رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

برلين وباريس: من التبعية النووية إلى الاستقلال الاستراتيجي

المنظومة النووية
المنظومة النووية الأوروبية - أرشيفية

كشف المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن انطلاق مباحثات مع فرنسا تهدف إلى صياغة استراتيجية ردع نووي أوروبية موحدة، كخطوة تعكس تصاعد القلق الأوروبي من تآكل المظلة الأمنية التقليدية، إذ جاءت التصريحات خلال افتتاح مؤتمر ميونيخ للأمن المنعقد في ألمانيا؛ مما يمثل خروجًا صريحًا عن الخطوط الحمراء التاريخية لبرلين، ويؤشر إلى قناعة ألمانية متزايدة بأن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة لم يعد خيارًا آمنًا في ظل تذبذب السياسات العابرة للأطلسي.

وبينما شدد ميرتس على أن هذه الخطوة تهدف إلى تعزيز الركيزة الأوروبية داخل حلف الناتو، وليس كبديل عنه، جاءت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتكمل المشهد بدعوة صريحة لتحويل القارة إلى قوة جيوسياسية قادرة على مواجهة التهديد الروسي المستدام.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون 
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون 

يسعى هذا التنسيق الألماني-الفرنسي الجديد إلى تجاوز ثغرات الحرب الباردة وبناء بنية أمنية قارية تضمن عدم وجود تفاوت في مستويات الحماية بين عواصم القارة، مما يضع أوروبا على أعتاب مرحلة تاريخية من الاستقلال الاستراتيجي النووي الذي طال انتظاره.

على ما يبدو أن التحركات الألمانية-الفرنسية المتسارعة تضع حجر الأساس لعقد اجتماعي أمني جديد داخل القارة، يربط بين القدرات التكنولوجية والمالية الألمانية والترسانة النووية الفرنسية؛ فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بمواجهة الأطماع الروسية في الشرق، بل بصياغة هوية دفاعية أوروبية قادرة على الصمود أمام تقلبات المزاج السياسي في واشنطن.

ويمثل الربط الاستراتيجي بين برلين وباريس محاولة لسد الفجوة بين القوة الاقتصادية والهيبة العسكرية، محولًا الاتحاد الأوروبي من مجرد تكتل تجاري ضخم إلى لاعب جيوسياسي يمتلك مفاتيح الردع الخاصة به، وهو ما يفرض واقعًا جديدًا على طاولة المفاوضات الدولية من واشنطن إلى موسكو.

استقلال استراتيجي 

تعد المباحثات بين برلين وباريس اعترافًا صريحًا بتآكل المظلة النووية الأمريكية التي شكلت حجر الزاوية لأمن أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ففي ظل التقلبات السياسية في واشنطن والتوجهات الانعزالية المتصاعدة، لم يعد القادة الأوروبيون يثقون في أن الولايات المتحدة ستخاطر بمدنها لحماية العواصم الأوروبية، مما دفع ميرتس للبحث عن بديل سيادي يضمن بقاء القارة لاعبًا مستقلًا في صراع القوى العظمى.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس
المستشار الألماني فريدريش ميرتس

هذا التحول لا يستهدف فقط تأمين الدفاع، بل يسعى إلى تغيير موازين القوى داخل حلف الناتو نفسه؛ حيث ترغب فرنسا في توسيع نطاق قوة الردع لتصبح ركيزة أوروبية جماعية، وبدلًا من الاكتفاء بالتبعية التكنولوجية والعسكرية لأمريكا، تهدف المباحثات إلى خلق شراكة ندية تمنح الاتحاد الأوروبي القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية بمعزل عن الضغوط الخارجية.  

وعلى الرغم من تأكيدات ميرتس بأن هذه الخطوة لا تهدف إلى تقويض الحلف الأطلسي، إلا أن الرسالة الضمنية لواشنطن وموسكو تبدو واضحة: أوروبا لن تظل ساحة للصراع أو رهينة للضمانات الأمنية المتقلبة للرئيس ترامب أو من يخلفه.

مما سبق، تتحدد أهمية السعي نحو استقلال استراتيجي نووي، إذ إن برلين وباريس قررتا أن مفاتيح أمن القارة العجوز يجب أن تكون في أيدٍ أوروبية، لضمان استقرار القارة في قرن يتسم بانهيار المعاهدات الدولية القديمة وعودة لغة الردع الخشن.

