رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الإرهاب في الغرب الإفريقي: تصاعد داعش ونصرة الإسلام في مناطق الفراغ الأمني

الجماعات الإرهابية
الجماعات الإرهابية في إفريقيا - أرشيفية

تشهد منطقة غرب إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء تصاعدًا في العمليات الإرهابية خلال الفترة الأخيرة، ففي مالي تنشط جبهة نصرة الإسلام والمسلمين في فرض حصار على العاصمة المالية باماكو وقطع الإمدادات البترولية عنها، وفي نيجيريا باتت الولايات الشمالية جميعها تشهد تناميًا غير عادي للتنظيمات الإرهابية؛ ففي ولاية بورنو شمال شرق نيجيريا تشهد نموًا لتنظيم داعش وبوكو حرام، أما ولاية سوكوتو في الشمال الغربي فتنشط بها العديد من الجماعات الإرهابية الهجينة مثل جماعة لاكوراوا.

كما تشهد الحدود البينية بين دول غرب إفريقيا نشاطًا ملحوظًا للعديد من الجماعات الإرهابية المحلية، والتي أغلبها ما يكون إما فرعًا من فروع بوكو حرام أو جبهة نصرة الإسلام والمسلمين.

إزاء هذا التطور اللافت للتنظيمات الإرهابية في غرب إفريقيا بات لزامًا على دول غرب إفريقيا المنضوية تحت ما يسمى الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "الإيكواس" تعزيز التعاون المشترك بين الدول الأعضاء لأجل تنسيق الجهود لمكافحة الإرهاب، إلا أن الوضع الحالي المتمثل في انقسام دول مجموعة الإيكواس، حيث انسحبت دول بوركينا فاسو والنيجر ومالي من تحالف الإيكواس في عام 2024 لتشكيل تكتل إقليمي يضم الدول الثلاث بعيدًا عن الإيكواس والدور النيجيري به، كما تم تعليق دور الدول الثلاث في تحالف دول الساحل (G5).

داعش إفريقيا
داعش إفريقيا

يأتي قرار الدول الثلاث في ظل مواقف مجموعة الإيكواس الرافضة للانقلابات العسكرية في البلدان الثلاثة، حيث فرضت الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا عقوبات سياسية واقتصادية على الدول الثلاث نتيجة للانقلابات العسكرية في الدول الثلاث، خاصة بعد الانقلاب العسكري في النيجر في يوليو 2023، والذي أطاح بحكم الرئيس محمد بازوم.

كما بلغ التوتر تصاعده في ديسمبر 2025 حينما هبطت طائرة شحن نيجيرية دون تصريح مسبق في بوركينا فاسو، مما دفع السلطات البوركينية إلى اعتقال الطيارين وتسعة جنود، وفسرت أبوجا ذلك الحادث بأن الطائرة تعرضت لعطل فني ونددت بالحادث ووصفته بالعمل العدائي، وفي المقابل رفعت السلطات في بوركينا فاسو حالة التأهب القصوى لدفاعاتها الجوية لتحييد أي طائرة تنتهك المجال الجوي للبلاد.

استغلال التوترات

نتيجة حالة التوتر السياسي بين دول مجموعة الإيكواس ومجموعة دول الساحل (AES) سعت الجماعات الإرهابية مثل تنظيم داعش وجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" وجماعات أخرى منشقة عن بوكو حرام إلى نشر موجة من العنف واسعة الانتشار جغرافيًا في مناطق غرب إفريقيا، وفيما يلي أبرز ثلاث مناطق شهدت ارتفاعًا في معدلات العنف والإرهاب في غرب إفريقيا، ومنها على سبيل المثال:

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين

أولًا: المناطق الحدودية لدولة بنين مع النيجر وبوركينا فاسو 

في المنطقة الحدودية بين دول بنين والنيجر وبوركينا فاسو تنشط جماعة إرهابية جديدة ما زالت تكتسب الزخم العملياتي تدعى جماعة حنيفة "Hanifa"، وتعد إحدى فروع جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين".

تنشط جماعة حنيفة بشكل أساسي في منتزهي دبليو وبندجاري منذ مطلع عام 2025، وفي إبريل من نفس العام نفذت الجماعة هجومًا إرهابيًا في منتزه دبليو البنيني مما أدى إلى مقتل 54 جنديًا، وحاليًا تستهدف الجماعة الوليدة ممرات العبور الحيوية بين منطقة الساحل ومنطقة خليج غينيا.

ويرجع سبب تزايد نشاط جماعة حنيفة في المنطقة الحدودية الشمالية لدولة بنين إلى غياب التنسيق الأمني بين بنين وبين بوركينا فاسو والنيجر، وهو ما أشار إليه الرئيس البنيني باتريس تالون موضحًا حجم الأزمة السياسية بين بلاده والدول الأخرى نتيجة انضمام بنين إلى دول الإيكواس.

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين

ثانيًا: منطقة سافانا التوغولية

تقع منطقة السافانا في أقصى شمال دولة توغو بالحدود مع كل من بنين والنيجر وغانا، ومؤخرًا ولنتيجة لغياب التنسيق الأمني بين دول المنطقة على خلفية أزمة دول الإيكواس مع دول الساحل، تمدد تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين في تلك المنطقة مهددًا بانتشار الظاهرة الإرهابية في أكثر الدول الأفريقية مناعة من التنظيمات الإرهابية، وهي دولة غانا.

مما يثير الجدل في تزايد النشاط الإرهابي خلال عام 2025 في ولاية السافانا هو ضعف التنسيق بين دولتي بنين وتوغو، رغم أن الدولتين عضويتان في جماعة الإيكواس، وبالتالي يكون من المفترض أن التفاهم والتواصل بينهما فعال.

ثالثًا: ولايتا سوكوتو وكيبي

في الشمال الغربي لدولة نيجيريا، وتحديدًا ولايتي سوكوتو وكيبي، تنتشر حاليًا جماعة لاكوراوا التي يمتد نفوذها إلى دول بنين ومالي والنيجر، ومنذ أكتوبر 2025 برزت الجماعة بصورة كبيرة في نيجيريا مما أهلها لتكون هدفًا للغارات الأمريكية في نيجيريا عشية عيد الميلاد الماضي، ويرجح أن تكون جماعة لاكوراوا امتدادًا لكل من بوكو حرام وجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، ومما يثير الجدل أيضًا في تجربة جماعة لاكوراوا هو غياب التنسيق الأمني بين نيجيريا وبنين رغم كونهما عضويتين في جماعة الإيكواس.

تأثيرات انعدام التنسيق الأمني

يحمل انعدام التنسيق الأمني بين دول مجموعة الإيكواس وبين مجموعة دول الساحل العديد من الدلالات والتأثيرات الخطيرة على أمن واستقرار دول غرب أفريقيا بشكل عام، إذ سيشكل انعدام التنسيق الأمني سببًا في تنامي دور الجماعات المتمردة والإرهابية، والتي قد ينتج عنها:

جماعة لاكوراوا
جماعة لاكوراوا

أولًا: كسر مناعة بعض الدول

 رغم انتشار الجماعات الإرهابية في دول غرب إفريقيا منذ أكثر من عقدين من الزمان، إلا أن بعض الدول في غرب أفريقيا مثل غانا والسنغال وجامبيا نجحت في تحقيق مناعة أمنية عالية في مواجهة تلك التنظيمات، إلا أنه مؤخرًا يبدو أن تلك المناعة معرضة للاختراق، خاصة بعد اقتراب الجماعات الإرهابية من حدود تلك الدول؛ فمثلًا إقليم السافانا التوغولي المتاخم للحدود مع غانا يشهد حاليًا نشاطًا ملحوظًا لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، لذا من المحتمل أن تنتقل أنشطة تلك الجماعات إلى داخل المجتمع الغاني، كاسرةً حالة المناعة التي تمتعت بها غانا خلال العقدين الماضيين.

التواجد الأمريكي في إفريقيا لمواجهة الجماعات الإرهابية
التواجد الأمريكي في إفريقيا لمواجهة الجماعات الإرهابية

ثانيًا: ظهور دويلات جديدة

 في مالي باتت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" مسيطرة بشكل شبه رسمي على الدولة ولم يتبقَّ لها سوى سقوط العاصمة، وفي شمال غرب نيجيريا تسيطر جماعة لاكوراوا على ولاية سوكوتو مما حولها إلى ما يشبه دولة داخل الدولة، لذا من المحتمل أن تلجأ الجماعات المتمردة والمتطرفة خلال الفترة المقبلة إلى إعلان قيام الدويلات الخاصة بها، خاصة في دولة النيجر على سبيل المثال التي تشهد نموًا وخليطًا من الجماعات المتمردة سياسيًا ودينيًا وعرقيًا على خلفية الانقلاب الأخير في يوليو 2023، حيث باتت تلك الجماعات تسيطر بشكل كبير على خطوط نقل النفط من النيجر إلى بنين.

ثالثًا: زيادة التدخلات الأجنبية في غرب إفريقيا 

ستسمح عملية انعدام التنسيق الأمني بتزايد التدخلات الأمنية الأجنبية في شؤون دول غرب أفريقيا، خاصة من قبل القوى الكبرى، مثلما فعلت الولايات المتحدة عشية عيد الميلاد بشن غارات جوية قيل إنها استهدفت تموضعات للجماعات الإرهابية في شمال غرب نيجيريا، ومن الممكن أيضًا أن نشهد تدخلًا صينيًا لوقف نزيف خسائر شركات النفط الصينية العاملة في النيجر، والتي تتكبد يوميًا خسائر تقدر بملايين الدولارات على خلفية الاستهداف المتكرر لخطوط نقل النفط في البلاد.

ختامًا:

تكشف التطورات المتسارعة في غرب إفريقيا أن الإرهاب لا ينمو فقط بفعل هشاشة الدول وضعف قدراتها الأمنية، بل يتغذى كذلك على الانقسامات السياسية والصراعات الإقليمية التي تعطل التنسيق المشترك وتفتح ثغرات واسعة أمام تمدد الجماعات المتطرفة. فانسحاب بوركينا فاسو والنيجر ومالي من الإيكواس وتشكيل تكتل بديل، لم ينعكس فقط على توازنات النفوذ داخل الإقليم، بل أسهم عمليًا في تفكيك منظومة الاستجابة الجماعية أمام تهديد عابر للحدود. ومع استمرار حالة الشك المتبادل وغياب آليات العمل الأمني الموحد، تبدو المنطقة مرشحة لمزيد من الاختراقات الإرهابية، بما يهدد دولًا كانت تتمتع بمناعة نسبية مثل غانا والسنغال. ومن ثم، فإن استعادة التنسيق الأمني بين دول الإيكواس ودول الساحل لم تعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لحماية استقرار الإقليم ومنع تحول غرب إفريقيا إلى ساحة مفتوحة للدويلات الإرهابية والتدخلات الأجنبية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء