التعاون بين واشنطن وتل أبيب: من المنح النقدية إلى الشراكة العسكرية
في نوفمبر الماضي وقّعت كلٌّ من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية اتفاقية دفاعية تضمنت حزمة مبيعات دفاعية شملت تزويد الرياض بأحدث أنظمة التسليح الأمريكية، والتي جاء في مقدمتها صفقة طائرات F-35 الشبحية، وهي الصفقة التي أثارت تخوفات الجانب الإسرائيلي من احتمالية خسارة تل أبيب جانب تفوقها التقني والعسكري في منطقة الشرق الأوسط.
المخاوف الإسرائيلية أتت في وقت حساس للغاية، فللتو خرجت إسرائيل من حرب طويلة الأمد امتدت لعامين كاملين على سبع جبهات مختلفة، مخلفة العديد من الأزمات السياسية والأمنية والعسكرية، فضلًا عن اقتراب انتهاء الاتفاقية الأمنية العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي من المفترض أن تنتهي في عام 2028.
يجري حاليًا سجال في الداخل الإسرائيلي حول إمكانية تجديد الاتفاقية الأمنية مرة أخرى، ففي عام 2016 وقعت الحكومتان الأمريكية والإسرائيلية مذكرة تفاهم مشتركة لمدة عشر سنوات تنتهي في سبتمبر 2028، وتنص على تقديم أمريكا حزمة مساعدات تقدر بـ38 مليار دولار لإسرائيل، مقسمة كالتالي: 33 مليار دولار منح لشراء المعدات العسكرية و5 مليارات دولار لتطوير أنظمة الدفاع الصاروخي.

ومما يعظم المخاوف الإسرائيلية أيضًا هو توقيت تجديد الاتفاقية الأمنية مع واشنطن، في ظل تعالي الأصوات حاليًا بفض الارتباط التاريخي مع إسرائيل تحت شعار "أمريكا أولًا" وعدم انجرار وانخراط أمريكا في المشاكل والأزمات الإسرائيلية، فعلى مدار عقود ماضية شكلت العلاقات العسكرية بين الطرفين ركيزة أساسية في التوجهات الاستراتيجية للبلدين، كما شكلت أيضًا ركنًا هامًا للأمن القومي الإسرائيلي.
تناقض في التصريحات
لم تبدأ فعليًا عملية التفاوض حول تجديد الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة، إلا أنه يوجد جدل كبير في الداخل الإسرائيلي حولها في الوقت الحالي، فسابقًا أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه لا يسعى إلى تجديد حزمة المساعدات العسكرية الأمريكية، والتي من المفترض انتهاؤها في عام 2028.
في الوقت نفسه، أعلنت مصادر مقربة من الحكومة الإسرائيلية في تصريحات لصحيفة فايننشال تايمز أن تل أبيب بدأت الاستعداد لإجراء المحادثات مع إدارة الرئيس دونالد ترامب بشأن التوقيع على اتفاقية أمنية جديدة بين البلدين، تهدف إلى تمديد الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل.
تحولات مفاهيمية
تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي الخاصة بعدم نية بلاده تجديد الاتفاقية الأمنية مع إسرائيل لا تتعارض مع بدء إجراء الحكومة استعداداتها لدخول المفاوضات مع الجانب الأمريكي لتجديد الاتفاقية، فالرؤية الإسرائيلية تهدف فعليًا إلى إنهاء المنح العسكرية الأمريكية النقدية، والوصول إلى مستقبل خالٍ من مليارات الدولارات من المنح النقدية الأمريكية.

تحاول إسرائيل خلال الفترة المقبلة إعطاء الأولوية للمشاريع العسكرية والدفاعية المشتركة مع الولايات المتحدة، أي تحويل المساعدات النقدية إلى مشاريع عسكرية دفاعية مشتركة بين البلدين، من خلال إشراك الولايات المتحدة وإسرائيل في تصنيع المعدات العسكرية من أنظمة الدفاع الجوي، وتسهيل ولوج إسرائيل إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات الدفاع والاستخبارات وغيرها من المجالات العسكرية.
يبدو من التوجهات الإسرائيلية الأخيرة أن تل أبيب تحاول تحقيق الاستقلال الأمني والمرونة الاقتصادية في علاقتها الأمنية والعسكرية مع الولايات المتحدة، وذلك للعديد من الاعتبارات أبرزها الآثار السلبية للاعتماد المطول على المساعدات الخارجية، هذا إلى جانب تفهم التغيرات في السياسة الداخلية الأمريكية وتغير النظرة إلى إسرائيل، خاصة بعد تصاعد النقاش والجدل مؤخرًا في الداخل الأمريكي حول المساعدات الخارجية عمومًا والمساعدات العسكرية لإسرائيل على وجه الخصوص.
يمكن إرجاع الرؤية الإسرائيلية المتقدمة إزاء إنهاء المساعدات الأمريكية لها وتبديلها باتفاقيات شراكة عسكرية إلى العديد من الأمور السياسية والاقتصادية والعسكرية، ومنها:
أولًا: تطور الاقتصاد الإسرائيلي
رغم أزمات الحروب السابقة، إلا أن العقد الماضي شهد طفرة نوعية في الاقتصاد الإسرائيلي، وتجلى هذا في العديد من المؤشرات، أبرزها نمو الناتج المحلي الإجمالي وتعزيز قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على مواجهة الأزمات الطارئة مثل جائحة كوفيد-19 وحرب 7 أكتوبر، ونتج عن تحسن الاقتصاد الإسرائيلي انخفاض أهمية المساعدات الأمريكية في الناتج المحلي الإجمالي لتشكل نصف في المئة من الموارد الخاصة بإسرائيل، وبالتالي بات القادة في إسرائيل على قناعة بقدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تحمل تكلفة المساعدات الأمريكية وتعويضها.
ثانيًا: تضرر الاقتصاد الإسرائيلي من المساعدات الأخيرة
دائمًا ما كانت المساعدات الأمريكية تساهم في تعزيز الاقتصاد الإسرائيلي قبل الاتفاقية الأخيرة، حيث كان يخصص جزء من تلك المنح والمساعدات لتحويلها إلى عملة الشيكل وإعادة صرفها في مشتريات محلية إسرائيلية، إلا أن الاتفاقية الأخيرة حالت دون ذلك تمامًا، فمعظم المنح المقدمة لإسرائيل ينبغي إعادة صرفها في مشتريات أمريكية خالصة، الأمر الذي قلل من مساهمة تلك المساعدات في تعزيز الصناعات الدفاعية المحلية الإسرائيلية.

ثالثًا: تحسين كفاءة الصناعة المحلية
تحاول إسرائيل من خلال مشاورات ومفاوضات تجديد الاتفاقية الأمنية العسكرية مع الولايات المتحدة تعزيز كفاءة الصناعة العسكرية الإسرائيلية، وذلك من خلال عملية مخططة وتدريجية تهدف إلى أن تشكل رافعة لتحسين جودة الإنفاق الدفاعي، وتعزيز الشفافية والرقابة على الميزانية، وتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية للأسلحة الإسرائيلية، وذلك من خلال ربط الشركات العسكرية الإسرائيلية بنظيرتها الأمريكية وضمان انسياب الخبرات العملية والعلمية الأمريكية إلى الصناعات الدفاعية الإسرائيلية.
رابعًا: الوصول إلى الأسلحة المتطورة
تهدف تل أبيب إلى تحويل المساعدات والمنح الأمريكية إلى اتفاقية شراكة عسكرية مع الولايات المتحدة من أجل تعزيز الوصول المنهجي إلى أنظمة الأسلحة المتطورة والمشاركة في برامج التطوير الأمريكية، خاصة في مجالات الدفاع الجوي متعدد الطبقات التي أثبتت مؤخرًا براعتها الشديدة في الحرب الماضية، خاصة مع إيران.
خامسًا: تقليل النفوذ الأمريكي
خلال الفترة الأخيرة، وتحديدًا في مرحلة ما بعد التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار، برز للعلن حجم النفوذ الأمريكي في الداخل الإسرائيلي، وصل إلى درجة مطالبة الرئيس الأمريكي نظيره الإسرائيلي بضرورة منح العفو القانوني والسياسي لرئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، ويمكن إرجاع قوة النفوذ الأمريكي في الداخل الإسرائيلي إلى مدى أهمية المساعدات الأمريكية لإسرائيل وقدرتها على تشكيل قوة ضغط على متخذي القرار في تل أبيب، لذا ترغب الأخيرة في تقليل أثر النفوذ الأمريكي في السياسة الإسرائيلية خلال الفترة المقبلة وإعطاء المزيد من حرية التصرف في السياسة الخارجية للقادة الإسرائيليين.
سادسًا: زيادة الطلب الدفاعي
ساهمت الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الهندية الباكستانية في تزايد عمليات الإنفاق الدفاعي لدى معظم الدول، مما خلق فائضًا في الطلب على مشتريات الأسلحة، وباتت واشنطن تعاني من حالة تراكم الطلبات على المعدات العسكرية، الأمر الذي قد يقلل الحوافز الأمريكية في استمرارية الحفاظ على المساعدات العسكرية لإسرائيل، إذ قد يدفع تراكم الطلبات على المنتجات العسكرية الأمريكية إلى لجوء الشركات العسكرية الأمريكية إلى إعطاء تلك الطلبات أولوية قصوى على استمرار المساعدات الأمريكية.

سابعًا: تآكل الإجماع الأمريكي الموجه لإسرائيل
منذ عهد الرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان، والذي كان أول من اعترف بقيام دولة إسرائيل، حظيت تل أبيب بإجماع طاغٍ في الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة، إلا أن هذا الإجماع مؤخرًا تعرض للتآكل بسبب بروز قوى اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي من ناحية، وبروز قوى اليمين المتطرف من أنصار "أمريكا أولًا" في الحزب الجمهوري من ناحية أخرى.
ختامًا:
مستقبل الاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة وإسرائيل يتجه نحو مرحلة جديدة تختلف جذريًا عن الصيغة التقليدية التي حكمت العلاقات العسكرية بين الطرفين لعقود طويلة، إذ لم تعد المسألة مقتصرة على تجديد حزمة مساعدات مالية ثابتة، بقدر ما أصبحت مرتبطة بإعادة تعريف مفهوم الدعم ذاته في ظل التحولات السياسية داخل واشنطن والضغوط الاقتصادية والعسكرية المتزايدة عالميًا. وفي الوقت الذي تسعى فيه تل أبيب إلى تقليص الاعتماد على المنح النقدية وتوجيه العلاقة نحو مشاريع تصنيع وتطوير مشتركة، فإنها تدرك في المقابل أن الحفاظ على التفوق النوعي واستمرارية الوصول إلى التكنولوجيا العسكرية الأمريكية المتقدمة سيظل شرطًا حاسمًا لبقائها قوة إقليمية مهيمنة. وعليه، فإن الاتفاقية القادمة – إن تمت – ستكون أقرب إلى شراكة استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة، لا على منطق الدعم المطلق، بما يعكس مرحلة جديدة قد تعيد رسم حدود النفوذ الأمريكي داخل إسرائيل، وتحدد في الوقت نفسه شكل الدور الإسرائيلي في منظومة الأمن الإقليمي خلال السنوات المقبلة.
محمد الدابولي*



