مؤسسات النشر.. الممر الخلفي لتمرير مشاريع الإسلام السياسي في المنطقة
في ظل وصول معرض القاهرة للكتاب الدولي رقم 57 إلى محطته الأخيرة، بعد توافد أكثر من 5 ملايين زائر على المشاركة في فعالياته، فإن ثمة ملاحظات جوهرية ما زالت مرتبطة بعملية النشر الفكري والثقافي، متمثلة في وجود عدد من دور النشر التي تروج لكتيبات تحمل أطرًا أيديولوجية متطرفة، وتهدم مرجعية الدولة الوطنية، وترسخ لمفاهيم قطبية ووهابية تخرج عن السياق الديني الوسطي والمعتدل، لا سيما دور النشر العربية.
وتُعتبر هذه الدور بمثابة ممثل عن تيارات فكرية متطرفة في منظومة النشر والتوزيع، وبعضها يتم تمويله بشكل مباشر من مؤسسات خارجية، ولا تعتمد على الدعم الذاتي، وإنما يتم توظيفها للترويج الفكري في إطار مشاريع تستهدف التأثير في العقل الجمعي للشارع العربي، وتطرح كتبًا في سياقات ثقافية مختلفة ما بين الكتب الشرعية أو التاريخية أو الروايات الشبابية، والتي يقتحمها حاليًا عدد كبير من رموز التيارات السلفية، لا سيما التي تنتشر حاليًا عبر منصات التواصل الاجتماعي وتقدم محتوى سلفيًا وفق ما يعرف بظاهرة "اليوتيوبر السلفي".

الإشكالية الكبرى تتمثل في إعادة إنتاج الكتب القديمة التي تروج لأفكار تتناول تكفير الأنظمة السياسية العربية والمؤسسات الوطنية التنفيذية والمؤسسات القضائية والتشريعية، وتصف المجتمعات بالجاهلية، وما زالت تتم طباعتها ونشرها وتوزيعها دون مراجعة، فضلًا عن أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت مليئة بالكتب التي تروج لأفكار تيارات الإسلام السياسي والجماعات الأصولية وتيارات السلفية الجهادية، والتي من شأنها أن تؤثر على الأجيال الجديدة، ما لم يتم إطلاق مشاريع فكرية تناهض هذه الأفكار وفق استراتيجية الأمن الفكري التي تعمل على تجفيف هذه الأفكار المنحرفة عن طريق التوعية الفكرية والدينية والدعوية، وطرح المنهجيات البديلة التي ترسخ لأهمية الدولة الوطنية التي يتعايش تحت مظلتها الجميع وفق حرية العقيدة وإقامة الشعائر دون تخوين أو تكفير أو إقصاء.
تعد مؤسسات النشر الثقافية إحدى الأدوات الهامة في تمرير الأيديولوجية الفكرية للجماعات الأصولية، وحرصت كل كيانات الإسلام الحركي والسياسي على بناء دور الطباعة والنشر والتوزيع.
لم تضع جماعات الإسلام السياسي عملية التكسب شرطًا ضمن خطة إدارتها مشاريع دور النشر الثقافية، بغية الترويج لبضاعتها الفكرية، والالتحام بالجماهير العريضة، والتأثير في قطاعات الشباب التي تعد الفئة الأكثر استهدافًا.

الإحصاءات الصادرة حديثًا عن دور النشر المصرية (نموذجًا) خلال السنوات الخمس الأخيرة، بينت ارتفاع نسبة إقبال شريحة الشباب والمراهقين (15- 22 عامًا) على شراء الكتب والروايات الأدبية من دون غيرها من الفئات العمرية الأخرى.
تمثل حاليًا مؤسسات النشر الثقافية الباب الخلفي لإعادة تمرير المشاريع الأصولية على مستوى المنطقة العربية والشرق الأوسط، وفقًا لاستراتيجية "الممرات الموازية"، متواكبة مع صناعة "الإعلام البديل"، والهيمنة الجزئية على الرسالة الإعلامية عبر الفضاء الأزرق، وتوجيه "النيو ميديا".
تقوم مؤسسات النشر الثقافية بدور بالغ الأهمية في تشكيل "العقول البيضاء"، والتأثير في وعي المراهقين والأجيال الحديثة والتلاعب بمخيلتهم، بإعادة تعليب المنهج الفكري المتشدد، وتحويل مضامين "معالم في الطريق"، و"أبجديات العمل الإسلامي"، و"الفريضة الغائبة"، و"رسائل البنا"، و"ماذا يعني انتمائي للإسلام" وغيرها، إلى أعمال روائية وأدبية بسيطة وسهلة الفهم والتناول.
تتشكل المنظومة الثقافية الجديدة المعنية بالترويج للخطوط الفكرية الأصولية من مئات دور الطباعة والنشر والتوزيع، التي تمت صناعتها تحت أعين التنظيم الدولي لجماعة "الإخوان المسلمين"، وتديرها مجموعة من الكتاب والأدباء دون الإعلان عن انتمائهم الفكري والتنظيمي، تحت لافتة حرية الحركة الثقافية.

رغم أن المنظومة الثقافية الجديدة لا تضع شرط التكسب المادي في المقام الأول، فإنها تمثل مسارات لتدوير الأموال عبر مؤسسات عابرة للحدود والقارات، في ظل صناعة كيانات "ترانزيت" للتوزيع والنشر في عدد من دول المنطقة العربية والشرق الأوسط، من دون الإفصاح عن هويتها أو توجهاتها.
وفي إطار تحجيم الدور "الإخواني" وتمددِه الفكري وسيطرته على أكثر من 60% من قوة النشر الثقافي في القاهرة (تصريح لرئيس اتحاد الناشرين المصريين في 14 مايو 2022)، أغلقت الحكومة المصرية عددًا ليس بالقليل من كيانات النشر الموالية للتنظيم عقب ثورة 30 يونيو 2013.
عمل حسن البنا منذ السنوات الأولى من عمر جماعته على تأسيس شركة للطباعة، وشركة للصحافة، برأس مال قدره 70 ألف جنيه مصري، وكان محمد حلمي المنياوي المعني بتطوير مطبوعات جماعة "الإخوان" في تلك المرحلة، وفقًا لما ذكره أحمد عادل كمال في كتابه "نقاط فوق الحروف"، فضلًا عن أن الهيكل التنظيمي تضمن قسمًا خاصًا بمتابعة عمل مؤسسات الطباعة والنشر التي تمتلكها الجماعة على مدار تاريخها.
رغم حالة التراجع في سيطرة جماعة "الإخوان" على سوق الطباعة والنشر والتوزيع في القاهرة، إلا أن المعارض الرئيسية على مدار السنوات الأخيرة حوت المصنفات الفكرية للتنظيم "الإخواني"، نتيجة قيام بعض دور النشر السلفية (المنتشرة بقوة) بطباعة هذه الكتيبات بمقابل مادي، إلى جانب وضع بعضها خفيةً داخل مكتبات المساجد والمدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية.

التأصيلات الشرعية التي أنتجتها اللجنة الدينية داخل جماعة "الإخوان" عقب فض "اعتصام رابعة المسلح"، حول جواز استهداف ضباط الجيش والشرطة والأقباط المصريين، وتحويل الأزمة من مجرد خلاف سياسي إلى معركة دينية، طُبعت ووُزعت عن طريق دور نشر موجودة في القاهرة، بل وشاركت في أجنحة البيع المخصصة في المعارض الفكرية والثقافية الرسمية في الدولة المصرية بين عامي 2014 و2015.
لم يقتصر اللوبي "الإخواني" على اختراق سوق الطباعة والنشر، بل اتجه إلى تأسيس "مراكز الترجمة الثقافية" التي عملت على الترويج لغالبية المصنفات الفكرية لرموز المكون "الإخواني" باللغات الأجنبية، ونقلها في المحافل الثقافية الدولية، إلى جانب النشاط المكثف للمؤسسات التابعة للتنظيم الدولي في الغرب، لا سيما الملحقة بالمراكز الإسلامية.
أدركت جماعة "الإخوان" أهمية دور النشر ومدى تأثيرها في صناعة حواضنها الفكرية والتنظيمية، ومن ثم غلفت كياناتها الجديدة بضوابط من السرية المطلقة، مثلما فعلت من قبل في اختراق مؤسسات الدولة المصرية والتغلغل في أروقتها، وتوعدت بمعاقبة مَن يحاول إسقاط النقاب عنها، أو هتك سترها وغموضها.
التمدد الفكري لجماعات الإسلام الحركي يعتبر أكثر تعقيدًا في ظل بقاء منظومة النشر الثقافي التابعة لهذه المكونات الأصولية وقوتها، وما يتبعها من دوائر مجتمعية متأثرة بمنهجها، مهما حاولت المواجهة الأمنية تحجيم تموضعها في عمق الدولة المصرية أو المنطقة العربية، لحيويتها في تحقيق الاستمالة الفكرية، ومن ثم عوائدها وفوائدها في التجنيد التنظيمي.



