من المعاهد إلى المنصات الرقمية: أوكار السلفية على مواقع التوصل الاجتماعي
على مدار السنوات الماضية، تعمل الدولة المصرية على تجفيف منابع التطرف على المستويين الفكري والتنظيمي، ابتداءً بجماعة "الإخوان" ومصادرة كياناتها ومؤسساتها، مرورًا بالسلفية التقليدية، وصولًا إلى تنظيمات السلفية الجهادية المسلحة، التي هددت السلم الاجتماعي، وسعت لاستقطاب العقل الجمعي للدوائر الاجتماعية بما يتوافق مع مشروعها الفكري والسياسي. ورغم ما قدمته الأجهزة التنفيذية في مكافحة الإرهاب وتفكيك حواضنه الفكرية والشعبية والسياسية، إلا أن التيار السلفي لا يزال يتمدد في عمق الشارع المصري، متخذًا وسائل جديدة لتعزيز وجوده واستمراريته، بما في ذلك إنتاج أجيال بشرية تحمل جينات التطرف والعنف.
ما نطرحه في السطور التالية يأتي سعيًا في إغلاق الباب أمام التنظيمات التكفيرية، ضمن الجهود المبذولة لمكافحة الإرهاب، وتقديم خطاب سياسي ديني يدعم مشروع الدولة الوطنية، وإجراءات صارمة للحد من تأسيس الدكاكين الفكرية للتيارات السلفية على الإنترنت، والتي تهدف إلى صناعة تيارات جماهيرية داعمة للمنهجية الوهابية فقهيًا وعقائديًا وسياسيًا، متجاوزة أكذوبة تمثيلها توازنًا فكريًا في مقابل موجات الإلحاد والعلمانية.

التغلغل السلفي
منذ سبعينات القرن الماضي، تسللت التيارات السلفية إلى عمق المجتمع المصري من خلال مؤسسات وكيانات داعمة لمنهجيتها الفكرية، مثل "معاهد إعداد الدعاة" والجمعيات السلفية الثقافية، التي تجاوز عددها 150 معهدًا على مستوى الجمهورية، بعضها غير رسمي، وركزت على إنتاج "دعاة سلفيين" يسيطرون على المنابر والزوايا والمساجد، منافسين المؤسسة الأزهرية ووزارة الأوقاف في دورهما بالهيمنة على الخطاب الديني.
سيطرة السلفية التقليدية على ما يُعرف بـ"دولة المنابر" كانت سببًا جوهريًا في إغلاق دكاكين تأهيل "الدعاة السلفيين"، إذ أصدرت وزارة الأوقاف المصرية في أكتوبر 2015 قرارًا بإلغاء تراخيص "معاهد إعداد الدعاة" التابعة لجمعيات مثل "أنصار السنة المحمدية" و"الدعوة السلفية"، فيما أُسست لاحقًا أكاديميات رسمية لتجديد الخطاب الديني، مثل "أكاديمية الأزهر الشريف لتدريب الأئمة وباحثي الفتوى" عام 2018، و"أكاديميّة الأوقاف الدوليّة لتدريب الأئمة" عام 2019، بهدف تنقية التراث ومفاهيم الدين بما يتناسب مع العصر.
الدكاكين السلفية
على الرغم من جهود الدولة، استمرت التيارات السلفية التقليدية في منافسة المؤسسات النظامية عبر تأسيس عشرات "الأكاديميات التعليمية" غير الرسمية، التي تشرف عليها مرجعيات سلفية وتستهدف طبقات المجتمع المختلفة، وتعتمد على "التعليم عن بعد" عبر منصات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، مقدمة برامج فصلية تنتهي باختبارات وشهادات شرعية وهمية.
البرامج المقدمة تتسق مع المناهج الفكرية الوهابية، إضافة إلى قضايا فكرية وسياسية واجتماعية، مؤطرة ضمن مشاريع فكرية تهدف إلى خلق بيئة حاضنة للفكر المتطرف. وقد ساهمت هذه الأكاديميات في إنتاج نماذج انخرطت لاحقًا في معسكرات القتال بسوريا والعراق وليبيا عقب "ثورات الربيع العربي"، معززة فكرة أن السلفية التقليدية ليست صمام أمان ضد الانخراط في الجماعات المسلحة المتشددة.

من أبرز الأكاديميات التي انتقلت للعمل عبر الشبكة العنكبوتية: "أكاديمية تبصرة للعلوم الإسلامية"، و"معهد الجهني للعلوم الشرعية"، و"معهد بناء للدراسات الشرعية"، و"أكاديمية بيان للتأسيس الشرعي"، و"المعهد الفقهي"، بالإضافة إلى "معهد شيخ الإسلام العلمي" الذي أسسه أبو إسحاق الحويني منذ 2016. وتشمل برامج هذه الأكاديميات مناهج دراسية تمتد من سنة تمهيدية إلى أربع سنوات، مع دبلومات وبرامج خاصة بالدراسات العليا، تمنح إجازات شرعية وهمية، وتهدف إلى تدريب وإعداد "الدعاة السلفيين" خارج أطر الأزهر والأوقاف.
الشيخ وحيد عبد السلام بالي، المعروف بـ"شيخ العفاريت"، أسهم في تأسيس معاهد عدة مثل "معهد الفتح"، ويُمارس نشاطه أيضًا في إفريقيا عبر مؤسسة "عيد الخيرية"، المدرجة على قوائم الإرهاب لدعمها تنظيم "القاعدة". هذه المؤسسات الفكرية تُعد امتدادًا لمعارضات "معاهد إعداد الدعاة" المغلقة رسميًا، وتُمثل بوابة خلفية للراغبين في الحصول على لقب "داعية سلفي" دون مؤهلات أكاديمية معترف بها.
الأوكار الرقمية
مع غلق المعاهد التقليدية، اتجه ممثلو "السلفية المعاصرة" إلى منصات التواصل الاجتماعي، محولين إياها إلى أبواق للاستمالة الفكرية للشباب، مع التركيز على الاستفادة المالية والتجارية. من أبرز هؤلاء الداعية أمير منير ("داعية عمرة البدل")، ومحمد جعباص، وحازم الصديق، وعماد أبو بكر القاضي، إضافة إلى عدد من الدعاة الآخرين الذين يستخدمون محتوى رقميًا متنوعًا من فيديوهات، وبودكاست، وكورسات تنمية بشرية، وتدريب إعلامي، ودورات تربية الأبناء والزواج وبناء العلاقات الأسرية، لترويج الفكر السلفي الوهابي مع لمسة عصرية تناسب العولمة الرقمية.
يتم تمويل هذه الشبكات الرقمية عبر شركات تسويق للمحتوى، وتحويل شعائر وعبادات دينية إلى "بيزنس" مربح، مثل مشاريع "عمرة البدل"، وبناء الآبار المائية، والزراعة في الصحراء، وذبح الأضاحي في أفريقيا، ما جعل جزءًا كبيرًا من النشاط السلفي معاصرًا مبنيًا على المكاسب المالية أولًا، ومن ثم التمدد الفكري.

التنسيق الفكري والسياسي
على الرغم من مواجهة الدولة للجماعات المسلحة، لا يزال التيار السلفي بعيدًا عن الرقابة المباشرة، متعايشًا مع الدوائر الشعبية، ويشكل جسرًا بين السلفية التقليدية والجماعات الأصولية المسلحة. فثمة ظاهرة "سلفنة الإخوان" و"أخونة السلفية"، حيث يتقارب التياران في قضايا الفقه السياسي المتعلقة بالتكفير والحاكمية ومشروع الدولة الدينية. وقد استندت المدارس السلفية في مصر إلى أطروحات سيد قطب، مثل "في ظلال القرآن" و"معالم في الطريق"، التي اعتبرت التغيير السلمي مستحيلاً وشرعت العمل المسلح لإسقاط الأنظمة.
تمثل التيارات السلفية حالة سائلة، غير منظمة تنظيميًا، ما منحها فرصة الهروب من وضوح منهجيتها السياسية، واعتماد خطاب غير معلن في التعامل مع الإشكاليات السياسية، والاعتماد على اجتماعات خاصة ومغلقة بعيدًا عن الرقابة. وتتسم هذه المنهجية بثنائية الدعوي والسياسي، إذ تُحرّم ممارسة السياسة ضمن أطر الدولة المدنية، وتعتبر الديمقراطية كفرًا، وتقسّم العالم إلى "دار إسلام" و"دار كفر وحرب"، مما أسس لبيئة فكرية متوافقة مع عمل الجماعات المسلحة لاحقًا.

تيارات السلفية في مصر
تتنوع التيارات السلفية في مصر بين التقليدية، والحركية، والمستقلة والعلمية، مثل مدرسة الإسكندرية "الدعوة السلفية" والتي يقودها الشيخ ياسر برهامي، ومدرسة القاهرة "السلفية الحركية" التي كان يمثلها الشيخ محمد عبد المقصود، والدكتور سيد العربي، والشيخ فوزي السعيد، والشيخ نشأت إبراهيم، والسلفية المستقلة وتشمل حسين يعقوب، وأبو إسحاق الحويني، ومحمد حسان، و"الجبهة السلفية" وأبرز ممثليها الهارب خالد سعيد والهارب أحمد مولانا، وهي معتنية بالفكر القطبي، و"السلفية العلمية" وأبرز ممثليها الراحل الدكتور أسامة عبد العظيم، فضلا عن جماعة "التبليغ والدعوة" السلفية المنتشرة في عدد من المدن والمساجد.

هذه التيارات شكّلت حاضنة للعناصر التكفيرية التي شاركت لاحقًا في سوريا والعراق بعد "الربيع العربي"، وانخرطت في جماعات مثل تنظيم "القاعدة"، و"جبهة فتح الشام"، وتنظيم "حراس الدين"، وتنظيم "داعش".
المشروع الديني
تسعى التيارات السلفية، رغم ما توحيه من دعوي، إلى الهيمنة على السياسة والمجتمع، عبر استراتيجية "التغيير المتدرج"، وخلق حاضنات اجتماعية تدعم الفكر الوهابي، وتمتزج بالعملية السياسية من منطلق عقائدي، دون قبول مبادئ الدولة المدنية أو صناديق الاقتراع. فحتى في مراحل التمكين بعد يناير 2011، استغلت التيارات السلفية ضعف الرقابة لخلق قواعد دعم لجماعة الإخوان، مثل "مجلس شورى العلماء" و"الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح"، اللذان أصدرا بيانات مؤيدة للاعتصامات المسلحة في رابعة والنهضة.
ترتكز المدارس السلفية على مفاهيم مثل "التوحيد الخالص" و"الشرك البين" و"جاهلية المجتمع"، التي أرسى معالمها سيد قطب، وتدعمها فتاوى شيوخ مثل ياسر برهامي، ناصر الدين الألباني، وصلاح الصاوي، التي تصف الديمقراطية بأنها حكم طاغوتي، والحاكم المنتخب بأنه لا يمتلك ولاية شرعية، مؤطرة لتكفير النظم السياسية.

رغم الانتصارات الأمنية والتشريعية التي حققتها الدولة المصرية، تظل التيارات السلفية التقليدية والمعاصرة تحديًا فكريًا واجتماعيًا مستمرًا، نتيجة استراتيجياتها الملتوية في التغلغل في المجتمع، وإنتاج جيل جديد من الشباب الفكري المؤدلج، واعتمادها على الشبكة العنكبوتية والمنصات الرقمية للتوسع دون مراقبة. وقد بات واضحًا أن التيار السلفي لا يزال جسرًا إلى الفكر الجهادي المسلح، وهو يمثل تحديًا مركبًا أمام مشروع الدولة الوطنية في تعزيز قيم الوسطية، ومكافحة التطرف الفكري والسياسي، وضمان سيادة الدولة المدنية على حساب المناهج الأصولية التي تهدد السلم الاجتماعي.



