ترامب وقواعد الاشتباك الجديدة: الشرق الأوسط على فوهة الحرب الشاملة
مع الساعات الأولى من صباح السبت، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدء عمليات قتالية كبرى ضد النظام الإيراني، أطلق عليها "زئير الأسد". وجاء هذا الإعلان في خطابه بالتزامن مع سماع دوي انفجارات هزت العاصمة طهران، استهدفت بشكل مباشر المفاصل الحيوية للبرنامج النووي في فوردو ونطنز وأصفهان، لتنهي واشنطن بذلك عقوداً من استراتيجية الاحتواء وتنتقل إلى المواجهة العسكرية الشاملة.
وبرر ترامب هذا التصعيد غير المسبوق بضرورة تحييد ما وصفه بالتهديد الوجودي الذي يمثله الطموح النووي الإيراني وصناعة الصواريخ بعيدة المدى التي باتت تهدد الأراضي الأمريكية، موجهاً رسالة سياسية مباشرة للشعب الإيراني عن ساعة الحرية، في إشارة واضحة إلى مراهنة البيت الأبيض على انهيار الجبهة الداخلية بالتوازي مع تحطيم القوة البحرية والصاروخية للنظام.
وعلى وقع أصوات الانفجارات وتصاعد أعمدة الدخان فوق المنشآت المستهدفة، تعيش المنطقة حالياً حالة من الترقب المشوب بالحذر الشديد؛ حيث وضع هذا الهجوم العالم أمام سيناريوهات مفتوحة تبدأ من احتمالية رد إيراني مزلزل عبر وحدة الساحات والممرات المائية، ولا تنتهي عند حدود إعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، وسط تحذيرات دولية من انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية كبرى لا يمكن التنبؤ بنهايتها.

فرض واقع القطب الواحد
تجاوزت واشنطن الخطوط الحمراء التقليدية بانتقالها من العقوبات الاقتصادية إلى المواجهة العسكرية المباشرة فوق الأراضي الإيرانية، إذ لا تستهدف عملية "مطرقة منتصف الليل" أجهزة الطرد المركزي فقط، بل تسعى إلى تهشيم عقيدة الردع الإيرانية التي استندت لسنوات إلى مبدأ الحرب في المنطقة الرمادية.
وتوصف الضربة العسكرية بأنها إعلان رسمي عن فشل كافة المسارات الدبلوماسية الدولية واتفاقات الحد من التسلح، حيث اختارت واشنطن توقيت الصدمة لتعيد الاعتبار لجيوسياسة القوة الخشنة، فارضةً إرادتها كقطب أوحد يمتلك الحق الحصري في رسم الحدود الأمنية للقوى الإقليمية الصاعدة.
هذه الهجمات وضعت النظام الدولي أمام سابقة خطيرة، حيث تم استهداف منشآت سيادية محصنة تحت الأرض بأسلحة تقليدية خارقة للتحصينات. ويعكس هذا التحول رغبة إدارة ترامب في صياغة نظام عالمي جديد لا يعترف بتوازن الرعب، بل يعتمد على التفوق التكنولوجي القادر على سحق قدرات الخصم قبل أن تصل إلى مرحلة التهديد الفعلي.
معركة المضائق
تبرز جغرافيا المضائق والممرات المائية كأحد الأهداف الاستراتيجية غير المعلنة وراء استهداف البحرية الإيرانية ضمن العملية الحالية، خاصة أن واشنطن تخطط للقضاء على القدرات البحرية لطهران وانتزاع أهم ورقة ضغط جيوسياسي تملكها إيران، وهي القدرة على تهديد مضيق هرمز وشل حركة التجارة العالمية.
ولا شك أن تحييد القوة البحرية الإيرانية يعني تحويل الخليج العربي وخليج عُمان إلى مساحات نفوذ مؤمنة بالكامل تحت المظلة الأمريكية والتقنيات الدفاعية المتقدمة. هذه الخطوة تهدف إلى كسر الابتزاز الجغرافي الذي مارسته طهران لسنوات، وتأمين تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية دون خوف من هجمات حرب العصابات البحرية.
كذلك، تشير التوقعات إلى أن تدمير مراكز القيادة والسيطرة البحرية الإيرانية سيمنع طهران من تنفيذ إغلاق المضائق رداً على الضربات، كما تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة رسم خارطة الطاقة عبر ضمان أمن الممرات المائية بوجود عسكري دائم ومباشر، مما يقلل من حساسية الأسواق العالمية للتهديدات الإيرانية التقليدية.
ومع ذلك، يبقى الرهان الجيوسياسي محفوفاً بالمخاطر؛ فالألغام البحرية والزوارق السريعة الانتحارية قد تظل قادرة على إحداث ثغرات في هذا المخطط. إن نجاح واشنطن في تأمين هذه الممرات سيعني نهاية الحقبة التي كانت فيها إيران قادرة على التحكم بشريان الحياة للاقتصاد العالمي، مما يضعف مكانتها الجيوسياسية إلى الأبد.

