جاهلية القرن العشرين: كيف مهّد محمد قطب الطريق لتيارات التكفير والعنف؟
لم يكن محمد قطب مجرد "شقيق" لسيد قطب، ولا مجرد شارح عابر لمقولاته بعد الإعدام، بل كان أحد أهم صُنّاع المرحلة الثانية من القطبية؛ تلك المرحلة التي انتقلت فيها الأفكار من حدود التنظيم إلى المجال العام، ومن لغة الأدب والاحتجاج إلى لغة التصنيف العقدي، التي تُقسّم الناس والمجتمعات بين "إيمان" و"جاهلية".
على مدار عقود، لعب محمد قطب دورًا مركزيًا في إعادة تدوير مفهوم "جاهلية القرن العشرين"، وتقديمه باعتباره مفتاحًا لفهم الواقع السياسي والاجتماعي والديني في العالم الإسلامي. ومع الزمن، تحوّل هذا المفهوم من مجرد توصيف حادّ لأزمة الهوية إلى "أداة تفكيك" للمجتمع والدولة، ثم إلى قاعدة دستورية تستند إليها الحركات التكفيرية في تبرير العنف المسلح.
التمدد القطبي
بعد صدام الإخوان مع الدولة في الخمسينيات والستينيات، دخلت القطبية في طورها الأكثر تأثيرًا. فإعدام سيد قطب عام 1966 لم يُنهِ مشروعه، بل فتح الباب أمام "ورثة الفكرة"، وكان محمد قطب في مقدمتهم.
المفارقة أن محمد قطب لم يكتفِ بحفظ تراث شقيقه أو الدفاع عنه، بل سعى إلى نقل هذا التراث إلى الأجيال الجديدة بلغة مبسطة، عبر كتب ومحاضرات ودروس انتشرت في أوساط الطلاب في الجامعات، والحلقات والتجمعات الدينية، وشبكات التأثير داخل الخليج لاحقًا، وبذلك، لم تعد القطبية خطابًا تنظيميًا محدودًا، بل تحولت تدريجيًا إلى "وعي عام" لدى قطاعات واسعة من الشباب العربي والمصري في ظل غياب تام للدولة المصرية حينها.

ولد محمد قطب في عام 1919 في بلدة موشا بمحافظة أسيوط، وبخلاف سيد فقد كانت دراسته في القاهرة بجميع مراحلها، حيث درس فيها المرحلة الابتدائية والثانوية، وتخرج في جامعة القاهرة التي أخذ منها الإجازة في اللغة الإنجليزية وآدابها عام 1940.
بعد تخرجه من الجامعة بدأ يهتم بالتعليم والتربية فاتجه نحو معهد التربية العالي للمعلمين بالقاهرة، وحصل منه على شهادة دبلوم في التربية وعلم النفس عام 1941، ثم عمل بعد ذلك أربع سنوات في التدريس، ثم في دار الكتب المصرية، وبعدها أصبح مترجمًا في وزارة المعارف المصرية، ثم انتقل إلى الإدارة العامة للثقافة في وزارة التعليم العالي بمصر.
سجن محمد قطب للمرة الأولي مع أخيه عقب "حادثة المنشية" في عام 1954، ولكنه خرج بعدها بفترة قصيرة بينما حكم على سيد بالسجن 15 عامًا، ثم سجن عام 1965 في قضية تنظيم (65)، وظل في السجن 6 سنوات ليخرج منه في مطلع عهد السادات عام 1971، ثم غادر إلى المملكة العربية السعودية، وعين رئيسًا لقسم العقيدة بجامعة "أم القرى"، على الرغم من أنه ليس متخصص في العقيدة.
خلال وجوده في الجامعة كرئيس لـ"قسم العقيدة"، أشرف على عدد من الرسائل العلمية التي كان لبعضها دور في انتشار الأفكار القطبية، ومن أشهر رسالة الماجستير للشيخ سفر الحوالي، بعنوان: "العلمانية: نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة" وأشرف أيضا على رسالته للدكتوراه بعنوان " ظاهرة الإرجاء في العالم الإسلامي"، والتي تضمنت مفاهيمًا قطبية خالصة.
وأشرف على رسالة " الولاء والبراء" لمحمد بن سعيد القحطاني، ورسالة "أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية والرد على الطوائف الضالة فيه" لعلي نافع العلياني، ورسالة "الوثنية الحديثة وموقف الإسلام منها"، ليوسف الأحمد، ورسالة "منهج الدعوة النبوية في المرحلة المكية" لعلى الحربي، ورسالة "فكرة القومية العربية في ضوء القرآن" لصالح العبود، وغيرهم.
كما قام بتكليف من وزير المعارف، بوضع مقرر التوحيد لطلاب المرحلة الثانوية، وقد صدرت الطبعة الأولى للمنهج عام 1977، وبعد إيقاف تدريسه في المدارس السعودية أعاد محمد قطب إصداره في كتاب بعنوان "ركائز الإيمان " عام 1997، كما فاز بجائزة الملك فيصل العالمية عام 1988بعد صدور كتابه "منهج التربية الإسلامية ".

التيار السروري
نقل محمد قطب تكوينه الفكري إلى أبناء "التيار السروري"، والتي ترجع مرجعيته إلى المدرسة القطبية أكثر من البنائية، وفي كتابه "واقعنا المعاصر" الصادر عام 1986 عن مؤسسة المدينة للنشر بجدة، الذي يعد أهم الكتب المنهج التربوي للتيار السروري، يقدم قطب الرؤية الحركية المعاصرة لأهم مفاصل التاريخ الحديث، ووسائل تغريب المرأة، والتعليم، والإعلام والفكر والأدب، فيقول: "العالم الإسلامي اليوم يمر بأسوأ مراحله، يمكن أن نطلق عليها مرحلة (التيه)، انحرف المسلمون انحرافًا شديدًا عن حقيقة الإسلام، ويحاصرهم الغزو الفكري الذي يحيكه أعداء الأمة من كل مكان".. ولكن "اليوم يدور الزمان دورته، ويبزغ فجر جديد للإسلام مع تباشير الصحوة الإسلامية، يحمله الشباب المؤمن الذي يتطلع إلى اليوم الذي يجد فيه الإسلام مطبقا بالفعل، اليوم الذي يعود فيه المسلمون إلى الاستخلاف والتمكين في الأرض".
بحسب ما يرويه عبد الوهاب الحميقاني في صحيفة "يوم برس" الإلكترونية اليمنية، فإن أحد طلابه كان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، يقول: "كان محمد قطب يزور تركيا ويحاضر فيها العامة والطلاب، وكان من بين هؤلاء الذين يحضرون له رجب أردوغان". وصل أردوغان للسلطة، واستقر قطب بمكة: "وفي إحدى زياراته الرسمية للسعودية، وبعد أداء العمرة توجه أردوغان بموكبه الخاص إلى منزل قطب، فقبل رأسه ويده وجلس بين يديه يطلب منه الدعاء وزيارة تركيا والإقامة فيها، وفقًا لما كتبه الحميقاني في أبريل 2014.
في كتابه "جاهلية القرن العشرين"، يقرر محمد قطب أن البشرية جمعاء تعيش في جاهلية شاملة: "فالطاغوت الحاكم في الأرض وصل لحد حاسم، وانقلب الخير حسيرًا لا يملك أمرًا في ظل الطاغوت.. وقد اقتربت تدخلات الإرادة الإلهية الحاسمة، فالناس يختارون لأنفسهم إما التدمير الشامل إن ظلوا فيما هم فيه من شرود عن منهج الحق، وإما الهدي إلى دين الله.. فلا بد من إفراد الحاكمية لله".
ينتقل محمد قطب مفصلًا الحديث نحو حال المجتمعات الإسلامية: "تلك الجاهليات التي تقول إنها تعرف الله، وتظن أنها تؤدي العبادة الحقة لله.. كل هذه الجاهليات تجادل في الأمر وتظن أنها على حق، لكن كيف يعقل، وكيف يعبدون الله - في زعمهم - وهم يأخذون نظام حياتهم من غير الله".
ويشير محمد قطبة في كتابه عن واقع "الأمة المسلمة"، مبينًا أنها انحرفت كثيرًا، في توافق تام مع أفكار أخيه سيد حتى في طريقة التعبير واختيار الألفاظ، حيث يقرر أن المجتمعات الإسلامية قد "أدركتها بالتدريج جهالة الجاهلية، ففصلت العقيدة عن الشريعة، وأخذت الدين عقيدة مستسرة في القلب منقطعة عن الواقع، بينما الواقع يحكمه منهج الله، لكن اليوم لم يعد دين الله هو المحكم في واقع الأمة الإسلامية ومن ثم لم تعد أمة مسلمة، حتى وإن كانت لا تزال تتسمى بأبناء المسلمين وتصلي أحيانا وتصوم".

يقول محمد قطب عن أخيه سيد: "لقد عايشت أفكار سيد بكل اتجاهاته منذ تفتح ذهني للوعي، ولما بلغت المرحلة الثانوية أصبح يشركني في مجالات تفكيره، ويتيح لي فرصة المناقشة لمختلف الموضوعات، فامتزجت أفكارنا وأرواحنا امتزاجًا كبيرًا، بالإضافة إلى علاقة الأخوة والنشأة في الأسرة الواحدة، وما يهيئه ذلك من تقارب وتجاوب".
بعد أن يستعرض محمد قطب في كتابه "جاهلية القرن العشرين" التي يرزح تحتها العالم الإسلامي في كل المجالات، قدم في الربع الأخير منه الحل الأمثل لمواجهة الواقع المعاصر، والمنهج الأصلح لتحقيق التمكين والوصول إلى الحكم، عن طريق "بناء قاعدة إسلامية صلبة" تكون النواة الرئيسة الأولى للمواجهة مع السلطة "الجاهلية" القائمة، والسند الفعلي الداخلي لأبناء الحركة أمام مخططات أعداء الإسلام، وأعداء الحكم الإسلامي-على حد زعمه.
جاهلية القرن العشرين
تقوم فكرة "جاهلية القرن العشرين" على قاعدة بسيطة لكنها شديدة الانفجار، تتمثل في أن المجتمعات الحديثة، حتى لو أعلنت الإسلام، تعيش في جاهلية لأنها لا تحكم بشرع الله، ومن ثم وفق هذا المفهوم لم تعد الجاهلية ليست مرحلة تاريخية انتهت ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بل "وصفًا عقديًا" حاضرًا، يطارد المجتمع والدولة والمؤسسات. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن نزع صفة الإسلام عن المجتمع لا يقف عند حدود النقد السياسي أو الأخلاقي، بل يتجاوز إلى نزع الشرعية عن الدولة والقانون والمؤسسات الدينية، فضلًا عن التشكيك في إسلام المجتمع نفسه، وبالتالي يتحول الخلاف الرئيسي إلى خلاف على "العقيدة"، وتتحول المعارضة السياسية إلى "مفاصلة دينية وعقائدية".
من الدعوة إلى التصنيف
في الخطاب الديني التقليدي، تُطرح فكرة الإصلاح عادة عبر الدعوة والتعليم والوعظ، مع الاعتراف بأن المجتمع مسلم وإن كان مقصرًا أو منحرفًا. أما في المنهج القطبي الذي رسخه محمد قطب، فالصورة تختلف جذريًا، فالمجتمع ليس فقط بعيدًا عن الدين، وإنما يعيش في جاهلية مطلقة، ولم تعد الدولة ظالمة أو غير عادلة، بل باتت نظامًا "طاغوتيًا"، وأصبحت القوانين والدساتير "شرك وحكم بغير ما أنزل الله". وهنا يبدأ التحول الأخطر في ظل تحول المجتمع ذاته إلى خصم وعدو، وتتحول مهمة "الداعية" إلى مهمة "الفرز"، ومن ثم المفاصلة العزلة الشعورية والعقائدية.
المفاصلة الشعورية
يُعد مفهوم المفاصلة أو العزلة الشعورية، من أكثر المفاهيم التي ساهم محمد قطب في ترسيخها، ويعتمد على أن المؤمن الحقيقي يجب أن يعيش في حالة قطيعة نفسية وعقدية مع المجتمع، باعتباره مجتمعًا جاهليًا، وهذه القطيعة لا تُنتج فقط عزلة اجتماعية، بل تُنتج عقلية حادة تقوم على احتقار المجتمع، والشك في تدين الناس، ورفض القوانين، وتكفير المؤسسات، وبالتالي الجاهزية لحتمية الصدام المسلح.
المنهج مقابل الفتوى
قد يجادل البعض بأن محمد قطب لم يكتب نصًا مباشرًا بتكفير المجتمع، ولم يضع فتوى صريحة بقتال الدولة. لكن هذه الحجة تتجاهل حقيقة أساسية، فأخطر ما في الفكر المتطرف ليس الفتوى، بل المنهج، فحين يصبح معيار الإسلام يتمثل في "الحاكمية"، ومعيار الإيمان يتمثل في "التحاكم للشريعة"، فالنتيجة المنطقية أن من لا يحكم بالشريعة طاغوت، ومن يقبل بالطاغوت واقع في الشرك، ومن يرضى بالشرك لا يكون مسلمًا كامل الإسلام، وهكذا يتحول التكفير من "قرار" إلى "نتيجة" وواقع، ومن ثم يصبح الشباب المتحمس جاهزًا للانتقال من السؤال الفكري إلى السؤال العملي (إذا كان المجتمع جاهليًا.. فكيف نغيّره؟).

وحول تعميم التكفير في المجتمعات العربية والإسلامية، يقول محمد قطب بعد أن "تدبر خط الانحراف الطويل والغزو الفكري الذي طال مجتمعات العالم الإسلامي"، قائلًا: "إن الجواب الذي يحسم هذه القضية حسمًا كاملًا، هو أن من وصلته دعوة الحركة الإسلامية فأبى وأصر - بعد البيان والتعليم - فهو الكافر بلا شبهة، وأما من أجاب الدعوة فهو المسلم بلا شبهة".
بهذا الجواب يقارب محمد قطب أفكار شكري مصطفى مؤسس "جماعة التكفير والهجرة" التي تؤمن بقاعدة "الوقف والتبين"، وتقوم على اعتبار مبدأ التوقف في الحكم على أي مسلم ليس عضوًا في الجماعة (جماعة المسلمين، التي أسسها) فلا يحكمون له بكفر أو إسلام حتى يتبين كفره من إيمانه، وهذا التبين يكون عبر عرض فكر الجماعة عليه، فإن وافق وانضم إليهم صار مسلمًا، وإن رفض حكموا بكفره.
في حوار أجراه كمال حبيب من مكة، ونشره الموقع القطري "إسلام ويب" في يوليو 2007، أكد محمد قطب أنه لا يوجد اختلاف منهجي أو فكري بين حسن البنا وسيد قطب، وبحسب رأيه فإن "فكر سيد قطب هو الامتداد الحقيقي لفكر حسن البنا؛ فحسن البنا في رسالة التعاليم يقول: (ولا نكفر مسلمًا بذنب متى نطق بالشهادتين وعمل بمقتضاها)، وسيد قطب يتحدث عن قيد أو شرط (وعمل بمقتضاها)".
يروي محمد قطب في الحوار عينه عن تحول مهم في حياة حسن البنا لم ينتبه له أبناء الجماعة أو أهملوه، حسب قوله؛ ففي "عام 1948 حدث وعي جديد عند حسن البنا، تمثل في أن الحكام ليسوا مسلمين إذا لم يحكِّموا شريعة الله، وأتباعه الذين جاءوا من بعده، إما أنهم لم يدركوا هذا الوعي الجديد في خط تفكيره، أو أهملوه عن قصد".
من الكتب إلى الرصاص
لم تكن التنظيمات الجهادية في السبعينيات والثمانينيات بحاجة إلى اختراع نظرية جديدة. كانت تحتاج فقط إلى خطاب يجرّد الدولة من الشرعية، ويجرّد المجتمع من الصبغة الإسلامية، ويمنح الجماعات الأصولية وممثليها حق الوصاية على المجتمع، ويبرر الصدام بوصفه "جهادًا"، ومن هنا كانت المنطلقات القطبية، كما أعاد محمد قطب صياغتها، والتي أصبحت الوقود الأيديولوجي الذي غذّى عقلية العنف، وبالفعل، فإن مسار العديد من رموز العنف المسلح مرّ عبر هذه المدرسة، سواء بشكل مباشر أو عبر الوسط الدعوي الذي تشبع بكتابات محمد قطب.