المنظومة النووية الأوروبية - أرشيفية 
المنظومة النووية الأوروبية - أرشيفية 

الأمن الشامل

يمثل تفاوت المستويات الأمنية معضلة أرقت دول شرق ووسط أوروبا؛ ويظهر ذلك في رغبة ميرتس بضرورة خلق مظلة موحدة لا تميز بين باريس وبرلين وبين وارسو وغيرها من العواصم؛ فالهدف هو تحويل الردع الفرنسي من كونه درعًا وطنيًا إلى مظلة قارية شاملة، تمنع روسيا من استغلال أي فجوات أمنية في الجناح الشرقي للاتحاد الأوروبي، وهو تحدٍ يتطلب توافقًا سياسيًا وعسكريًا غير مسبوق.

وتواجه هذه الرؤية تحديات قانونية وتمويلية معقدة، إذ تبحث ألمانيا عن صيغة تتيح لها المساهمة في تكاليف صيانة وتطوير الترسانة النووية الفرنسية مقابل الحصول على ضمانات حماية ملزمة؛ بهدف تعويض النقص في الاستثمارات الدفاعية، ويمنح برلين دورًا استراتيجيًا في صياغة عقيدة الردع دون أن تضطر إلى امتلاك رؤوس نووية خاصة بها، مما يحافظ على التزاماتها الدولية ويحقق أمنها في آن واحد.

في حال نجاح هذا التعاون، سيعني نهاية عصر الدول المحمية والدول الحامية داخل أوروبا، والانتقال إلى مفهوم الدفاع المشترك الحقيقي؛ فالمباحثات السرية تسعى لضمان أن أي تهديد نووي لأي دولة عضو سيقابله رد فعل من القوة النووية الأوروبية الموحدة. هذا التضامن النووي هو الضمان الوحيد لمنع تقسيم القارة أو خضوع بعض دولها للابتزاز الروسي، مما يعزز التماسك السياسي للاتحاد الأوروبي أمام القوى الخارجية.

مواجهة التهديد الروسي

من القناعة الراسخة لدى ماكرون وميرتس بأن التهديد الروسي أصبح حقيقة هيكلية لن تختفي بانتهاء العمليات العسكرية الحالية، مما يتطلب ردعًا يتناسب مع حجم الترسانة الروسية؛ فمع انتهاء العمل باتفاقيات الحد من التسلح "نيو ستارت"، باتت القارة مكشوفة أمام الصواريخ الروسية المتوسطة المدى، مما يجعل المباحثات حول الردع النووي ضرورة بقاء وليست رفاهية.

المنظومة النووية الأوروبية - أرشيفية 
المنظومة النووية الأوروبية - أرشيفية 

وتسعى المباحثات لدمج القدرات التقليدية الألمانية المتطورة مع التكنولوجيا النووية الفرنسية لخلق منظومة ردع هجينة قادرة على التعامل مع كافة مستويات التصعيد. هذا الدمج يهدف إلى إرسال رسالة حازمة للكرملين بأن أي مغامرة عسكرية ضد أوروبا ستواجه برد يفوق قدرة موسكو على التحمل.

هذه الخطوة بمثابة اعتراف بأن القوة الناعمة للاتحاد الأوروبي لم تعد كافية لحفظ السلام في ظل نظام عالمي منهار؛ فالمباحثات السرية هي محاولة لاستعادة التوازن في القارة الأوروبية.

ومن خلال بناء هذا الردع المستدام، تأمل برلين وباريس في فرض واقع جديد يجبر القوى العظمى على احترام السيادة الأوروبية، ويحول دون تحول القارة إلى مجرد مكسب جيوسياسي في صراع الأقطاب.

المنظومة النووية الأوروبية - أرشيفية 
المنظومة النووية الأوروبية - أرشيفية 

ختامًا:

هذه الخطوة الجريئة، رغم مخاطرها الدبلوماسية، تعبر عن نضج سياسي أوروبي يدرك أن الأمن ينتزع من خلال امتلاك أدوات القوة الحقيقية، وهي بداية لمسار طويل وشائك قد ينتهي بتغيير وجه الحلف الأطلسي إلى الأبد. كذلك يمثل الكشف عن هذه المباحثات السرية نقطة انعطاف تاريخية ستعيد تعريف مفهوم أوروبا من مجرد تكتل اقتصادي إلى حصن جيوسياسي بملامح نووية.

ومع استمرار هذه المباحثات بعيدًا عن الأضواء، سيبقى التساؤل قائمًا حول رد فعل واشنطن وموسكو تجاه هذا الطموح الأوروبي الجديد؛ فهل ستتقبل القوى العظمى وجود "قطب نووي ثالث" يشاركها القرار الدولي؟ الأكيد هو أن أوروبا ميرتس وماكرون لم تعد تقبل بدور "المتفرج"، بل قررت صياغة قدرها الأمني بيديها، واضعةً الردع النووي في قلب مشروعها الوحدوي المستقبلي.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء