من القطيعة إلى التقارب الحذر: لماذا غيّرت أنقرة موقفها من القاهرة؟
على هامش افتتاح كأس العالم في قطر في نوفمبر 2022، التقطت عدسات الكاميرات مصافحة شهيرة بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وذلك بحضور أمير دولة قطر تميم بن حمد.
المصافحة الشهيرة وإن بدت كإجراء بروتوكولي عادي في إطار مناسبة دولية كبرى، إلا أنها حملت في طياتها العديد من الإشارات المستقبلية، إذ كانت إيذانًا بإنهاء القطيعة السياسية والدبلوماسية بين البلدين، والتي استمرت قرابة عدة سنوات، وذلك بسبب تأييد تركيا لجماعة الإخوان واستضافتها فترة طويلة للعديد من قيادات الجماعة والمنصات الإعلامية المناوئة للقاهرة.
على مدار الفترة الممتدة من يوليو 2013 وحتى نوفمبر 2022، كانت التجاذبات والصدامات السياسية هي عنوان العلاقات المصرية التركية في مختلف المجالات والقضايا تقريبًا؛ فأنقرة بالغت في تأييدها لجماعة الإخوان وسهّلت تحركاتها المعادية للقاهرة، كما دعمت أنقرة في ذلك الوقت خصوم القاهرة الإقليميين مثل حكومة غرب ليبيا، ووقعت معها اتفاقيات عسكرية وحدودية رأتْها القاهرة تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

وفي المقابل، كانت هناك مواقف من القاهرة اعتبرتها أنقرة محاولة مصرية للنيل من المصالح التركية، مثل موقف القاهرة من ملف غاز شرق المتوسط والتقارب المصري مع كلٍّ من اليونان وقبرص والحكومة الليبية في طبرق، وأخيرًا موقف القاهرة غير المعلن من محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا عام 2016، حيث لم تدن مصر محاولة الانقلاب، كما اتهمت أنقرة مصر بعرقلة صدور قرار من مجلس الأمن يدين محاولة الانقلاب العسكري في تركيا.
الانقلاب المدروس
منذ المصافحة الشهيرة بين الزعيمين على هامش افتتاح كأس العالم، يمكن وصف التحول في العلاقات بين الجانبين بما يسمى بـ"الانقلاب المدروس"، فلم تكن هناك هرولة في إعادة العلاقات دون النظر إلى حسابات المصالح الاستراتيجية بين الجانبين، وإنما جاءت العودة في العلاقات بصورة تدريجية محسوبة ومدروسة للغاية، ففي يناير 2023 تمت استعادة العلاقات الدبلوماسية كاملة بين البلدين.

ساهمت التطورات الإقليمية المتعددة في منطقة الشرق الأوسط في إحداث تقارب كبير في وجهات النظر بين مصر وتركيا، الأمر الذي دفعهما إلى التعاون المشترك في تلك القضايا. ففي إبريل 2023 اندلعت الحرب الأهلية في السودان بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي.
وكلا البلدين، أي القاهرة وأنقرة، يمتلك موقفًا ثابتًا إزاء الصراع في السودان؛ فكلاهما انحاز للدولة الوطنية في الخرطوم، رافضين محاولات الانقلاب التي تمثلها قوات الدعم السريع، الأمر الذي استدعى تنسيقًا بين البلدين في الملف السوداني وتوجيه الدعم المباشر والفعال للحكومة والجيش السوداني في حربه ضد ميليشيا الدعم السريع.
لم يقف التقارب المصري التركي على عتبة الأزمة السودانية، ففي 7 أكتوبر 2023 اندلعت عملية طوفان الأقصى، ومعها انهالت الضربات الإسرائيلية على قطاع غزة، وحاولت تل أبيب خلال تلك الحرب الماضية تنفيذ أكثر المشاريع غير الإنسانية المتمثلة في ترحيل سكان قطاع غزة غربًا باتجاه سيناء المصرية، وهو ما رفضته كلٌّ من مصر وتركيا. وخلال فترة الحرب الماضية تقاربت وتطابقت المواقف المصرية التركية إزاء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وكانت الدولتان رفقة قطر هي الدول الضامنة لاتفاق غزة في 9 أكتوبر 2025.

وبالإضافة إلى الملف السوداني والفلسطيني، كان هناك أيضًا ملف أكثر خطورة وهو ملف القرن الإفريقي؛ فتركيا لها نفوذ كبير في مقديشيو وداعم للحكومة الفيدرالية هناك، ومؤخرًا وتحديدًا في نهاية 2024 برز اهتمام مصري كبير بالوضع الصومالي، إذ قررت مصر المشاركة في القوات الدولية في الصومال لحفظ الأمن والاستقرار، وهو ما يستلزم التنسيق مع الدول الإقليمية ذات النفوذ في الصومال، ومؤخرًا تتطابق المواقف المصرية والتركية إزاء قضية استقلال أرض الصومال والاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند في نهاية ديسمبر 2025.
التقارب الدبلوماسي
إزاء التقارب الكبير في وجهات النظر التركية المصرية في مختلف المجالات والقضايا الإقليمية ذات الأهمية الكبرى، سعت البلدان إلى تطوير وتوطيد العلاقات بين الطرفين. ففي 14 فبراير 2024 شهدت القاهرة زيارة الرئيس التركي أردوغان، لتكون هي الزيارة الأولى التي تجمع السيسي بأردوغان، وفي سبتمبر من نفس العام قام الرئيس السيسي بزيارة أنقرة، وأخيرًا الزيارة الأخيرة التي تمت في 4 فبراير الجاري هي الثالثة بين الطرفين.

