بعد تطاول حسن عبد الغفار على والدي النبي : الطرق الصوفية تنتفض ضد السلفيين
شهدت الساحة الدينية في مصر خلال الساعات القليلة الماضية حالة غير مسبوقة من الغضب والاحتجاج، إثر تداول مقطع فيديو منسوب للمدعو محمد حسن عبد الغفار، أحد صناع المحتوى السلفي، تضمن تصريحات مسيئة في حق والدي النبي محمد ﷺ، عبد الله بن عبد المطلب والسيدة آمنة بنت وهب، وهو ما أثار ردود فعل واسعة بين علماء الدين ومشايخ الطرق الصوفية.
على الفور، أصدرت مشيخة عموم السادة الرفاعية بيانًا رسميًا أعربت فيه عن إدانتها الشديدة للتصريحات، واصفة ما ورد بـ"التطاول الآثم والسب المشين"، مؤكدة أن مقام النبي وآبائه وأهل بيته "خط أحمر لا يجوز تجاوزه", وأشارت المشيخة إلى أن ما صدر يمثل "جريمة دينية وأخلاقية وقانونية" لما سببه من إساءة لمشاعر المسلمين، معلنة عن تحرك وفد قانوني لتقديم بلاغ رسمي إلى النائب العام، وسلوك جميع السبل القانونية المشروعة لردع أي إساءة.
في سياق موازٍ، أصدرت مشيخة عموم الطريقة الشهاوية البرهامية بيانًا عاجلًا أعربت فيه عن استيائها البالغ، محذرة من خطورة عدم المحاسبة، مؤكدة أن "كل من انتمى للنبي خط أحمر". ونقل البيان عن نائب شيخ الطريقة الشهاوية الشيخ عبد العزيز الشهاوي قوله إن "جميع آبائه وأمهاته إلى آدم وحواء ليس فيهم كافر"، مؤكدًا أن إيذاء النبي ﷺ لا يجوز وأن النصوص الشرعية شددت على خطورة ذلك.

خلفية الواقعة
جاءت هذه التطورات على خلفية انتشار مقطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي تضمن عبارات مسيئة ومخلة بالأدب العقدي. ويشير المراقبون إلى أن محمد حسن عبد الغفار سبق وأن أثار جدلًا واسعًا بتصريحات تتعلق بالإمام الشافعي والتاريخ الإسلامي، بما في ذلك الهجوم على التماثيل والآثار المصرية والدعوة إلى إزالتها، ما عزز الشعور العام بضرورة مواجهة هذا النوع من الخطاب.
تعكس هذه البيانات الرسمية من الطرق الصوفية حساسية المساس بالمقدسات الدينية في مصر، وتعيد إلى الواجهة نقاشات واسعة حول حدود الخطاب الدعوي على المنصات الرقمية، ومسؤولية صُنّاع المحتوى في تناول القضايا العقدية بما يحفظ السلم المجتمعي.
دفاعًا عن السيرة النبوية
استجابةً للأزمة، أعلنت المشيخة العامة للطرق الصوفية عن عقد مجلس علمي بعنوان: "دفاعًا ومحبةً للأبوين الكريمين الشريفين سيدنا عبد الله بن عبد المطلب وسيدتنا آمنة بنت وهب عليهما السلام"، بحضور مجموعة من العلماء والمتخصصين، وعلى رأسهم الدكتور محمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية وعضو اللجنة الاستشارية لمفتي الديار المصرية.
استهدف المجلس بيان مكانة والدي النبي ﷺ في التراث الإسلامي، وتوضيح وجوب الأدب والتوقير عند الحديث عن بيت النبوة الشريف، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي قد تنتشر عبر المنصات الرقمية. وأكدت المشيخة أن هذه المجالس تمثل منبرًا لنشر الوسطية والاعتدال، وترسيخ قيم المحبة والاحترام، وتعزيز الوعي الديني المستند إلى المصادر المعتبرة عند أهل العلم، باعتبار الدفاع عن رموز الإسلام وتاريخ الأمة جزءًا أصيلًا من الرسالة الدعوية للطرق الصوفية.

دور الأزهر والمراقبة القانونية
في إطار الرد العلمي الرسمي، تدخل الدكتور محمد إبراهيم العشماوي، أستاذ الحديث الشريف بجامعة الأزهر، مؤكدًا على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف الفوضى في مجال الفتوى والخطاب الديني عبر المنصات الرقمية، مؤكدًا على مسؤولية الدولة ومجلس النواب في مواجهة هذه الظواهر بما يتطلبه الحفاظ على سلامة الخطاب الديني وطمأنة الرأي العام.
كما دعا العشماوي إلى تفعيل قانون تنظيم الفتوى، الذي يحظر الإفتاء على غير المتخصصين، مشيرًا إلى انتشار أفراد يروجون لفتاوى غير معتمدة علميًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يعكس الحاجة الملحة لضبط الأمور والحد من التضليل المحتمل.
وشدد على مكانة الأزهر الشريف كمؤسسة دينية وسطية مرجعية، ودوره في ضبط الخطاب الديني، مؤكداً أن السماح لأي شخص غير مؤهل بتصدر المشهد الديني يهدد المصداقية ويثير البلبلة في المجتمع.
انعكاسات الأزمة على الخطاب الديني والمجتمع
تظهر هذه الأزمة، وفق المراقبين، مدى هشاشة آليات الرقابة على الخطاب الديني على الإنترنت، وتعكس جدلية التوازن بين حرية التعبير والدفاع عن المقدسات. فقد أعادت إلى الضوء ملف تنظيم الفتوى وضبط المحتوى الديني على منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما في ظل تصاعد ظاهرة الدعاة عبر المنصات الرقمية وما يثيرونه من جدل واسع.

ويرى الباحثون أن الأزمة تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات الدينية المصرية على ضبط الخطاب، وحماية مقدسات الأمة، وصيانة السلم المجتمعي في مواجهة توجهات فردية تسعى لاستغلال الفضاء الرقمي لنشر محتوى مسيء ومضلل.
يمكن قراءة هذه التطورات في إطار التحدي الأكبر الذي تواجهه مصر اليوم في كيفية تحقيق التوازن بين حرية الخطاب الديني وتنظيم الفتوى من جهة، وحماية القيم والمقدسات الدينية من جهة أخرى. كما تشير هذه الواقعة إلى الدور التاريخي والمستمر للطرق الصوفية كمؤسسات رصينة في الحفاظ على القيم العقدية والأخلاقية، وصون سمعة النبي ﷺ وآل بيته الكرام.
أداة وظيفية
يعتبر محمد حسن عبد الغفار أحد أدوات التيارات السلفية التي يتم تشغيلها لاتهام علماء الأزهر الشريف بوصفهم الممثل التاريخي للمذهب الأشعري في مصر، والطعن في عقيدتهم ومنهجهم، ليس فقط كخلاف فقهي تقليدي، بل كمعركة نفوذ ممتدة ترتبط بالتحولات الحادثة في المشهد السياسي والاجتماعي داخل مصر وخارجها.
ففي الوقت الذي تتجه فيه الدولة المصرية إلى الاهتمام بالمدرسة الصوفية الحديثة المنضبطة شرعًا وفقهًا، وتمكينها مجتمعيًا، وتطوير مساجد ومقامات آل البيت، باعتبارها ركائز راسخة في الوجدان الشعبي، ترى التيارات السلفية أن تلك التحولات تمثل تهديدًا مباشرًا لمشروعها الدعوي وأدوات تأثيرها القديمة، وتضييقًا تدريجيًا على المساحات التي كانت تحتلها داخل المجتمع.
اللافت أن التمركزات الفعلية للتيارات السلفية لم تعد تعتمد على السيطرة الميدانية التقليدية، بقدر ما انتقلت إلى العالم الافتراضي عبر بناء المراكز والأكاديميات البحثية والصفحات الدعوية ومنصات اليوتيوب، التي تعمل على إدارة ماكينة التأثير الفكري والسيطرة على السلوك الظاهري في الدوائر الشعبية، وسط تخوف دائم من تقلص خطوط اتصالها الخارجية، رغم حجم التمويل والدعم غير المتناهي.

وعشرات المراكز البحثية المحسوبة على التيارات السلفية، انبرت مؤخرًا في تقديم أبحاث فقهية مطولة للطعن في المذهب الأشعري، بالتوازي مع تفعيل "اليوتيوبر السلفي" كأداة اشتباك مباشر مع المدرسة الصوفية ورموزها، القديمة والمعاصرة، مستثمرة في موجة العنف اللفظي والاستقطاب العقدي.
هواجس سلفية
تعيش العقلية السلفية حالة هواجس متصاعدة مع بروز دور المدرسة الصوفية الحديثة وتغلغلها الملحوظ في الشارع المصري خلال السنوات الأخيرة، وامتلاكها قدرة حقيقية على احتواء قطاعات شبابية واسعة، في ظل الارتباط التاريخي بين الأدبيات الحركية للجماعات المتطرفة وبين المنهجية السلفية النصية، وتداعيات الأفول الأخير لمشروع الإسلام السياسي الحركي.
وفي هذا السياق يشير الدكتور محمد حافظ دياب في كتابه "نقد الخطاب السلفي" الصادر عن الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة عام 2017، إلى أن التيارات السلفية حولت العقيدة إلى أيديولوجية عبر توسيع مفهوم "التوحيد" سياسيًا من خلال "الحاكمية"، واجتماعيًا من خلال "الجاهلية"، وحركياً عبر مفاهيم (الجهاد، والجماعة، والطليعة)، بما أسس لخطاب العنف والتكفير في التاريخ المعاصر.

ومن هنا بات كثيرون يرون أن الحركة الصوفية الحديثة تمثل محور ارتكاز عمليًا في مشروع تحجيم الشطط الفكري والانفلات السلوكي الذي نشرته التيارات السلفية، عبر مخرجات وإشكاليات فقهية تأسست على أطروحات ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب.
خلاف قديم متجدد
الخلاف (الأشعري ـ السلفي) تاريخي ومعاصر، بين مريدي الشيخ أبي الحسن الأشعري الذين يدعمون الدليل النقلي بمنطقية العقل، وبين تلاميذ الشيخ أبي جعفر الطحاوي ومن ورائه ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، الذين قدموا الجمود على ظواهر الأدلة النقلية دون الاعتبار للأدلة العقلية.
ويعد كتاب "شرح الطحاوية في العقيدة السلفية" دستورًا مركزيًا للتيارات السلفية المعاصرة، إلى جانب أطروحات ابن تيمية الرافضة للاستدلال والقياس العقلي، رغم أن فتاويه خرجت في سياقات سياسية وفكرية مضطربة شهد خلالها العالم العربي والإسلامي انقسامات وصراعات مذهبية، فضلًا عن صياغة مؤلفاته داخل السجون، بما يجعل للعامل النفسي دورًا بالغًا في تشدد مشروعه الفكري وخروجه عن الوسطية المنهجية.
في المقابل، يمثل كتاب "مفاهيم يجب أن تصحح" للعالم الصوفي الراحل محمد علوي المالكي أحد أبرز الرسائل التي دافعت عن المذهب الأشعري وردت على مزاعم المدرسة السلفية الوهابية.
ماكينة التشويه
التطاول على رموز المذهب الأشعري والحركة الصوفية المعاصرة، يديره حاليًا عدد كبير من أنصار المدرسة الوهابية الذين لعبوا دور "اليوتيوبر السلفي"، في مقدمتهم رامي عيسى، وتامر اللبان، وأحمد حربي، ومحمد شمس الدين، وهيثم طلعت، ومحمد سمير، وهشام السجيني، ومحمد أبو الوفا، وحسن أبو الأشبال، ومصطفى العدوي، وعلاء حامد، ونادر أشرف عبد الحي، ومحمد حسن عبد الغفار، وهاني حلمي، وأبو بكر القاضي، ونور الدين عيد.
ومن باب التضليل والتشتيت، دشنت التيارات السلفية صفحات تحمل أسماء أزهرية مثل "كوكب الأزهريين" و"طلاب جامعة الأزهر" و"طلاب الأزهر"، في محاولة لاختطاف صورة المؤسسة الأزهرية وتوجيه خطابها بما يتوافق مع المنهجية الوهابية.

جابر بغدادي
في قلب هذا الاشتباك برز كل من عدد من مشايخ المدرسة الصوفية الحديثة المعروفة بـ"التصوف المتشرع"، أو الصوفية العلمية، وهي مدرسة تحاول الجمع بين ضوابط العلوم الشرعية وبين المسار الروحي، بعيدًا عن الإفراط في علوم الكشف والإلهام والرؤى، أو ما يعرف بـ"علوم الولاية"، التي كانت سمة بارزة للمدرسة الصوفية القديمة المتجذرة في عمق المجتمع المصري.
واللافت أن هذه الرموز لم تمثل فقط حالة دعوية صوفية، بل نموذجًا قادرًا على منافسة السلفية في ساحة كانت تتفوق فيها تاريخيًا مثل ساحة "المنبر" والتأثير في "الجمهور العام"، عبر خطاب سهل ومتسق مع مقاصد الشريعة وضوابطها، ومخاطب للوجدان الشعبي والعقل الثقافي في آن واحد.
يمثل المدرسة الصوفية الحديثة أيضًا رموز مؤثرة داخل الدولة والمجتمع، في مقدمتهم الدكتور علي جمعة، مفتي مصر السابق، والشيخ أسامة الأزهري وزير الأوقاف المصرية، والدكتور عمرو الورداني، والدكتور مجدي عاشور، والدكتور محمد مختار مهنا، والدكتور يسري جبر، والشيخ جابر بغدادي، والدكتور البصيلي، والدكتور محمد عوض المنقوش، وغيرهم.
كما تتسع دوائر الدفاع عن المدرسة الأشعرية حالياً لتشمل الدكتور محمد سالم أبو عاصي، مؤلف كتاب "أشعري أنا"، والدكتور محمد إبراهيم العشماوي، والدكتور محمد وسام خضر، والدكتور مختار محسن محمد، وغيرهم من الأسماء التي باتت حاضرة بقوة في ساحات الاشتباك المعاصر.

لماذا تخاف السلفية من "التصوف العلمي"؟
الإزعاج الحقيقي الذي تسببه الصوفية الحديثة للتيارات السلفية لا يرتبط فقط بالخلاف العقدي، بل بقدرتها على امتلاك أدوات التأثير نفسها التي اعتمدت عليها السلفية التأثير الجماهيري، وإذا كانت السلفية قد بنت مشروعها طويلاً على فكرة "احتكار الإسلام"، فإن المدرسة الصوفية الحديثة تضرب هذه الفكرة في مقتل، لأنها تقدم نموذجاً إيمانياً وروحيًا منضبطًا، مقبولًا اجتماعيًا، ومرتبطاً بالدولة الوطنية، ومناهضًا لخطاب "جاهلية المجتمع" والتطرف الفكري.
من السلفية إلى التصوف
أحد أخطر التحولات التي أرقت التيارات السلفية والإخوانية معًا هو تسرب عدد من الشباب ذوي المسحة السلفية أو الحركية إلى أروقة الصوفية الحديثة، بحثًا عن المعنى الروحي الذي افتقدوه في خطاب قائم على التحريم والتشدد وتضييق دائرة التدين.
الصراع بين السلفية والصوفية الأشعرية لم يعد مجرد خلاف فقهي حول زيارة مقام أو شرعية مولد، بل بات صراعًا على "المجال العام" وعلى تعريف الإسلام في وعي الجماهير، وعلى من يملك حق تمثيل التدين داخل الدولة الوطنية.
التيارات السلفية تدرك أن تمدد المدرسة الصوفية الحديثة يعني خسارتها التدريجية لمناطق نفوذها وتأثيرها الجماهيري، لذلك تلجأ إلى الأدوات الأكثر قسوة في قاموسها من التكفير، والتجهيل، وتشويه الخصوم.أما المدرسة الصوفية الحديثة، فهي تمضي في مسارها بوصفها مشروعًا ناعمًا لإعادة تشكيل التدين الشعبي في مصر والمنطقة، عبر خطاب محبة متوازن ومنضبط شرعا، ويغلق الباب أمام تمدد الجماعات الأصولية المنحرفة فكريا.
عمرو فاروق*
كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي
- # محمد حسن عبد الغفار
- # والدي النبي محمد ﷺ
- # الطعن في والدي النبي محمد ﷺ
- # الإساءة إلى والدي النبي محمد ﷺ
- # السلفيون ووالدي النبي محمد ﷺ
- # حملة السلفيين على والدي النبي محمد ﷺ
- # الصوفية العلمية
- # الصوفية المتشرعة
- # الطرق الصوفية في مصر
- # الدكتور علي جمعة
- # الدكتور أسامة الأزهري
- # أئمة وزارة الأوقاف
- # وزارة الأوقاف
- # الازهر الشريف



