"شبكة محرري الشرق الأوسط".. منصة تدريب أم بوابة لاختراق الإعلام العربي؟
في إطار توسع جماعة الإخوان في تأسيس العديد من المنصات المشبوهة التي تروج لمشروعها القطبي، انطلاقًا من تركيا وبعض الدول الأوروبية، أطلقت الجماعة كيانًا يستهدف الإعلاميين والصحفيين، إلى جانب القطاعات الشبابية العربية الجديدة، بحجة التدريب والتأهيل على القوالب الإعلامية الحديثة، تحت عنوان: "شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" (MENA EDITORS).
ويأتي تأسيس هذا الكيان في سياق التحولات التي شهدتها استراتيجية التنظيم الدولي لجماعة الإخوان خلال السنوات الأخيرة، لا سيما بعد تعثر المشروع الإخواني التنظيمي على أرض الواقع في أكثر من دولة عربية وإفريقية، الأمر الذي دفع الجماعة إلى الاتجاه نحو مساحات مهنية أكثر مرونة وفاعلية، وفي مقدمتها الإعلام.
كانت الشبكة قد أرسلت إلى عدد من الصحفيين المصرين دعوات للمشاركة في ورش حول الصحافة الاستقصائية في المنطقة العربية، لا سيما أن المؤسسة فشلت في فتح مكتب لها في القاهرة في ظل الرقابة الأمنية والمتابعة الدقيقة لتحركات التنظيم الدولي بعد سقوط الجماعة في يونيو 2013.

شبكة دولية بأذرع متعددة
تم تأسيس المنظمة الإخوانية في بريطانيا كشركة غير ربحية برقم 11579456 بتاريخ 20 سبتمبر 2018، ثم تم افتتاح فرع لها في النمسا تحت رقم 1643702166 بتاريخ 17 سبتمبر 2019، وفرع ثالث تابع لاتحاد الجمعيات الأهلية في تركيا (أحد كيانات التنظيم الدولي) برقم 34-263/068 بتاريخ 11 سبتمبر 2020، وفرع رابع بدولة تونس الشقيقة في نوفمبر 2020، إلى جانب مقراتها الرسمية في لندن.
وفي منتصف سبتمبر 2021، احتفلت "شبكة محرري الشرق الأوسط" داخل إسطنبول بمرور ثلاث سنوات على تأسيسها في لندن، ونشاطها داخل 23 دولة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وتفادياً للإشكاليات والصعوبات التي تعيق توسع الشبكة في إقامة مقارها الرسمية، اعتمدت إنشاء مؤسسات صغيرة تلعب دور الوسيط في ما بينها وبين المؤسسات الرسمية والنخب الإعلامية في بعض الدول، تهرباً من المتابعة أو الملاحقة الأمنية، والتغطية على النشاطات المنوطة بها.

وجوه إخوانية
يتولى رئاسة مجلس إدارة منظمة "شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" الإخواني الأردني عاطف دلقموني، المستشار السياسي لشبكة قنوات الجزيرة، بينما يتولى منصب المدير التنفيذي الإخواني المصري أبو بكر خلاف، الذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع ممثلي الكيان الصهيوني، وقام بتغيير اسمه إلى (أبو بكر إبراهيم أوغلو) بعد حصوله على الجنسية التركية.
وتُعد هذه التركيبة القيادية أحد أبرز المؤشرات على طبيعة الشبكة، باعتبارها ليست مجرد منصة تدريبية محايدة، وإنما إطار وظيفي مرتبط بتوجهات التنظيم الدولي للإخوان، وبالدوائر الإعلامية الداعمة لمشروعه.
صحافة التطبيع
خلال الفترة الماضية، دعت المنظمة الإخوانية المشبوهة إلى التطبيع الصهيوني وفقًا لما يعرف بـ"صحافة وإعلام السلام بين الشعوب"، في إطار الترويج للتعايش مع الكيان الصهيوني داخل المنطقة العربية والشرق الأوسط.كما ركزت بشكل مباشر على القطاعات الشبابية الجديدة لاستقطابهم والتأثير في أدبياتهم الفكرية والذهنية، عبر مظلة تدعي أنها أكبر تجمع مهني للصحفيين والإعلاميين في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وتعتبر "شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" من الكيانات الإعلامية والسياسية التي تلعب أدوارًا مزدوجة، لا سيما في ظل وجود أبو بكر خلاف المعروف بتطبيعه مع الكيان الصهيوني، إذ شارك في مؤتمر "معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي"، الذي عقد في تل أبيب، في الفترة ما بين 27 إلى 29 يناير 2019.

وكانت زيارة أبو بكر خلاف سرية، حتى قيام المحلل السياسي الإسرائيلي إيدي كوهين بنشر تفاصيل مشاركته في المؤتمر الإسرائيلي، ودعوته لاعتناق الديانة اليهودية والعيش في إسرائيل والحصول على الجنسية، باعتباره أحد المتعاونين مع الكيان الصهيوني.
وعقب ذلك، اضطر أبو بكر خلاف لنشر كواليس تواجده في تل أبيب على حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، كاشفًا التطبيع الصريح بين جماعة الإخوان ورموز الكيان الصهيوني، مؤكدًا أن عددًا كبيرًا منهم قد حلوا ضيوفًا على تل أبيب عدة مرات.
تطبيع مبكر
تخرج أبو بكر خلاف في كلية الآداب جامعة عين شمس، بالقسم العبري، ثم التحق بالمعهد الأكاديمي الإسرائيلي في القاهرة لمدة ثلاث سنوات .وفي إطار رغبة مبكرة في التطبيع، خاطب السفارة الإسرائيلية لتسهيل دخوله تل أبيب تحت لافتة دراسة الأدب الإسرائيلي، سعيًا إلى التقرب من الدولة الصهيونية، واختار بحثًا عن البعد الاجتماعي في رواية الأديبة سارة إنجل، ووصلته فعليًا دعوة للسفر إلى إسرائيل في أغسطس 2015 من ميخائيل جلوزمان الأستاذة بكلية الآداب جامعة تل أبيب.

وخلال ترتيبات السفر إلى إسرائيل، ألقت السلطات المصرية القبض عليه في واقعة تخص تصوير أماكن سيادية وعدد من المواقع العسكرية، وتمت إحالته إلى التحقيق في القضيتين 4449 و4748 لعام 2015.وفي كانون الثاني 2016 تم الإفراج عنه بكفالة على ذمة القضية، ليتمكن بعدها من الهروب عن طريق السودان ومنها إلى تركيا.
قيادات التنظيم الدولي
ضمت المؤسسة الإخوانية المشبوهة "MENA EDITORS" بين صفوفها التنظيمية والإدارية أحد أخطر رجالات التنظيم الدولي للإخوان: إسماعيل محمد مصطفى القريتلي، من مواليد مدينة بنغازي الليبية، ويحمل الجنسية القطرية وجواز سفر رقم 18992.
ووفقًا لتسريبات لجهاز الأمن الخارجي الليبي، فإن إسماعيل القريتلي لعب دورًا مهمًا في خدمة جماعة الإخوان لسنوات طويلة داخل أفغانستان وقطر وبريطانيا، كما أنه من المطلوبين على لائحة الأمن الليبي الخارجي وجهاز الاستخبارات الليبية.
فضلًا عن مساهمته في تأسيس العديد من وسائل الإعلام الإخوانية المعنية بالمشهد الليبي الداخلي، من بينها: "أجواء البلاد"، و"أجواء نت"، وموقع "عين ليبيا"، والإشراف على تأهيل وتدريب الكوادر الإعلامية الإخوانية الصاعدة، بتعليمات من قيادات "حزب العدالة والبناء" الإخواني في ليبيا، وعلي الصلابي المعروف بـ"قرضاوي ليبيا"، وأحد المشرفين على الحركات المسلحة في العمق الليبي.

وضمت كذلك الهيئة التأسيسية للمنظمة المشبوهة كلاً من الإخواني السوداني حسن سعيد المجمر، مسؤول الشراكات والبحوث في مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان، والفلسطيني أحمد بعلوشة، مدير تحرير موقع "مسبار"، الذي يعمل وفقًا للأجندة الإخوانية والمعني بمراقبة ومتابعة وسائل الإعلام المصرية، والصحافي المصري، أحمد سليم، وياسر فتحي، وحسام الوكيل، والصادق الرزيقي رئيس اتحاد الصحفيين في السودان، المحسوب على جماعة الإخوان.
التمويل الخارجي
لم تتوقف منظمة "MENA EDITORS" الإخوانية المشبوهة عن دورها في تخريب العقول الشبابية، إذ عقدت اتفاقيات مباشرة مع عدد من المؤسسات الأمريكية الممولة للمشاريع المناهضة للأنظمة السياسية الحاكمة، والتي تتفق مع أجندتها ومع أدبيات تكتيكات الثورات الشعبية والتدريب على العصيان المدني.
وفي مقدمة المؤسسات الممولة: الصندوق الوطني للديمقراطية (NED)، الذي يتبعه مجموعة من المنظمات الأمريكية التي تعمل على تغيير وإسقاط الأنظمة العربية الحاكمة، ولعبت دورًا تخريبيًا خلال مرحلة أحداث "الثورات العربية" عام 2011، مثل، المعهد الأمريكي للمشاريع، ومعهد بحوث المثلث، والمعهد الوطني الديمقراطي للشؤون الدولية، والمعهد الجمهوري الدولي، والمركز الأمريكي للتضامن الدولي في العمل، وصندوق الأمم المتحدة للديمقراطية، ومؤسسة وستمنستر للديمقراطية.

التدريب كغطاء
روجت منظمة MENA EDITORS الإخوانية المشبوهة لدورات وورش عمل ودبلومات مهنية حول "الإعلام البديل" أو "الإعلام الموازي"، يقدمها مدربون من جنسيات عربية ينتمي غالبيتهم تنظيميا للجماعة، بجانب إعلاميين عاملين بشبكة قنوات الجزيرة.
ويخدم هذا النشاط أهداف الجماعة ورسالتها التحريضية التي توظفها لتفكيك البنية المجتمعية للشعوب العربية، والتدريب على نظريات إسقاط الأنظمة السياسية الحاكمة تحت دعاوى الديمقراطية وحرية التعبير والرأي، وهدم الثوابت العقائدية وتغليفها بالمنطلقات القطبية المتشددة.
استراتيجية التنظيم الدولي
تعمل "شبكة محرري الشرق الأوسط" وفقًا للرؤية الجديدة للتنظيم الدولي للإخوان، المبنية على استراتيجية الانتقال من التوسع في البناء التنظيمي إلى حالة السيولة الفكرية للمشروع الإخواني، والتي تم اعتمادها رسميًا منذ عام 2020.
وتقوم هذه الاستراتيجية على أن المشروع الأصولي عليه أن يعدّل من آلياته ووسائله المتبعة في عمليات الاستقطاب والتجنيد، وفقًا للأهداف الجديدة، وعدم التركيز على الوسائل التقليدية في تنفيذ مشاريع "أسلمة المجتمعات".
وفي هذا الإطار، تعمل منظمة MENA EDITORS وفقًا لمشروع التنظيم الدولي على التوسع والانتشار عربيًا وإفريقيًا بين الأوساط الشبابية الجديدة على نطاق واسع، مع فرضية الاتجاه نحو قطاعات مهنية مختلفة، سواء الأطباء أو المحامين أو المعلمين، الذين يتم استقطابهم بنفس النهج المؤسسي عربيًا ودوليًا، من خلال تأسيس كيانات تقدم استشارات فنية ومهنية، تدخل في شراكة مع مؤسسات دولية كبرى، بهدف تنفيذ مشروع توسعي ينطلق من أرضية دولية وليس محلية.

الاستقطاب عن بعد
تقوم جماعة الإخوان من خلال تلك المنظمة المشبوهة باستمالة عدد كبير من شباب الإعلاميين والصحفيين بالمنطقة العربية، بهدف تبني خطابها وأدبياتها الفكرية والسياسية، وفقًا لما يعرف بـ"التأثير النفسي والذهني عن بعد"، والاستفادة من الوسائل التكنولوجية الحديثة وبرامج التعليم عن بعد.
إذ تعتمد المنظمة في عملها على الورش والدورات التأهيلية والدبلومات المهنية والصحفية عن بعد كمستوى أول في الالتحاق بفريق العمل، ثم الحصول على منحة دراسية في أحد الجامعات التركية الخاصة، مع توفير كافة سبل الإقامة والمعيشة، بجانب المقابل المادي الشهري.
اشتباك سياسي
وقد شهدت الساحة التونسية خلال السنوات الماضية سجالًا بين رئيسة الحزب الدستوري الحر النائبة التونسية عبير موسي، وبين قيادات "شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، المعنية بالتدريب الإعلامي، عقب اتهامهم باختراق الإعلام التونسي، وعمالتهم لصالح جماعة الإخوان.
ووجهت عبير موسي اتهامات إلى عدد من الصحفيين، وعلى رأسهم نقيب الصحفيين التونسيين لدعمهم مشروع "الإخوان"، فضلاً عن أكاديمية On Air formation المتخصصة في مجال التدريب والاستشارات الإعلامية، والتي تم تأسيسها عام 2020، ويتولى الإشراف عليها الإعلامية ليلى بن عطية الله.
وقد نفت الأخيرة علاقتها بالمنظمة نهائيًا، رغم مشاركتها في العديد من أنشطتها، وإعلان موقع الأكاديمية وصفحتها الرسمية أنها الوكيل الحصري والرسمي لـ"شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" في تونس.

أثارت تصريحات السياسية التونسية عبير موسي حفيظة أبو بكر خلاف - حينها، الذي خرج في تسجيل مصور محاولاً نفي الاتهامات الموجهة إلى مؤسسته الإعلامية، لكنه خلال السياق التبريري اعترف صراحة أن "شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" تضم بين صفوفها قيادات تابعة للتنظيم الدولي لـ"جماعة الإخوان المسلمين"، معتبراً أن الانتماء للتنظيم القطبي-البناوي ليس تهمة في حد ذاته.
وأضاف خلاف أن وصف جماعة "الإخوان" بأنها كيان إرهابي مجرد "شائعة" أطلقها النظام السياسي المصري بغرض القضاء على مشروعها الدعوي وطموحها السياسي في عمق المنطقة العربية، فضلاً عن أن الشبكة تحوي مختلف التوجهات والأيديولوجيات، ومن بينها صحفيون وإعلاميون إسرائيليون، في إطار التعايش الإنساني.
تعتبر "شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" أحد أبرز الكيانات الإعلامية والسياسية التي تؤدي أدوارًا مزدوجة، عبر استخدام التدريب المهني كواجهة ناعمة لاختراق النخب الإعلامية واستقطاب الشباب، وربطهم تدريجيًا بخطاب الجماعة وأدبياتها الفكرية والسياسية، وفقًا لما يعرف بـ"التأثير النفسي والذهني عن بعد"، من خلال السيطرة على أدوات "النيو ميديا".

ولا شك أن من يحتكر الإعلام يمتلك صناعة القرار، ويمتلك التعبئة الفكرية والسياسية؛ فخلاف الدور التوعوي والتنموي للإعلام، يمثل كذلك الأداة الفاعلة لحسم كل المعارك والصراعات الفكرية والسياسية والعسكرية.
ومن ثم يتفطن القائمون على التنظيم الدولي للإخوان إلى الدور المؤثر في صناعة حالة الهيمنة على النخب الإعلامية، عبر مشاريع ظاهرها العمل الإعلامي وباطنها الاستقطاب والتجنيد الفكري والاستمالة السياسية لأجندة الجماعة وأهدافها عن بعد، وهو ما يجعل من هذا النوع من الكيانات خطراً مركباً لا يتوقف عند حدود التدريب، بل يمتد إلى هندسة الوعي وإعادة تشكيل المجال الإعلامي العربي من الخارج.