تسعى البلدان حاليًا إلى تصفية العديد من القضايا الخلافية العالقة، ومن أبرزها ملف جماعة الإخوان ، فمؤخرًا تراجع نفوذ الجماعة في تركيا بعد تضييق السلطات على أنشطة الجماعة في البلاد. أما الملف الثاني فهو التدخل التركي في ليبيا، خاصة بعد توقيع اتفاقيات مع حكومة فايز السراج في عام 2019 وتحقيق التواجد التركي في قاعدة الوطية الجوية.
ساهمت تطورات الأحداث في ليبيا وتشكيل حكومة وحدة وطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة في ليبيا في تقليل حدة الخلافات المصرية التركية، كما نجحت أنقرة في إرسال رسائل طمأنة إلى الجيش الليبي في الشرق بعدم استغلال قاعدة "الوطية" الجوية في شن هجمات ضد الجيش الليبي، وهو ما يفسر العلاقات الناشئة بين أبناء المشير خليفة حفتر ومسؤولين أتراك، والزيارات المتبادلة بين الطرفين خلال العامين الماضيين.

وأخيرًا يتبقى ملف غاز شرق المتوسط، وهو الملف الأخطر على الإطلاق، إلا أنه لا يمثل صدامًا مباشرًا بين مصر وتركيا؛ فالأزمة الحقيقية هي بين تركيا واليونان والخلافات الحدودية التاريخية بين الجانبين، لكن التقارب المصري اليوناني هو ما كان يزعج أنقرة. لذا من المحتمل أن تحاول القاهرة خلال الفترة المقبلة لعب دور الوسيط أو الميسر في عملية انضمام تركيا إلى منتدى غاز شرق المتوسط.
دوافع تركيا من تقاربها مع القاهرة
التحول البراجماتي العنيف في مواقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تجاه مصر والرئيس السيسي له العديد من الدوافع أبرزها:
أولًا: الدوافع الاقتصادية
يمكن اعتبار أن الدافع الاقتصادي هو الميسر الأساسي في عودة العلاقات والتقارب بين البلدين؛ فمصر هي أكبر دولة إقليمية في الشرق الأوسط من مختلف النواحي، وتركيا تمتلك قوة صناعية ناشئة تضاهي الدول الكبرى بل تفوقها في العديد من النواحي، لذا رأت أنقرة والرئيس أردوغان أن الصدام مع القاهرة لن يفيدها بشيء، لذا قررت عودة العلاقات وتلطيف الأجواء مع القاهرة، وهو ما يفسر سر الهدية الرمزية التي أهداها الرئيس التركي لنظيره المصري، وهي السيارة الكهربائية التركية "توغ"، إذ تحاول أنقرة من خلال تلك اللفتة الدبلوماسية تسويق سيارتها في السوق المصرية.
ثانيًا: الدوافع العسكرية
أيضًا تمتلك تركيا صناعة عسكرية قوية أهلتها لتكون إحدى أكبر الدول المصدرة للسلاح على مستوى العالم، ويبرز في هذا الاتجاه الطائرة التركية المسيرة "بيرقدار". وتشير العديد من المصادر إلى تحقيق التعاون بين البلدين في مجال المسيرات وامتلاك القاهرة لتلك المسيرات. ونقطة أخيرة برزت في وسائل الإعلام هي رغبة تركيا في الترويج لطائرتها الشبحية من الجيل الخامس "كان" في عرضها على الجيش المصري، باعتباره أكبر قوة عسكرية في المنطقة، وبالتالي سيكون أكبر مشترٍ لتلك المقاتلة في حال إتمام التعاقد بين الطرفين.

ثالثًا: الدوافع الإقليمية
تسعى تركيا للاستفادة من الثقل الإقليمي المصري، فمثلًا تريد تركيا الانضمام إلى قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة رغم المعارضة الإسرائيلية لهذا الطلب، لذا تسعى أنقرة إلى تعزيز علاقاتها مع القاهرة من أجل تشكيل قوة ضغط إقليمية في مواجهة إسرائيل وتسهيل انضمامها إلى قوة الاستقرار الدولية.
ونقطة أخرى ينبغي الإشارة إليها، أن الصدام التركي الإسرائيلي متشعب للغاية، لذا تحاول أنقرة الاتكاء والاستناد على القاهرة في إطار صدامها مع تل أبيب، حيث إن الأخيرة تمارس ضغوطًا مستمرة على أنقرة من خلال تعزيز التعاون العسكري مع قبرص واليونان.
ختامًا:
مسار العلاقات المصرية التركية منذ مصافحة الدوحة لم يكن مجرد عودة بروتوكولية، بل يمثل تحولًا محسوبًا فرضته ضرورات الإقليم وتبدل موازين المصالح. فالتقارب الحالي يقوم على براغماتية واضحة لدى الطرفين، وعلى إدراك مشترك بأن استمرار القطيعة لم يعد يخدم أيًّا من العاصمتين في ظل تصاعد الأزمات من السودان إلى غزة وصولًا إلى القرن الأفريقي.
ومع ذلك، يبقى هذا التقارب في إطار "الحذر"، لأن الملفات الخلافية الكبرى لم تُغلق بالكامل بعد، وعلى رأسها ليبيا وغاز شرق المتوسط وملف الإخوان، فضلًا عن حسابات التحالفات الإقليمية المتشابكة. وعليه، فإن مستقبل العلاقة سيظل مرهونًا بقدرة القاهرة وأنقرة على تحويل التقارب السياسي إلى شراكة استراتيجية مستقرة، لا تقوم فقط على إدارة الأزمات، بل على بناء مصالح متبادلة طويلة الأمد تمنع العودة إلى مربع الصدام.
محمد الدابولي*



