على حافة الانفجار: صراع السلطة يعيد جنوب السودان إلى مربع الدم
باتت دولة جنوب السودان بؤرة جديدة في شرق إفريقيا ومنطقة البحيرات العظمى، مرشحة للانهيار الأمني والسياسي خلال العام الجاري وبداية العام المقبل، حيث إن جوبا بصدد إجراء أول انتخابات رئاسية في تاريخ البلاد منذ استقلالها عام 2011.
جرى تأجيل الانتخابات في أكثر من مناسبة، حيث كان من المفترض إجراؤها في عام 2015، وتم تأجيلها إلى عام 2018، ثم تم تأجيلها مرة أخرى إلى عام 2021، ثم تأجلت مرات أخرى أعوام 2022، و2023 و2024، حتى تم الاستقرار على إجرائها في ديسمبر 2026.
مع الاقتراب من موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، يجري الحديث الآن عن بوادر حرب أهلية على وشك الاندلاع طرفاها الرئيس سيلفا كير ميرياديت وجماعته الدينكا، ونائبه الأول رياك مشار وجماعته النوير، فالأوضاع السياسية في البلاد متداعية على خلفية تقاسم السلطة الهش بين كير ومشار، لذا فمن المحتمل انزلاق البلاد إلى خطر حرب أهلية شاملة في نهاية العام الجاري، ومن الممكن أن تتقاطع الحرب الأهلية في جنوب السودان مع الحرب الدائرة حاليا في شمال السودان بين الجيش الوطني وميليشيا الدعم السريع.
وتتصاعد أيضا احتمالات العنف والحرب الأهلية في جنوب السودان، خاصة بعد فشل "الاتفاقية المنشطة لحل النزاع في جنوب السودان" الموقعة في سبتمبر 2018 في إكمال إصلاح القطاع الأمني، والفشل في توحيد القوى المسلحة في البلاد، فلا تزال هناك قوات موالية لـ"كير" وقوات موالية لـ"مشار".

الجيش الأبيض وبداية تجدد الصراع
في ولاية الناصر بأعالي النيل ينتشر ما يسمى باسم الجيش الأبيض، وهو عبارة عن قوات غير مركزية تتبع جماعة النوير التي ينتمي إليها النائب الأول لرئيس البلاد رياك مشار، وتقوم ميليشيا الجيش الأبيض في الأساس على رعاية مصالح رعاة البقر من أبناء النوير، مثل حماية القطعان ومنع الاعتداء عليها من الجماعات الأخرى، وحمايتها من السرقة، وحماية المراعي الطبيعية والمشارب لتلك القطعان.
رغم تخصصها الشديد في حماية الرعاة والمراعي الطبيعية، إلا أن هذا لم يمنع تلك الميليشيا من الانخراط في بعض الأزمات السياسية في البلاد، انطلاقا من المكون الإثني والعرقي لتلك الميليشيات التي تنتمي إلى جماعة النوير، وبالتالي بات عليها مساندة أبنائها المنتمين إلى "الجبهة الشعبية لتحرير السودان - جبهة المعارضة" بقيادة رياك مشار. كما اشتركت في العديد من المجازر التاريخية مثل مجزرة بور 1991 التي ارتكبت ضد جماعة الدينكا بجنوب السودان، كما كان لها دور في اشتباكات 2013/2018 في جنوب السودان.

وفي مارس 2025 بدأت ملامح الحرب الأهلية في جنوب السودان تتصاعد، خاصة بعد استهداف مروحية تابعة للأمم المتحدة من قبل ما يسمى الجيش الأبيض، مما أدى إلى مقتل جنرال وعدة جنود، وبناء على ذلك الحادث ردت الحكومة باعتقال العديد من الشخصيات البارزة، وشن عمليات أمنية عسكرية في ولايتي جونجلي وأعالي النيل، واللتين تعتبران من أهم معاقل المعارضة وأنصار رياك مشار. وشابت تلك العملية الأمنية التي أطلق عليها "عملية السلام الدائم" العديد من الأزمات، مثل إصرارها على اعتقال قادة المعارضة والتمادي في استهداف المدنيين، وهو الأمر الذي أثار العديد من الإدانات الدولية، من ضمنها لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان التي أدانت وقوع فظائع جماعية ارتكبتها القوات الأمنية الجنوب سودانية في أعالي النيل وجونجلي.
وفي أعقاب تلك العملية تم القبض على مشار وتحديد مقر إقامته، كما تم القبض على العديد من أتباعه، ويبدو من هذا التحرك أن هناك محاولة لتهميش مشار خلال الفترة المقبلة وإبعاده تماما عن سياق الانتخابات الرئاسية في ديسمبر 2026.