هيكلة التحالفات
استهداف مراكز الثقل في الداخل الإيراني يهدف إلى إصابة العقل المدبر لشبكة التحالفات الإقليمية بالشلل، مما يترك الفصائل الموالية لها في العراق وسوريا ولبنان واليمن دون غطاء لوجستي أو توجيه مركزي.
وأحدثت العملية فرزاً جيوسياسياً حاداً في المنطقة؛ حيث تجد الدول الحليفة لواشنطن نفسها أمام واقع يعزز من أمنها القومي ويقلص من نفوذ محور المقاومة. ودفع هذا التحول باتجاه بناء تحالف أمني إقليمي جديد تقوده الولايات المتحدة، يعتمد على التكامل الدفاعي في مواجهة أي ردود فعل انتقامية قد تصدر عن وكلاء إيران.
كما يعني ضرب منشآت الصواريخ إضعاف قدرة طهران على تزويد حلفائها بأسلحة نوعية، مما يغير موازين القوى في ملفات ملتهبة مثل اليمن ولبنان، ويجبر الفاعلين المحليين على إعادة حساباتهم بعيداً عن الدعم الإيراني.
وفي حال استمرت العمليات القتالية، فإن الخارطة الجيوسياسية قد تشهد سقوط معادلة وحدة الساحات؛ فالدفاع عن "قلعة طهران" قد يستنزف كافة الموارد، مما يترك الأذرع الإقليمية لمواجهة مصيرها وحدها. هذا التفكك الجغرافي للتحالف الإيراني هو الهدف الأسمى لإدارة ترامب لإعادة تشكيل "شرق أوسط جديد" خالٍ من النفوذ الإيراني العابر للحدود.
رسائل الردع الدولي
تتجاوز أبعاد "مطرقة منتصف الليل" الحدود الإيرانية لتصل إلى مكاتب القرار في بكين وموسكو، حيث تعمل واشنطن على استعادة هيبتها الدولية كقوة قادرة على الحسم. وتمثل هذه العملية رسالة ردع استباقية للقوى الكبرى، مفادها أن الولايات المتحدة لن تتردد في استخدام القوة العسكرية المفرطة لحماية مصالحها الحيوية ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل.

ومن المنظور الجيوسياسي العالمي، فإن الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية المحمية بتقنيات قد تكون روسية أو صينية الصنع يمثل اختباراً لقدرات تلك القوى على حماية حلفائها. فشل المنظومات الدفاعية في صد الضربة الأمريكية يمنح واشنطن تفوقاً معنوياً وتقنياً، ويحرج الخصوم الدوليين الذين راهنوا على تآكل القوة الأمريكية.
وبالنسبة للصين، فإن تأمين واشنطن لممرات الطاقة بالقوة العسكرية يعيد تذكير بكين بأن أمنها القومي المرتبط بالنفط الخليجي لا يزال يمر عبر البوابة الأمريكية. هذا الضغط الجيوسياسي يهدف إلى إجبار التنين الصيني على إعادة النظر في تحالفاته الاستراتيجية مع الدول المارقة، خوفاً من الانزلاق في مواجهة لا ترغب بها مع الآلة العسكرية الأمريكية.
أما بالنسبة لروسيا، فإن انشغال واشنطن بجبهة الشرق الأوسط قد يبدو فرصة، لكن حجم الحزم الأمريكي في إيران يرسل إشارة معاكسة تماماً حول الجاهزية للقتال على جبهات متعددة. في نهاية المطاف، تسعى هذه العملية إلى تكريس النظام العالمي أحادي القطب من جديد، محذرةً أي قوة دولية من محاولة تحدي الخطوط الحمراء التي ترسمها واشنطن بالصواريخ والبارود.
دعاء إمام*



