الإبادة الصامتة في إفريقيا: كيف أخفت إثيوبيا جرائمها ضد التيجراي؟
شهد العالم خلال السنوات القليلة الماضية العديد من جرائم الإبادة الإنسانية في أكثر من موضع في العالم، فمؤخرًا كان قطاع غزة الفلسطيني شاهدًا على أحدث جرائم الإبادة الإنسانية في التاريخ، والتي راح ضحيتها أكثر من 70 ألف قتيل فضلًا عن تشريد مليوني شخص تقريبًا داخل القطاع.
سارعت دولة جنوب إفريقيا خلال حرب غزة الأخيرة إلى اتخاذ العديد من الخطوات الدبلوماسية الدولية الرامية إلى محاسبة الجانب الإسرائيلي على جرائم الإبادة الإنسانية في قطاع غزة، حيث تم تقديم دعوى أمام محكمة العدل الدولية يتم فيها اتهام تل أبيب بارتكاب جرائم إبادة إنسانية في قطاع غزة.
وفي قراءة الدوافع السياسية للدعوى الجنوب أفريقية أمام محكمة العدل الدولية نجد أن بريتوريا كان من ضمن أهدافها تأطير آلية دولية تواجه عمليات الإبادة الإنسانية، خاصة في أفريقيا التي تشهد أكبر عمليات إبادة جماعية خلال السنوات الأخيرة، خاصة في السودان في إقليم الفاشر، وإثيوبيا في إقليم التيجراي، وأخيرًا الكونغو الديمقراطية في إقليم كيفو.

جرائم الإبادة الإنسانية المتكررة في أفريقيا تضع على عاتق الدول الإقليمية الكبرى في أفريقيا مسؤولية مواجهة تلك الجرائم، خاصة أن تلك الدول غالبًا ما تكون مسؤولة أمام المجتمع الدولي عن عملية ضبط الأمن والاستقرار في أقاليمها، والمساهمة في إجراء التحقيقات المناسبة والجادة في تلك الجرائم لمنع تكرارها في المستقبل.
إلا أنه من الصعوبة بمكان إجراء تحقيقات خاصة بتلك الجرائم التي يتم ارتكابها في الدول الأفريقية، والتي غالبًا ما يتم ارتكاب الجرائم فيها بصمت شديد وبعيدًا عن أعين العالم، ليتفاجأ العالم بصدمات إنسانية مروعة يتم ارتكابها بعيدًا عن أعين العالم. وتعود حالة التعتيم الإعلامي على جرائم الإبادة الإنسانية الأفريقية إلى العديد من الأسباب، منها صعوبة التواصل الإعلامي مع المناطق المنكوبة في أفريقيا، عكس حالة غزة الذي شكل الإعلام فيها دورًا حيويًا في إبراز الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي.

وفي هذا الإطار يتم التطرق إلى واحدة من أبرز تجارب التعتيم عن جرائم الإبادة الإنسانية، وهي تجربة إقليم التيجراي في شمال إثيوبيا، والذي تعرض خلال الفترة من عام 2020 وحتى عام 2022 إلى واحدة من أكبر جرائم الإبادة الإنسانية، والتي راح ضحيتها ما بين 600 ألف قتيل إلى 800 ألف قتيل. ويعد هذا الرقم كبيرًا للغاية في ظل إقليم يبلغ تعداد سكانه حوالي 7 ملايين نسمة.
طبيعة الصراع
في عام 2020 اندلع الصراع في إقليم التيجراي على خلفية الأزمة الدستورية الخاصة بالانتخابات البرلمانية، حيث اتجهت الحكومة وقتها إلى تأجيل الانتخابات البرلمانية على خلفية أزمة كوفيد ــ 19 ــ وتمديد مدة عمل الحكومة، وهو ما رفضته جبهة تحرير التيجراي وأصرت على إجراء الانتخابات في إقليم التيجراي وسحب الاعتراف من الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا. وعليه اندفعت القوات الفيدرالية الإثيوبية المتحالفة مع ميليشيات الأمهرة والجيش الإريتري في اقتحام مدينة ميكيلي عاصمة إقليم التيجراي للإطاحة بحكم جبهة تحرير التيجراي للإقليم، وهو ما واجهته الجبهة ونجحت في صد العدوان المشترك.
اتسمت حرب التيجراي بالمجازر المنظمة والعنف الجنسي الممنهج والنزوح الجماعي والتطهير العرقي، ورغم تلك الجرائم السابق ذكرها إلا أن أزمة التيجراي تظل غائبة إلى حد كبير عن أنظار العالم وكأنها جرائم ارتكبت في عالم آخر غير العالم الذي نحيا فيه، ويمكن إرجاع ذلك إلى قيام الحكومة الإثيوبية والمشاركين في الجرائم السابقة بإنشاء "منطقة حجب" تعمدت إخفاء ما جرى من جرائم، وهي كالتالي:
أولًا: التعتيم المصطنع
قدمت إثيوبيا خلال حرب التيجراي الأخيرة نموذجًا مهمًا يمكن لباقي الدول الاقتداء به في حال إقدامها على ارتكاب جرائم إبادة إنسانية، فأديس أبابا نجحت في إخفاء حالة العنف الجماعي التي شهدتها البلاد وتأجيل عملية المساءلة، وذلك من خلال أسلوب التعتيم المصطنع، حيث قامت الحكومة بتقييد ما يمكن رؤيته وتوثيقه عن الحرب بشكل منهجي من خلال:
1) قطع الاتصالات
فور اندلاع الحرب، قطعت الحكومة الإثيوبية بشكل شبه كامل الاتصالات عن إقليم التيجراي لأكثر من عامين متتالين، مما أدى إلى عزل الإقليم تمامًا عن العالم ومنع أي تداول معلومات حول الإقليم خلال هذين العامين.

2) فرض قيود على المنظمات الإنسانية
عادة ما تلعب المنظمات الإنسانية دور الناقل الإعلامي للأزمات الإنسانية في ظل الحروب القائمة، وفي التجربة الإثيوبية تم حظر المنظمات الإنسانية الدولية من دخول الإقليم كما منعت الوكالات الإعلامية أيضًا من دخول الإقليم، مما أدى إلى حالة تعتيم كلي حول ما يجري في داخل الإقليم. ونتيجة حظر دخول المنظمات الإنسانية إلى إقليم التيجراي قامت الحكومة الأمريكية في عام 2023 بقطع المساعدات الإنسانية المقدمة إلى إثيوبيا، حيث اتهمت الوكالات المحلية في البلاد بإعادة تدوير المنح والمساعدات لصالح الحكومة الإثيوبية ومنع وصول تلك المنح إلى المستحقين.
3) الحصار المادي
أدى إغلاق الطرق واحتلال الأراضي وإغلاق طرق المساعدات إلى عزل المنطقة فعليًا، فأصبحت تيجراي منطقة يصعب فيها رصد العنف أو الفرار منه، مما سمح بوقوع فظائع بعيدًا عن أعين المجتمع الدولي.
4) تأطير السرد
روجت الحكومة لسرديات مبررة للعنف في الإقليم، مثل تصوير المتمردين على أنهم سرطان في جسد الدولة، مما أدى إلى تجريد شعب التيجراي من إنسانيتهم، مما أدى إلى إضعاف الدعوات الدولية الرامية إلى وقف العنف والتدخل لفرض المصالحة على جميع الأطراف في البلاد. كما قدمت سردية أخرى مفادها أن التدخل الحكومي جاء من أجل ضبط القانون في إقليم مارق.

ثانيًا: التهرب من العدالة والمساءلة
بعد التوقيع على اتفاقية بريتوريا عام 2022 استكمل النظام الإثيوبي إجراءاته في تحقيق الإفلات من العقاب والمساءلة القانونية الدولية على خلفية الجرائم التي تم ارتكابها في إقليم التيجراي، وذلك من خلال إنهاء عمل اللجنة الدولية لخبراء حقوق الإنسان في إثيوبيا في عام 2023، والمفوضة من قبل الأمم المتحدة، وأيضًا إنهاء عمل لجنة التحقيق التابعة للاتحاد الأفريقي، وذلك من أجل إنهاء أية آلية دولية من شأنها التحقيق في الأزمات التي جرت خلال الحرب الماضية. واتخذت الحكومة أيضًا خطوات دبلوماسية متسارعة عقب وقف إطلاق النار، مثل إعادة العلاقات مع الاتحاد الأوروبي لتحسين الصورة الدولية للحكومة الإثيوبية.
ختامًا:
يتضح مما سبق أن حتمية وصول وسائل الإعلام إلى مناطق الصراع والأزمات الإنسانية أمر لا مفر منه، فنجاح التجربة الإعلامية الفلسطينية خلال حرب غزة الأخيرة كان كاشفًا لحجم المآسي الإنسانية التي تعرض لها الفلسطينيون خلال الحرب الأخيرة، وواضعًا الجانب الإسرائيلي أمام المسؤولية القانونية الدولية عن الجرائم التي تم ارتكابها مؤخرًا، فرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الأسبق يوآف غالانت باتا مطلوبين أمام المحكمة الجنائية الدولية لاتهامهما بجرائم إبادة إنسانية.
لذا يجب تعظيم الاستفادة من التجربة الإعلامية الفلسطينية في نقل الخبر والصورة في المآسي الإنسانية الأفريقية، ونقل حقيقة الأوضاع الإنسانية المتردية في العديد من الدول الأفريقية، والتي تفوق الأزمة الإنسانية في غزة بعشرات المرات.
محمد الدابولي*