دوافع تجدد الحرب في جنوب السودان
توجد العديد من الدوافع الداخلية والخارجية التي من شأنها تعزيز فرص الحرب الأهلية في جنوب السودان، بعضها متعلق بالتركيبة العرقية في البلاد وانقسام السلطة بين عدد من الأطراف، والبعض الآخر متعلق بظروف إقليمية قد تعزز من فرص تلك الحرب المتوقعة، ومن أبرز تلك الدوافع:
أولاً: التشرذم العرقي
التنافس بين سيلفا كير ورياك مشار ليس تنافسا سياسيا فحسب، بل أيضا تنافسا عرقيا إثنيا، وهو ما يعطي عمقا لهذا الصراع، فكير من أبناء جماعة الدينكا ومشار من أبناء جماعة النوير.
ثانيًا: تطلع العرقيات الثانوية
قد يدفع الصراع بين الدينكا والنوير إلى قيام جماعات أخرى في جنوب السودان، مثل الشلك في أعالي النيل أو المورلي في بيبور الكبرى، إلى ممارسة نفوذ سياسي أوسع نطاقا خلال المرحلة المقبلة من خلال الاستقطاب إلى أحد طرفي الصراع من أجل الحصول على امتيازات خاصة مثل الحكم الذاتي.

ثالثًا: توقف تصدير النفط
ساهمت الحرب الأهلية الدائرة في السودان في تأجيج الأزمة الاقتصادية في جنوب السودان، حيث تعتمد الحكومة في جنوب السودان في مواردها على النفط الذي تشكل إيراداته 90% من إجمالي إيرادات الحكومة. وساهمت الحرب في السودان بين الجيش الوطني وقوات الدعم السريع في تعطيل خطوط نقل النفط من جنوب السودان إلى الموانئ السودانية، مما أدى إلى انخفاض موارد جوبا من النفط إلى الثلث تقريبا.
رابعًا: الانخراط في الأزمة السودانية
تشير تقارير عدة إلى تزويد الجيش السوداني في الخرطوم قوات رياك مشار في جنوب السودان بالعديد من الأسلحة ردا على تسهيل جوبا إمدادات الأسلحة الواردة إلى قوات الدعم السريع في السودان، حيث تستخدم قوات الدعم مستشفى ميدانيا قرب الحدود في أويل الشرقية من أجل الحصول على السلاح من جنوب السودان.
خامسًا: المخاطر الإنسانية والأمنية
نتيجة العملية الأمنية الموسعة في أعالي النيل وجونجلي منذ مارس 2025، يعاني السكان من أبناء جونجلي على سبيل المثال من أوضاع إنسانية كارثية، إذ خلفت العملية الأمنية حوالي 280 ألف نازح، مفتقدين إلى أية مساعدات إنسانية، مما جعلهم يعانون من مجاعات إنسانية تفتك بهم.
وختاما:
يبدو أننا على موعد مع بؤرة جديدة من انعدام الأمن هذه المرة في أعالي النيل بجنوب السودان، وقد تتداخل الحرب الأهلية في السودان مع نظيرتها في الجنوب، الأمر الذي قد يخلق سيولة أمنية في السودان شماله وجنوبه، مما يجعله مؤهلا في المستقبل القريب لاستقطاب العديد من الجماعات المتطرفة نظرا لانعدام الأمن في تلك المنطقة.
محمد الدابولي*



