رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

صناعة الإرهاب: الفكر التكفيري بين الخطاب الفقهي والعمل المسلح

الجماعات الإرهابية
الجماعات الإرهابية المسلحة -أرشيفية

تمثل الأدبيات الفكرية والتنظيرية أحد أخطر الأسلحة التي اعتمدت عليها التنظيمات التكفيرية المسلحة في بناء رؤيتها العقائدية وتبرير ممارساتها للعنف المسلح، إذ لم تنشأ تلك التنظيمات بمعزل عن تراث فكري مؤدلج سعى إلى إعادة تأويل النصوص الدينية وتوظيفها خارج سياقاتها التاريخية والفقهية. 

وقد أسهمت مجموعة من الكتب والمنشورات في ترسيخ مفاهيم التكفير، واستباحة الدماء، ونزع الشرعية عن الدولة الوطنية ومؤسساتها، لتتحول هذه المؤلفات إلى مراجع حاكمة تُدرّس لعناصر التنظيمات وتُستخدم كأدوات للتجنيد والتعبئة وتبرير العنف والتطرف.

وفي هذا السياق، تستعرض هذه الدراسة أبرز الكتب المرجعية التي شكّلت البنية الفكرية للتنظيمات التكفيرية المسلحة، مع إلقاء الضوء على مضامينها الأيديولوجية ودورها في صياغة خطاب التطرف وإدارة دوائر العنف.

كتاب ملة إبراهيم 
كتاب ملة إبراهيم 

أولًا: كتاب "ملة إبراهيم"

يُعد كتاب "ملة إبراهيم" من أخطر الأدبيات التي صاغت مفاهيم تيار السلفية الجهادية المسلحة، باعتباره كتابًا تبنّى التوسع في التكفير، وخصّصه أبو محمد المقدسي للهجوم على المملكة العربية السعودية. ويلتقي الكتاب مع ما جاء في "معالم في الطريق" في درجة تأثيره وصياغته الأيديولوجية، إذ يعتمد على وصف الأنظمة الحاكمة بـ"الطاغوتية"، التي يجوز استهداف ممثليها والنيل من مؤسساتها، في إطار مفهومي الولاء والبراء، وعدم الانتماء إلى المؤسسات الوطنية السياسية والخدمية والقضائية والأمنية وغيرها.  

إدارة التوحش
إدارة التوحش

 

ثانيًا: كتاب “إدارة التوحش”

يُعد كتاب "إدارة التوحش" لـ"أبو بكر الناجي" من أخطر إنتاجات التطرف والتكفير لتنظيم "القاعدة"، ثم اعتمده تنظيم "داعش"، ليصبح أحد المرجعيات في تأهيل العناصر فكريًا وحركيًا. وقد كتبه أبو بكر الناجي، الاسم المستعار لـ"محمد خليل الحكايمة"، أحد أعضاء "الجماعة الإسلامية" في القاهرة، وكان ضمن المجموعة التي رفضت مراجعات الجماعة الإسلامية في مصر، وانضمت إلى تنظيم القاعدة لاحقًا.

يشرح الحكايمة في كتابه "إدارة التوحش" أن الأمة تمر بثلاث مراحل: الأولى "جهاد النكاية"، والمرحلة الثانية "عموم الفوضى" في المناطق التي يضربها التوحش، وهنا يجب العمل على "إدارة التوحش"، والثالثة "التمكين وتأسيس الدولة الإسلامية" – على حد زعمه.

معالم في الطريق 
معالم في الطريق 

 

ثالثًا: معالم في الطريق

لا تخلو إصدارات تنظيم "داعش" من أفكار وأدبيات سيد قطب، ومنها استشهاد أغلب إصدارات التنظيم بمقولة سيد قطب في "في ظلال القرآن" (3/1543): "فالاستعداد بما في الطوق فريضة تصاحب فريضة الجهاد"، وهو نص يأمر بـ"إعداد القوة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها، فهي حدود الطاقة إلى أقصاها، بحيث لا تقعد العصبة المسلمة عن سبب من أسباب القوة يدخل في طاقتها".

وبالعودة إلى كتاب أيمن الظواهري، الزعيم السابق لتنظيم القاعدة، "فرسان تحت راية النبي"، قال فيه: (إن سيد قطب هو الذي وضع دستورنا في كتابه "معالم في الطريق"، وإن سيد هو مصدر الإحياء الأصولي، وإن كتابه "العدالة الاجتماعية في الإسلام" يُعد أهم إنتاج عقلي وفكري للتيارات الأصولية، وإن فكره كان شرارة البدء في إشعال الثورة ضد أعداء الإسلام في الداخل والخارج).

رابعًا: كتاب "فصول في الإمامة والبيعة"

كتاب فقه الجهاد 
كتاب فقه الجهاد 

يُعتبر كتاب "فصول في الإمامة والبيعة" من الأدبيات المفضلة لدى تنظيم "داعش"، وقد ألّف فصوله "أبو المنذر الشنقيطي"، أحد المرجعيات التي أصّلت لأفكار التطرف بشكل عام. ويقول الشنقيطي في كتابه إن "تنصيب الإمام واجب شرعي على المسلمين في كل مكان، ولا يختص به زمان دون زمان، ومن زعم أن نصب الإمام غير واجب في هذه الأيام فقد افترى على الله، لأنه عارض الائتلاف وزعم أن الشرع أقر الناس على التفرق والاختلاف".

 

خامسًا: كتاب "مسائل من فقه الجهاد" 

يعد كتاب "مسائل من فقه الجهاد" أو "فقه الدماء"، من المرجعيات الفكرية التي أصلت لمفاهيم القتل والذبح، وألفه فصوله أبو عبد الله المهاجر، المشهور بـ"عبد الرحمن العلي"، مصري الجنسية، وقد تلقّى علومه الإسلامية في باكستان، ورابطته علاقة وثيقة بـ"أبو مصعب الزرقاوي".

وتخرّج في الجامعة الإسلامية في إسلام آباد، وظل في أفغانستان حيث أنشأ مركزًا علميًا لنشر الفكر الأصولي في معسكر خلدن، ودرّس في مركز تعليم اللغة العربية في قندهار، ثم في معسكرات "المجاهدين العرب" في كابول خلال الحرب الأفغانية، وتولى التدريس في معسكر الزرقاوي في "هيرات". وكان مرشحًا لتولي مسؤولية اللجنة العلمية والشرعية في تنظيم "القاعدة".

وبحسب المسؤول الإعلامي الأسبق للقاعدة في العراق "ميسرة الغريب"، فإن المهاجر كان معتقلًا في السجون الإيرانية، وقد أُفرج عنه وعاد إلى مصر بعد أشهر من قيام ثورة يناير 2011. وله عدد من الكتب، منها "مسائل من فقه الجهاد"، ويُعرف لدى المتطرفين بـ"فقه الدماء".

يقع الكتاب في نحو 600 صفحة، ويُعد الأساس الفقهي لمعظم المنطلقات الفقهية والدينية لتنظيم "داعش"، والتي تفضي إلى أبشع وسائل القتل في التعامل مع المخالفين. إذ خصّص الكتاب فصلًا كاملًا بعنوان "مشروعية قطع الرؤوس"، أكد فيه أن قطع الرؤوس أمر مقصود، بل محبوب لله ورسوله، وساق المؤلف طرح انحرافاته الفكرية عبر تقديم شواهد فكرية وفقهية لتبرير وتسويغ مختلف وسائل القتل والتعذيب، فلم يكتفِ بالذبح والإحراق، وإنما تناول القتل بالإغراق بالماء، وهدم البيوت، والسعي إلى امتلاك الأسلحة الكيماوية والجرثومية.

دعوة المقاومة الإسلامية العالمية 
دعوة المقاومة الإسلامية العالمية 

سادسًا: كتاب "دعوة المقاومة الإسلامية"

يركز مؤلفه أبو مصعب السوري على تبنّي فكرة الجهاد والمقاومة المسلحة دون إطار تنظيمي وهيكلي، وعلى أهمية نتائج الدفع المسلح للأفراد فيما يُعرف باستراتيجية "الذئاب المنفردة"، في إسقاط الأنظمة ومؤسسات الدولة الكفرية – على حد تعبيره.

سابعًا: كتاب "معالم الطائفة المنصورة في بلاد الرافدين"

صاغ كتاب "معالم الطائفة المنصورة في بلاد الرافدين" عبد الله المهاجر، المعروف بـ"ميسرة الغريب"، عضو اللجنة الشرعية لتنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين". ويفسّر الكتاب سياسة التنظيم في التكفير والقتل واستباحة الدماء تجاه كل من يؤمن بالديمقراطية ويمارسها، ومن يقبل بالأحكام الوضعية ويحكم بها، ويكفّر الأحزاب الوطنية السياسية بتوجهاتها المتعددة، ويناهض فكرة الجماعة الأصولية التي تلعب دورًا سياسيًا أو تشارك في العملية الانتخابية.

ثامنًا: كتاب "أهل التوقف بين الشك واليقين"

يُعد كتاب "أهل التوقف بين الشك واليقين" أحد أشهر مؤلفات حلمي هاشم، المكنّى بـ"عبد الرحمن شاكر نعم الله"، ضابط الشرطة المصري السابق، والذي تولّى إدارة سجن القلعة، ووصل إلى رتبة مقدم قبل أن يُطرد من الخدمة. تم اعتقاله في سبتمبر 1982 بتهمة الانتماء إلى تنظيم الجهاد، وبعد خروجه من السجن في مارس 1983 انتهج المذهب التكفيري، وخصّص كتابه للرد على من يتوقفون عن تكفير الشعوب، وجعل تكفير من لم يكفّرهم من أصول الدين، ومن توقف في تكفيرهم فهو كافر. فعلى حد زعمه، فإن كل الديار اليوم دار كفر، والأصل في أهلها الكفر.

ألّف هاشم ما يزيد على نحو 25 مؤلفًا، من بينها: "التكفير بالعموم"، و"أحكام الذرية والرد على شبهات في الحاكمية"، و"أصحاب السبت"، و"أصحاب الحد"، و"الربوبية والطاغوتية"، و"الدار والديار"، و"حجة الله البالغة"، و"معالم سنن الاعتقاد"، و"نظرات في واقع محمد قطب المعاصر"، و"الطاغوت"، و"قاعدة من لم يكفر الكافر فهو كافر".

العمدة في إعداد العدة
العمدة في إعداد العدة

تاسعًا: كتاب "العمدة في إعداد العدة"

يُعد كتاب "العمدة في إعداد العدة" من أبرز ما كتبه الدكتور سيد إمام، أو سيد فضل، أو عبد القادر عبد العزيز،  أحد منظري الجهاد العالمي، والذي انتشرت كتبه في منطقة القبائل الأفغانية إبّان فترة "الجهاد الأفغاني". ويُعد الكتاب من أهم المرجعيات الفكرية التي استندت إليها السلفية الجهادية لاحقًا، وله كذلك كتاب "الجامع في طلب العلم"، ويُعتبر بمثابة دستور للتنظيمات التكفيرية المسلحة مثل "داعش" و"القاعدة".

عاشرًا: كتاب "الفريضة الغائبة"

يُعد كتاب "الفريضة الغائبة" الأساس الفكري الأول لتنظيم الجهاد المصري، وقد كتبه محمد عبد السلام فرج، الذي أُعدم عام 1982 في قضية اغتيال الرئيس المصري أنور السادات.

كتاب الفريضة الغائبة 
كتاب الفريضة الغائبة 

ومنذ نشأة تنظيم الجهاد في مصر عام 1966، لم يُكتب تأصيل فكري وفقهي وعقائدي مفصل للاستراتيجية التي تبناها التيار، وظل الأمر كذلك حتى عام 1980، إلى أن كتب محمد عبد السلام فرج كتابه "الفريضة الغائبة"، والذي يُعد البيان الفقهي لعملية اغتيال الرئيس السادات، وللاتجاه نحو العمل المسلح، بعد أن اعتمد تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية على بعض فتاوى وكتيبات ابن تيمية.

 

ختاما:

شكّلت الكتب الفقهية والفكرية للتنظيمات التكفيرية المسلحة الأساس الأيديولوجي الذي استندت إليه هذه الجماعات في بناء خطابها العقائدي وتبرير ممارساتها العنيفة.  ومن ثم أسهمت تلك المؤلفات في ترسيخ تعميم التكفير، وتحويل العنف إلى واجب ديني مُقدّس في وعي الأتباع.

 كما تبرز قراءة هذه الأدبيات عن حجم الانحراف في توظيف النصوص الدينية وتأويلها، تحقيقا لخدمة الأهداف الحركية والتنظيمية، ما يجعل تفكيك بنية هذا التراث المتطرف ضرورة ملحّة في إطار جهود المواجهة وتطبيق استراتيجيه الأمن الفكري، بما يحقق معادلة الحماية المجتمعية من الانزلاق نحو دوائر العنف والتكفير.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء