عقيدة الحرب الرقمية.. واشنطن تعيد صياغة التفوق العسكري بالذكاء الاصطناعي
نقلت صحيفة وول ستريت جورنال، عن مصادر مطلعة لم تسمها، أن الجيش الأمريكي استعان بنموذج "كلاود" للذكاء الاصطناعي خلال عملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، التي شهدتها كاراكاس مع بداية العام الحالي، ولم تعلق وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) على ما ورد بالصحيفة أو ما كشفه أيضًا موقع أكسيوس.
ورغم حظر استخدام أدوات شركة أنثروبيك، التابع لها "كلاود"، في أعمال العنف أو تطوير الأسلحة أو تنفيذ عمليات المراقبة، والتأكيد على أن جميع الاستخدامات يجب أن تلتزم بسياساتها، ورفضها التعليق على أي استخدام محتمل للنموذج في عمليات سرية، فإن الجانب الأمريكي خالف تلك التوجيهات من خلال الشراكة بين أنثروبيك وبالانتير، التي تعتمد عليها مؤسسات الدفاع والأجهزة الأمنية الأمريكية في تحليل البيانات وإدارة العمليات.

وتُدشن الولايات المتحدة حقبة جديدة من الهيمنة العسكرية عبر استراتيجية شاملة تهدف إلى تحويل الجيش الأمريكي إلى قوة قتالية رقمية أولى عالميًا، إذ تتجاوز هذه الرؤية مرحلة الاختبارات التقنية المحدودة لتضع الذكاء الاصطناعي في النواة الصلبة للعمليات القتالية والاستخباراتية، بتوجيه مباشر من الرئيس دونالد ترامب.
ويعكس هذا النهج الذي أعلنه وزير الدفاع بيت هيجسث، إصرار واشنطن على التعامل مع تطوير الخوارزميات كمسألة أمن قومي طارئة لا تقبل الإرجاء، حيث إن الانتقال السريع من الفكرة إلى التطبيق الميداني المباشر لا يستهدف تسريع اتخاذ القرار فحسب، بل يهدف إلى إعادة هندسة البنية العسكرية لتصبح أكثر مرونة وقدرة على التكيف اللحظي.
وفي ظل سباق التسلح التكنولوجي المحموم، تمثل هذه الخطوة إعلانًا صريحًا بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تكميلية، بل أصبح المعيار الجديد للقوة السيادية في القرن الحادي والعشرين.

الاستخبارات التنبؤية
كشفت التقارير التقنية عن نقلة نوعية في قدرات وحدات الاستخبارات الرقمية التابعة للبنتاجون، حيث تم دمج نماذج اللغة الكبيرة المتقدمة في أنظمة الرصد المبكر، إذ لا تكتفي هذه الأنظمة بجمع البيانات التقليدية، بل تعمل على تحليل الضجيج الرقمي والمؤشرات غير المرئية للتنبؤ بتحركات الأهداف بدقة زمنية متناهية.
ومن خلال معالجة ملايين الرسائل المشفرة وصور الأقمار الصناعية في أجزاء من الثانية، استطاع الذكاء الاصطناعي تحديد ثغرات زمنية في أنظمة حماية المنشآت الحصينة، مما وفر غطاءً معلوماتيًا حاسمًا للعمليات السرية.
كذلك، يساهم الاعتماد على الخوارزميات التنبؤية في تقليص الفجوة الزمنية بين رصد الهدف واتخاذ قرار التحرك الميداني إلى أدنى مستوياتها التاريخية؛ فبدلًا من انتظار التحليل البشري الذي قد يستغرق ساعات، تقوم النماذج الذكية بتقديم سيناريوهات احتمالية لمسارات هروب الأهداف أو أماكن اختبائها البديلة.
هذا الربط اللحظي بين البيانات الاستخباراتية والوحدات الخاصة في الميدان جعل من "عنصر المفاجأة" سلاحًا رقميًا بامتياز، حيث يتم اختراق المواقع المستهدفة في اللحظة التي تكون فيها دفاعاتها في أضعف حالاتها نتيجة خلل تنبأت به الآلة مسبقًا.

ومع ذلك، تثير هذه القدرة الفائقة مخاوف بشأن حتمية القرار الخوارزمي، إذ تعتمد العمليات السرية الآن بشكل شبه كلي على ما تمليه مخرجات الذكاء الاصطناعي، كما أدت الشراكة بين شركات التقنية الكبرى ووكالات الاستخبارات إلى تطوير غرف عمليات افتراضية تحاكي الواقع بدقة 99%، مما يسمح للقادة باختبار العملية السرية آلاف المرات رقميًا قبل تنفيذها على أرض الواقع.
إدارة العمليات الهجينة
وفق الاستراتيجية التي تتبناها الإدارة الأمريكية وتُعرف بزمن الحرب الجديدة، بدأت القوات الخاصة الأمريكية في استخدام تقنيات التمويه السيبراني النشط لتأمين عمليات التسلل في البيئات المعادية، وتعتمد هذه التقنية على إنشاء كيانات رقمية وهمية وإشارات رادارية مضللة يتم توليدها بواسطة الذكاء الاصطناعي لإغراق أنظمة دفاع العدو بمعلومات متضاربة.
وبينما تنشغل الرادارات وأجهزة الرصد بتعقب أهداف وهمية، تتمكن الفرق الميدانية من تنفيذ مهامها في صمت تام، مستفيدة من حالة الإرباك المعلوماتي التي تفرضها الخوارزميات على الطرف الآخر.
وتتجاوز قدرات التمويه الرقمي مجرد تضليل الرادارات إلى التلاعب بالوعي المعلوماتي في منطقة العمليات، ويشمل ذلك تعطيل شبكات التواصل المحلية بشكل انتقائي أو بث رسائل مشفرة توحي بوقوع حوادث عرضية لصرف الأنظار عن العملية السرية الجارية.
هذا النوع من الحرب الهجينة يضمن بقاء العملية في طي الكتمان حتى بعد انتهائها بوقت طويل، مما يجعل من الصعب على الخصوم تحديد جهة الاختراق أو وسيلته.

علاوة على ما سبق، تلعب الأدوات السيبرانية الذاتية دورًا حيويًا، حيث يتم زرع برمجيات خبيثة ذكية داخل شبكات العدو قبل بدء العملية بفترة وجيزة، وتكون هذه البرمجيات مصممة لتعطيل كاميرات المراقبة وأنظمة الإنذار بشكل مؤقت، ثم إعادة تشغيلها وكأن شيئًا لم يكن بعد خروج القوات.
وكلاء الذكاء الاصطناعي
يمثل ظهور الوكلاء الرقميين المستقلين التحول الأكثر خطورة في تكتيكات العمليات السرية لعام 2026، حيث تُمنح الأنظمة الذكية القدرة على اتخاذ قرارات ميدانية دون الحاجة لربط مباشر بمركز القيادة.
هؤلاء الوكلاء يتم دمجهم في مسيرات مجهرية أو أجهزة اختراق محمولة، وهم مصممون للعمل في بيئات الانقطاع التام حيث يتم حجب إشارات الأقمار الصناعية والاتصالات، ويستطيعون تقييم المخاطر المفاجئة وتغيير خطة التسلل ذاتيًا لضمان استمرار المهمة أو الانسحاب بأمان.
وتسمح هذه الاستقلالية العالية بتنفيذ مهام في مناطق لا يمكن للبشر أو المسيرات التقليدية الوصول إليها، مثل المفاعلات النووية تحت الأرض أو مراكز القيادة الحصينة إلكترونيًا، ويتميز الوكيل الاستباقي بقدرته على اتخاذ القرارات السريعة والدقيقة. هذا المستوى من الذكاء يجعل من الفشل التقني أمرًا شبه مستبعد، حيث تمتلك الآلة مخزونًا هائلًا من الحلول البرمجية الجاهزة للتطبيق الفوري.

بروتوكولات التدمير
تعرف هذه البروتوكولات بأنها آليات أمنية مدمجة في التطبيقات والأنظمة لحذف البيانات تلقائيًا بعد فترة زمنية محددة أو عند تفعيل شرط معين، بهدف حماية الخصوصية. تشمل الرسائل ذاتية الاختفاء والمحادثات السرية، والتي تضمن عدم بقاء أثر للمعلومات الحساسة، مما يعد حلًا فعالًا للحد من مخاطر تسريب البيانات.
وتعد هذه الامتيازات جزءًا لا يتجزأ من عمل هؤلاء الوكلاء في العمليات السرية، لضمان عدم وقوع التقنية في يد العدو؛ ففي حال استشعار الخوارزمية لاحتمالية الانكشاف بنسبة تتجاوز حدًا معينًا، يقوم الوكيل بمسح كامل أثره البرمجي وتدمير الدوائر الإلكترونية للجهاز الحامل له.
هذا الالتزام الصارم بسرية المصدر هو ما دفع البنتاجون لتسريع وتيرة الاعتماد على وكلاء الذكاء الاصطناعي، باعتبارهم جنودًا لا يمكن استجوابهم ولا يتركون وراءهم أي دليل مادي أو رقمي يربطهم بجهة التشغيل.

ختامًا:
اندفاع الولايات المتحدة نحو عسكرة الذكاء الاصطناعي تحت شعار نهج زمن الحرب يضع العالم أمام واقع أمني جديد، تتلاشى فيه الحدود بين البرمجيات المدنية والأدوات القتالية الفتاكة.
وبينما تمنح هذه الاستراتيجية واشنطن تفوقًا تكنولوجيًا كاسحًا في العمليات السرية، فإنها تفتح الباب على مصراعيه لسباق تسلح عالمي لا تحكمه قوانين دولية واضحة، حيث تصبح الخوارزمية هي الحكم والجلاد في آن واحد، بعيدًا عن رقابة الرأي العام أو حتى المساءلة القانونية التقليدية.
دعاء إمام*
باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية
- # الذكاء الاصطناعي
- # القوات الخاصة
- # الولايات المتحدة
- # الرئيس دونالد ترامب
- # البنتاجون
- # وول ستريت جورنال
- # الخوارزميات
- # وزارة الدفاع الأمريكية
- # مادورو
- # الاستخبارات
- # شركة أنثروبيك
- # اء الاصطناعي
- # نيكولاس
- # الدفاع الأمريكي
- # الرئيس الفنزويلي
- # الجانب الأمريكي
- # القبض على الرئيس الفنزويلي
- # القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو
- # الجيش الامريكي