ورد في كتاب "الشعراوي الذي لا نعرفه" الصادر عن أخبار اليوم، عام 1995، أن الشيخ الشعراوي، اعترف أنه كتب بخط يده أول منشور تصدره الإخوان، وأرسله للشيخ الباقوري الذي أثني عليه واعتمده لتوزيعه على أعضائها، ليعلق عليه الباقوري حينها: "هو حد يقدر يقول بعدك حاجة يا شعراوي، ومن ينسى مواقفك العظيمة، وما تقوله في الأزهر".
فهناك عرف كان موجودًا على مدار تاريخ الجماعة، هو أن "رسائل مرشدي الإخوان"، الموجهة للرأي العام ولشباب الجماعة، سواء المكتوب أو المقروءة، لم يكتبها أي من المرشدين أنفسهم، لكنها كانت مسؤولية قيادات اللجنة السياسية واللجنة الإعلامية، شريطة أن تحمل الفكرة المراد توصيلها للرأي العام.
خاصة أن غالبية مرشدي الإخوان ليسوا من ذوي الفصاحة اللغوية، ولم يكونوا مؤهلين لكتابة خطاب إعلامي متوازن يعبر عن توجهات الجماعة وقياداتها، لاسيما صقور التيار القطبي المهيمن على السلطة الفعلية للتنظيم.
فرسالة "التعليم" التي تعتبر أهم الرسائل التي يتم تدريسها داخل الأسر والكتائب الإخوانية، هناك تشكك صريح من أن حسن البنا هو من قام بصياغتها في شكلها النهائي، لاسيما أنها تحمل في طياتها المنهج التربوي للجماعة.



