الفريضة الغائبة: مخطوطة عبد السلام فرج لاغتيال الحكام وهندسة العمل المسلح
لم يكن كتاب "الفريضة الغائبة" مجرد كتيب صغير خرج من رحم التنظيمات المتطرفة، بل كان بمثابة وثيقة تأسيس أعادت صياغة عقل التكفير المسلح، وقدمت له تبريرات شرعية زائفة لقتل الحكام وتكفير المجتمعات، وتحويل مفهوم الجهاد إلى مشروع دموي مفتوح لا يعترف بالدولة الوطنية ولا بالمجتمع ولا بحدود الشرع.
ففي فبراير 1980، خطّ محمد عبد السلام فرج مخطوطته التي تحولت لاحقًا إلى الدليل الأيديولوجي الأهم لتنظيمات الجهاد والتكفير، ورسخت لفكرة "التغيير من أعلى" عبر المواجهة المسلحة، واعتبار الأنظمة الحاكمة "العدو القريب" الذي يجب إسقاطه أولًا، تمهيدًا لإقامة الخلافة الإسلامية بالقوة.
ومن هنا، لم يكن اغتيال الرئيس أنور السادات حدثًا منفصلًا عن النص، بل كان التطبيق العملي الأول لفتاوى الكتاب، الذي منح الضوء الأخضر للعنف المسلح، وفتح الباب أمام موجة طويلة من الإرهاب المسلح في مصر والمنطقة.
كان تيار الجهاد في مصر قبل كتاب عبد السلام فرج "الفريضة الغائبة" يعتمد على الكلام الشفهي الذي يتناقله التكفيريون، وكانوا يقومون من حين لآخر بتصوير أو طباعة كميات من بعض أجزاء كتب ابن تيمية، وابن كثير، وسيد قطب وغيرهم، للاستدلال على أفكارهم، إلى أن جاء عبد السلام فرج فجمع كل هذه الأفكار في وثيقته.
انتقد عبد السلام فرج في كتابه قاعدة "التغيير من أسفل"، وقاعدة "الفئة المؤمنة" أو الناجية، التي تعني الانتشار الأفقي للتنظيمات التكفيرية وأهدافها، عن طريق استقطاب العناصر الجديدة داخل المجتمعات، بهدف الانتشار الأوسع للحركة الإسلامية وتغلغلها داخل مفاصل الدولة، وإقامة الخلافة الإسلامية.
بنى كتاب "الفريضة الغائبة" تصوراته حول مفهوم "التغيير من أعلى"، وهو المواجهة المسلحة مع رموز الحكم، وفي مقدمتهم رأس الدولة، متهكمًا على فكرة الانتظار لحين تكوين "فئة مؤمنة" تستطيع اختراق مؤسسات الدولة للسيطرة على الحكم.

حاصر عبد السلام فرج في كتابه قيادات الحركات الإسلامية وأتباعهم تحت عنوان "آراء وأهواء"، محاولًا الرد على مختلف التبريرات التي أطلقوها فيما يخص قراراتهم بتأجيل تطبيق الجهاد المسلح ضد الأنظمة الحاكمة، أو إعلان الخلافة الإسلامية، أو التهرب من إعلان تكفير الرؤساء والمجتمعات، تحت لافتات العمل الدعوي وطلب العلم.
ذهب كتاب "الفريضة الغائبة" إلى أن القتال هو المواجهة والدم، وأن الجهاد فرض عين، ولا يجوز تعطيله أو تأجيله تحت أي مسمى، لأن ديار المسلمين أصبحت الآن ديار كفر، وجب قتال أهلها.
أشار مؤلف "الفريضة الغائبة" في وثيقته إلى أن أبناء الحركات الإسلامية ترخصوا في ترك الجهاد المسلح بحجة أن الأمة الإسلامية تعيش الآن في مرحلة المجتمع المكي، وأن هذه أفكار نمطية ممسوخة، لأن المسلمون مطالبون بما انتهى إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس بما بدأ به في مسيرته في إقامة "الدولة الإسلامية".
هكذا سطر عبد السلام فرج مخطوطته التكفيرية، التي كرست لمفاهيم الجهاد المسلح، وتكفير المسلمين، والخروج على الحكام، واعتبار أن ديار المسلمين الحالية هي "ديار كفر" يُستحل دماء أهلها، وأنه لا بد من إعلان الحرب عليها وتطهيرها من الطواغيت.

يزعم عبد السلام فرج في وثيقته الباطلة أن الإسلام انتشر بالسيف، وأن كل من يدّعي ذلك كافرًا، لم يعرف للإسلام قوته، وأن الشرع رسخ لأولوية مواجهة العدو القريب (الأنظمة الحاكمة)، عن مواجهة العدو البعيد (الولايات المتحدة الأمريكية وأعوانها).
تطرق مؤلف "الفريضة الغائبة" إلى ضرورة إقامة "الخلافة الإسلامية"، محاولًا توظيف آيات القرآن الكريم وفقًا لمنهجه ورؤيته الضالة في استنطاق النصوص الدينية، بما يخدم مصالح أعوانه، موضحًا أن علماء المسلمين أجمعوا على ضرورة العودة إلى الخلافة، وأن من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية، ويقصد بها بيعة الخلافة.
قدم "الفريضة الغائبة" مقارنة بين التتار وحكام المسلمين، من أن صفات التتار تنطبق على حكام العصر، هم وحاشيتهم، وأنه ينطبق عليهم من أحكام ما ينطبق على التتار، متخذًا فتاوى ابن تيمية بحقهم مرشدًا له في جميع الأحكام التي يطلقها.
تعمق "الفريضة الغائبة" في قضية قتال الحكام المسلمين، على اعتبارهم صائلين معتدين على بلاد المسلمين في أنفسهم وأموالهم وحرمهم، وأنهم من شر البغاة. واصفًا إياهم بالمرتدين، الذين تربوا على موائد الاستعمار، والصليبية، والصهيونية، وأنهم لا يحملون من الإسلام إلا الأسماء، وإن صلوا وصاموا وادعوا أنهم مسلمون- على حد زعمه.

دعا مؤلف "الفريضة الغائبة" جموع الحركات الإسلامية بالتخلي عن "فقه الدعوة"، والتحول لكيانات مسلحة في مواجهة الأنظمة الحاكمة، باعتبارها كفارًا من وجهة نظره، سعيًا إلى الخروج عليهم، واقتلاعهم من الحكم، وقتالهم، واستبدالهم بالنظام الإسلامي الكامل، وأن قتالهم أولى من قتال العدو البعيد.
وطرح مؤلف "الفريضة الغائبة" فكرة العمليات الانغماسية، وتنفيذ التفجيرات وسط المدنيين، مستندًا لفتوى مشايخ التكفير والقتل.
ولد محمد عبد السلام فرج عام 1942 في قرية الدلنجات بمحافظة البحيرة، وتخرج في كلية الهندسة جامعة القاهرة، ثم عمل بالإدارة الهندسية بالجامعة نفسها، وتأثر بكتابات سيد قطب، وأبو الأعلى المودودي، وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب. كما تأثر بشكري مصطفى، وصالح سرية، مؤسس تنظيم "الفنية العسكرية"، وكتابه "رسالة الإيمان" الذي يدعو فيه إلى الإطاحة بكل الأنظمة العربية، باعتبارها جاهلية.

كان يسكن بمنطقة بين السرايات الملاصقة لعمله، واختار مسجدًا صغيرًا أسفل بيته، يؤم فيه للصلاة ويلقي خطب الجمعة، وينشر فيه أفكاره التكفيرية. استطاع فرج عام 1980 إعادة بناء تنظيم الجهاد، وتشكيل تحالف مع الجماعة الإسلامية، بعد إقناع كرم زهدي وقيادات الجماعة الإسلامية، وقام باستقطاب طارق الزمر، وابن عمه ضابط المخابرات العسكرية، عبود الزمر، إضافة لمجموعة قد كونها الأردني من أصل فلسطيني محمد سالم رحّال، من بقايا مجموعات الجهاد، وقادها كمال حبيب.
وأقنع أيضًا عدة مجموعات بقيادة صالح جاهين، وأنور عكاشة، وأحمد هاني الحناوي، للانضمام إلى تنظيمه. وشرع بعدها في تأسيس مجلس شورى التنظيم برئاسته وعضوية، وتم تشكيل مجلس شورى جديد مكون من عبود الزمر، وكرم زهدي، وفؤاد الدواليبي، ونبيل المغربي، وعلى الشريف، وعصام دربالة، وعاصم عبد الماجد، وحمدي عبد الرحمن، وأسامة إبراهيم حافظ، وطلعت فؤاد قاسم.

وتم الاتفاق على وضع خطة للقيام بثورة إسلامية عام 1981، تبدأ بالسيطرة على مبنى وزارة الدفاع، ومبنى الإذاعة والتليفزيون، وقيادة الأمن المركزي، ووزارة الداخلية، وقتل بعض الشخصيات السياسية، بحيث يؤدي هذا القتل إلى إرباك القيادات، وفقد السيطرة على الدولة، لكنها باءت بالفشل.
وقد لعب الشيخ عمر عبد الرحمن، عضو الجماعة الإسلامية، دورًا في حل أزمة التمويل للتنظيم السري، بعد إصداره فتوى الاستحلال لأموال الأقباط، بهدف شراء الأسلحة المختلفة اللازمة لتنفيذ خطة التنظيم.
كان فرج دون شك هو مهندس عملية اغتيال السادات، بعد أن التقى خالد الإسلامبولي في المسجد وضمه لتنظيمه، وكان الإسلامبولي شديد الحماس للانتقام بعد قيام الأجهزة الأمنية بإلقاء القبض على شقيقه الأكبر، محمد شوقي الإسلامبولي، واستغل تكليفه "كضابط احتياط" للمشاركة في العرض العسكري بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر 1981. وتم دعمه بعدد من الأفراد ذوي الخبرة للمشاركة في العملية، وهم عطا طايل، وعبد الحميد عبد السلام، وحسين عباس، ووفر لهم إبر ضرب نار، بدلًا من التي تم تفريغ الأسلحة منها.
عقب اغتيال الرئيس السادات، تم إلقاء القبض على العناصر المنفذة للعملية، وتم معاقبة خالد الإسلامبولي، وعبد الحميد عبد السلام، وعطا طايل، وحسين عباس، ومحمد عبد السلام فرج بالإعدام في 15 أبريل 1982.
وفي محاولة للرد على أفكار عبد السلام فرج، قدم شيخ الأزهر الأسبق، الدكتور جاد الحق علي جاد الحق، كتاب "نقض الفريضة الغائبة"، في 116 صفحة، وقدم له الشيخ عطية صقر، رئيس لجنة الفتوى بالأزهر آنذاك.
وأوضح الشيخ جاد الحق فيه أن من كفَّر مسلمًا أو وصفه بالفسوق ارتد عليه ذلك، إن لم يكن صاحبه على ما وصف، وأن الجهاد في الإسلام نوعان؛ جهاد في الحرب ويكون بالقتال واليد والمال واللسان والقلب وفق شروط معينة، وجهاد في السلم بدفع النفس والشيطان (وهو الجهاد الأكبر، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في أحد الأحاديث)، وأن الجهاد بمعناه، سواء أكان جهادًا أصغر أم أكبر، ماضٍ إلى قيام الساعة (ما يتنافى مع عنوان الكتاب القائل بغياب هذه الفريضة؛ فريضة الجهاد).
وأشار شيخ الأزهر الراحل إلى أن تكفير الحاكم لمجرد تركه بعض أحكام وحدود الله، قول لا سند شرعي له، مشيرًا إلى أن ما ذكره محمد عبد السلام فرج في كتابه من أن أحكام الكفر تعلو البلاد الإسلامية، وإن كان أهلها مسلمين، مناقض للواقع.

وأكد الشيخ جاد الحق أن الشورى هي أساس الحكم في الإسلام، وأن الخليفة مجرد وكيل للأمة، ويخضع لسلطانها، مؤكدًا أن تسمية الخليفة أمر تحكمه عوامل سياسية، ولا تتعطل بسببها مصالح الناس، وأن انتخاب الحاكم يقوم مقام البيعة بالخلافة التي كانت في صدر الدولة الإسلامية.
لقد أثبتت تجربة "الفريضة الغائبة" أن الخطر الحقيقي في التنظيمات التكفيرية لا يكمن فقط في السلاح، بل في النص المؤسس الذي يصنع العقل، ويعيد تشكيل الوعي، ويحول الشباب إلى أدوات قتل باسم الدين. فمحمد عبد السلام فرج لم يكتب كتابًا في الفقه، بل صاغ وثيقة تعبئة تقوم على تحريف النصوص، وتفريغ الشريعة من مقاصدها، وتقديم التكفير بوصفه بوابة "الإيمان"، والدم بوصفه طريق "التمكين".
ومع سقوط فرج وإعدام قيادات تنظيمه، لم تسقط أفكاره، بل ظلت تتنقل بين التنظيمات المسلحة، وتعيد إنتاج نفسها بأسماء مختلفة، وصولًا إلى داعش والقاعدة وأشباههما. وفي مواجهة هذا الإرث، جاء كتاب "نقض الفريضة الغائبة" لشيخ الأزهر الراحل جاد الحق علي جاد الحق، كوثيقة مضادة تعيد الأمور إلى نصابها، وتفضح زيف التكفير، وتؤكد أن الإسلام لا يُقام بالقتل، ولا تُبنى دولته بالدم، ولا يُختزل الجهاد في تفجير المدنيين أو اغتيال الحكام.
وهكذا، تبقى المعركة مع هذا النوع من الأدبيات ليست أمنية فقط، بل معركة وعي، تبدأ بكشف الوثيقة، وتفكيك خطابها، وإبطال مفعولها قبل أن تتحول إلى رصاص في صدر الدولة والمجتمع.