في مذكراتها " أيام من حياتي " تروي زينب الغزالي، تفاصيل مهمة عن طبيعة دور محمد قطب في تنظيم (65)، فتقول :"لما كانت جماعة الإخوان المسلمين معطلًا نشاطها بسبب قرار الحل الجاهلي لسنة 1954، كان ضروريًا أن يعود إحياء هذا النشاط، لكنه بالطبع سيكون سريًا، وقد تكثفت تحركات مجموعة من الكوادر الإخوانية الذين لم تطلهم حملة الاعتقالات، من أجل إعادة تنظيم صفوف الجماعة من جديد، من أبرزهم عبد الفتاح إسماعيل، وعلى عشماوي، وأحمد عبد المجيد، ومحمد فتحي رفاعي، وعوض عبد العال وآخرون، ضمن ما عرف بتنظيم سيد قطب ، أو تنظيم 1965".
وتستكمل زينب الغزالي تفاصيل نشاط التنظيم السري، فتقول: "رأينا خلال فترة الإعداد التربوي أن يكون هناك مستشار يشرح ويوضح لنا توجيهات سيد قطب وتعليماته، ولذلك قررنا ورأينا أن يكون الأستاذ محمد قطب هو مرجعنا، وبإذن من المرشد الهضيبي كان الأستاذ محمد يأتي بشكل دوري إلى بيتي في مصر الجديدة، ليوضح للشباب ما غمض عليهم فهمه، وكان الشباب يستوضحونه ويسألونه أسئلة كثيرة يجيب عنها ".
الخطاب الديني العام
الأخطر من تأثير محمد قطب على الجماعات المسلحة، هو تأثيره على الخطاب الديني العام، والعقل الجمعي للمجتمع، حيث تسللت مفرداته تدريجيًا إلى المجال العام مثل "الجاهلية الحديثة"، و"الطاغوت"، "الحاكمية"، و"المفاصلة الشعورية"، و"الولاء والبراء"، و"حتمة المواجهة"، و"المجتمع الجاهلي"، و"الاصطفاء الإلهي"، و"الفئة المؤمنة"، و"الحكم بما أنزل الله"، والتي أصبحت في مضمونها معيارًا لتقييم "إيمان الأخرين"، وتدريجيًا أصبح هذا الخطاب متداولًا بين قطاع عريض من الشباب الغير منتمي تنظيميًا، لكنه يحمل نفس البنية الفكرية والأيديولوجية لهذه الجماعات المتطرفة، من رفض الدولة، وكراهية المجتمع، والاستعلاء الإيماني، والاستعداد للصدام.
ضرب الوسطية
ساهم انتشار خطاب محمد قطب في إضعاف فكرة الوسطية الدينية، ليس فقط عبر التشدد، لكن من خلال تشويه صورة المؤسسات الدينية التقليدية، فالمؤسسة الأزهرية في العقل القطبي، ليست مؤسسة علمية، بل "ذراع للدولة"، والفقه التقليدي ليس اجتهادًا، بل "تمييع"، والاجتهاد المقاصدي ليس تجديدًا، بل "تلاعب"، والتصوف ليس تزكية، بل "بدعة". وهكذا تم بناء وعي جديد يرى أن الدين الحقيقي لا يوجد في المؤسسات، بل في خطاب "الطليعة الأصولية"، ما فتح الباب واسعًا أمام التيارات المتشددة لتقديم نفسها بوصفها "الإسلام الصافي".
محمد قطب كان حلقة مفصلية في تاريخ التطرف المعاصر، لأنه لم يكن مجرد ناقل لفكر سيد قطب، بل كان "المحوّل" الذي جعل القطبية قابلة للانتشار، وقابلة للتحول إلى خطاب جماهيري عام، وقد تجلى أثره في ثلاث نتائج كبرى مثل تعميم مفهوم الجاهلية على المجتمع والدولة، وتأسيس منهجية تكفيرية تدريجية دون إعلان مباشر، وتهيئة البيئة الفكرية التي تشرعن العنف المسلح، ومن ثم فإن دراسة محمد قطب ليست دراسة لشخص أو كاتب، بل دراسة لمرحلة كاملة تحوّل فيها الدين من مساحة دعوية إصلاحية إلى مساحة صدامية تصنيفية. وهو التحول الذي لا تزال المنطقة العربية تدفع ثمنه حتى اليوم، في صورة جماعات مسلحة، وعقلية تكفيرية.
عمرو فاروق*



