رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تجنيد القاصرين في إسبانيا بين استغلال التنظيمات الإرهابية والردع القانوني

الاستقطاب الإلكتروني
الاستقطاب الإلكتروني - تعبيرية

تواجه الأجهزة الأمنية في إسبانيا تحديًا متصاعدًا أمام استراتيجيات التجنيد الناعم التي تتبعها التنظيمات الإرهابية لاستدراج القاصرين عبر الفضاء الرقمي، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو إلى ساحات لاستقطاب اليافعين الذين يعانون من هشاشة اجتماعية أو أزمات هوية.

وتعتمد هذه التنظيمات على بث محتوى دعائي مدروس يمزج بين مظلومية القضايا السياسية والوعود الزائفة بالبطولة، مما يضع هؤلاء الأطفال في مسار انحرافي يبدأ بالعزلة الفكرية وينتهي أحيانًا بالتورط في أنشطة تهدد الأمن القومي.

عززت السلطات الإسبانية من ترسانتها القانونية والوقائية عبر تفعيل برامج الرصد المبكر داخل المؤسسات التعليمية والمراكز الاجتماعية، معتبرة أن القاصرين في هذه الحالات هم ضحايا لاستغلال ممنهج وليسوا مجرد جناة.

كما تعمل وزارة الداخلية بالتنسيق مع خبراء علم النفس والاجتماع على تفكيك خطاب الكراهية في مهده، مؤكدة أن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي لاحتواء ظاهرة تعتمد في الأساس على اختراق عقول صغار السن وتزييف واقعهم قبل دفعهم إلى حافة التطرف العنيف.

الاستقطاب الإلكتروني - أرشيفية 
الاستقطاب الإلكتروني - أرشيفية 

على صعيد الأرقام، تظهر الإحصائيات الأمنية الأخيرة تحولًا جذريًا في ديموغرافيا التهديد؛ فوفقًا لبيانات وزارة الداخلية الإسبانية وتقارير يوروبول لعام 2025، بات القاصرون والشباب يشكلون نحو 30% من إجمالي الموقوفين في قضايا التطرف العنيف، حيث سُجلت اعتقالات لأطفال لم تتجاوز أعمارهم 12 عامًا في سابقة تعكس مدى توغل التجنيد الرقمي.

وتتصدر مدن مثل برشلونة ومدريد المشهد الجغرافي لهذه العمليات، في وقت تمكنت فيه وحدات الاستخبارات من سحب أكثر من 2000 مادة دعائية خلال العام الماضي كانت موجهة خصيصًا لاستدراج المراهقين عبر منصات التواصل والألعاب الإلكترونية.

أولًا: سيكولوجية الاستهداف

يمثل المراهقون صيدًا سهلًا للتنظيمات المتطرفة بسبب طبيعة مرحلة النمو التي تتسم بالبحث عن الهوية والتمرد على الواقع، إذ تستغل هذه الجماعات الهشاشة النفسية للقاصرين، وتقدم لهم شعورًا زائفًا بالانتماء والقوة، محولةً عزلتهم الاجتماعية إلى وقود لتبني أفكار راديكالية تمنحهم دورًا بطوليًا متخيلًا.

الاستقطاب الإلكتروني - أرشيفية 
الاستقطاب الإلكتروني - أرشيفية 

وتعتمد استراتيجية التجنيد على عزل القاصر ذهنيًا عن محيطه الأسري والاجتماعي، عبر التشكيك في قيم المجتمع المدني وتصويره كبيئة معادية؛ لخلق حالة من الاغتراب الممنهج الذي يجعل المراهق يثق فقط في الموجه الافتراضي، مما يسهل عملية غسل الأدمغة وتلقين الأيديولوجيات المتطرفة دون مقاومة تذكر من الضحية.

وعوضًا عن ذلك، يلعب الإغراء بالمكانة دورًا محوريًا، حيث يتم إقناع القاصر بأنه سيتحول من شخص عادي إلى جندي نخبة، ويفسر هذا التغيير النفسي سرعة انقياد اليافعين لتنفيذ أجندات خطيرة، حيث يرى القاصر في العمل الإرهابي وسيلة لإثبات الذات وتحقيق أثر ملموس في عالم يراه غير عادل.

ثانيًا: جغرافية الخطر

لم تعد عمليات التجنيد مقتصرة على الأحياء الهامشية في مدن مثل برشلونة أو مدريد، بل انتقلت بالكامل إلى الفضاء السيبراني العابر للحدود، حيث رصدت الاستخبارات الإسبانية نشاطًا مكثفًا على منصات "تيك توك" وتطبيقات الألعاب الإلكترونية، حيث يتم دس الرسائل المتطرفة في قوالب ترفيهية تجذب صغار السن بعيدًا عن أعين الرقابة الأبوية.

وعلى الصعيد الجغرافي، لا تزال المناطق ذات الكثافة السكانية العالية والتركيبات الاجتماعية المعقدة تشكل بؤرًا للاهتمام الأمني، وتبرز مقاطعة كاتالونيا كواحدة من أكثر المناطق نشاطًا في رصد محاولات الاستقطاب، تليها جيوب سبتة ومليلية التي تشكل حدودًا جغرافية وثقافية حساسة تستغلها التنظيمات لتمرير أجنداتها.

الاستقطاب الإلكتروني - أرشيفية 
الاستقطاب الإلكتروني - أرشيفية 

وتستخدم تطبيقات المراسلة المشفرة مثل تليغرام كغرف تدريب افتراضية، حيث يتم تزويد القصر بروابط لمحتويات محظورة ودروس في التخفي؛ هذا الاندماج بين الجغرافيا الواقعية والمنصات الرقمية خلق بيئة معقدة تصعب فيها ملاحقة الخلايا النائمة التي تتشكل من أفراد لم يغادروا غرف نومهم.

ثالثًا: الثغرات والحلول القانونية

يواجه القضاء الإسباني معضلة قانونية وأخلاقية عند التعامل مع الإرهابيين القصر، حيث يتأرجح التكييف القانوني بين اعتبارهم "جناة" يجب معاقبتهم أو "ضحايا" تعرضوا للاستغلال.

ومع ذلك، عدلت إسبانيا قانون العقوبات ليشمل تجريم التلقين الذاتي، مما يسمح بالتدخل الأمني بمجرد ثبوت استهلاك القاصر لمواد تحريضية بشكل متكرر.

وتمنح القوانين الحالية صلاحيات واسعة لمدعي العموم المتخصصين في شؤون القصر لاتخاذ إجراءات تحفظية، مثل وضع القاصر تحت المراقبة الإلكترونية أو إلحاقه بمراكز إصلاحية متخصصة. الهدف من هذه القوانين هو قطع الطريق على عملية "التحول النهائي" نحو العنف قبل وقوع الفعل الجرمي، ورغم صرامة التشريعات، تظل هناك ثغرات تتعلق بإثبات النية الإرهابية لدى القاصرين، خاصة في حالات التجنيد عبر الإنترنت.

الاستقطاب الإلكتروني - تعبيرية
الاستقطاب الإلكتروني - تعبيرية

وتعمل الحكومة الإسبانية حاليًا على تحديث قوانين الأمن السيبراني لتسهيل التعرف على هوية المحرضين الذين يعملون من خلف شاشاتهم لاستدراج الأطفال، مع تشديد العقوبات على البالغين المتورطين في تجنيد الصغار.

رابعًا: تحديات إعادة الدمج

تمثل إعادة دمج القصر الذين انخرطوا في خلايا متطرفة التحدي الأكبر للدولة الإسبانية، نظرًا لعمق الأثر النفسي الذي تتركه عمليات التجنيد، وتتطلب هذه العملية برامج مكثفة لـ"تفكيك الأدلجة"، يقودها خبراء في علم النفس الديني والاجتماعي لإقناع المراهق ببطلان المفاهيم التي تشربها خلال فترة تجنيده.

الاستقطاب الإلكتروني - تعبيرية
الاستقطاب الإلكتروني - تعبيرية

وتصطدم هذه الجهود غالبًا بالوصمة الاجتماعية، حيث يرفض المجتمع المحلي أحيانًا عودة هؤلاء الشباب، مما قد يؤدي إلى انتكاسهم وعودتهم للتطرف كفعل انتقامي. لذلك، تركز مراكز الإصلاح الإسبانية على توفير فرص تعليمية ومهنية للقصر الموقوفين، لضمان وجود بديل واقعي ومستقر لحياتهم بعد قضاء فترة العقوبة.

ختامًا:

تؤكد التجارب السابقة أن نجاح إعادة الدمج يعتمد بشكل كلي على الدعم الأسري؛ فبدون بيئة منزلية حاضنة وواعية، تظل احتمالية العودة الجرمية قائمة؛ لذا، تُلزم السلطات عائلات القصر المتورطين بالانخراط في دورات تأهيلية، لضمان مراقبة سلوك أبنائهم وتقديم الدعم النفسي اللازم لهم في رحلة العودة إلى الحياة الطبيعية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء