من قتل سيف القذافي؟ رصاصة الاغتيال تفضح دولة المليشيات في الغرب الليبي
نعى المجلس الرئاسي الليبي، اليوم الأربعاء، اغتيال المرشح الرئاسي سيف الإسلام معمر القذافي، مشيرًا إلى الإجراءات التي باشرتها النيابة العامة للتحقيق في ملابسات الواقعة وأسبابها، وداعيا جميع القوى السياسية إلى انتظار نتائج التحقيق الرسمي، لضمان عدم إفلات الفاعلين من العقاب"، مشددًا على أن ليبيا لا تُدار بالعنف، ولا تُبنى بالخوف والقتل خارج القانون، والدم الليبي حرام لا يجوز العبث به.
ومن جهته كشف الفريق السياسي لسيف الإسلام القذافي عن أن عملية اغتياله كانت باقتحام 4 مسلحين مجهولين لمنزله بمدينة الزنتان (200 كلم جنوب غرب العاصمة الليبية طرابلس)، ظهر الثلاثاء، وعمدوا إلى إطفاء الكاميرات، في محاولة بائسة لطمس معالم جريمتهم.
كما وصف محامي القذافي، الفرنسي مارسيل سيكالدي، أن مقتل سيف الإسلام جاء على يد "فرقة كوماندوز من 4 أفراد" في منزله بمدينة الزنتان. وأوضح المحامي لوكالة الصحافة الفرنسية أنه علم قبل نحو 10 أيام، من أحد المقربين من سيف الإسلام القذافي، "بوجود مشاكل تتعلق بأمنه".
وندّد موسى إبراهيم المتحدث السابق باسم نظام القذافي بالعملية ووصفها بـ "الفعل الغادر"، مشيرا إلى أنه تحدّث إليه قبل يومين، وكتب إبراهيم على منصة إكس أن سيف الإسلام "كان يريد ليبيا موحّدة وذات سيادة وآمنة لجميع سكانها، لقد اغتالوا الأمل والمستقبل وزرعوا الكراهية".
يُعد سيف الإسلام القذافي أحد أبرز الأسماء المثيرة للجدل في المشهد الليبي، وألقي القبض عليه في نوفمبر 2011، قبل أن يفرج عنه لاحقًا من قبل مجموعات مسلحة في مدينة الزنتان، ليختفي عن الأنظار حتى عام 2017.

وعاد سيف الإسلام للظهور نهاية عام 2020، معلنًا ترشحه للانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة عام 2021، في خطوة أعادت اسمه إلى واجهة الصراع السياسي، وترتبط به علاقات واسعة داخل الزنتان، حيث رفضت المجموعات المسلحة تسليمه للسلطات الليبية أو للمحكمة الجنائية الدولية، رغم صدور حكم بالإعدام بحقه عام 2015، وسط مخاوف من أن يتسبب مقتله في إعادة البلاد إلى دائرة الفوضى والصراع من جديد.
مقتل سيف القذافي يفتح الباب على مصراعيه أمام توجيه الاتهامات للقوى الفاعلة على الأرض والمتمثلة في الميلشيات المسلحة ذات الولاءات المتعددة والمتحصنة في مدن الغرب الليبي، وتضم الألاف المقاتلين والمسلحين متعددي، وتحولت لبديل عن الأجهزة الأمنية النظامية في ظل هيمنتها على مقدرات الدولة، وقيامها بأدوار رئيسية في إشعال الخلافات بين الجبهات المتصارعة على السلطة، وترتكز أخطرها وأهمها في مدن مثل طرابلس العاصمة، ومدينة الزاوية، ومدينة مصراتة.
غالبية القيادات الميليشية، ينتسبون لدائرة الجماعات الأصولية المتشددة، أو لائتلاف الإتجار في البشر، والمواد المخدرة والأسلحة الخفيفة، وتهريب الوقود والنفط، والتربح من عمليات السطو المسلح، ويعملون في إطار "زعماء العصابات"، سعيًا في إدارة الشبكات الممتدة من المرتزقة والمأجورين.
هيمنة المليشيات المسلحة في الغرب الليبي على أصول الدولة والمؤسسات الاقتصادية والتجارية، وتمويلها من مصرف ليبيا المركزي، جعلها تطمع في الثروة والسلطة معًا، فتم التخطيط لدمجها في منظومتي الداخلية والدفاع، في ظل تفاقم أزمة الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، والتعايش مع واقع العنف والجريمة.
الاقتتال والتصادم المسلح بين ميليشيات الغرب الليبي، يمثل السمة الغالبة على أوضاع المشهد الداخلي، في التدهور السياسي والاقتصادي والأمني، وتعثر الموقف مع القوى السياسية في الشرق الليبي، الممثلة في برلمان طبرق، برئاسة عقيلة صالح، ورئيس الحكومة أسامة حمّاد، فضلاً عن الجيش الوطني الليبي برئاسة المشير خليفة حفتر.

قوات رحبة الدروع
تضم العاصمة طرابلس عددًا من المليشيات الفاعلة في المشهد الداخلي، أمثال قوات "رحبة الدروع"، أو الكتيبة (33)، ويقودها بشير خلف الله، الملقب بـ "البقرة"، وتتمركز في منطقة تاجوراء، وعرف عنها تورطها في عمليات غير قانونية منها الاتجار بالبشر، والاختطاف من أجل الحصول على فدية مالية، كما ترتبط بصلات وعلاقات وطيدة بمفتي ليبيا المعزول "الصادق الغرياني"، ومعظم منتسبيها ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين، كما تضم في طياتها معظم العناصر المتطرفة التي كانت موجودة سابقاً في مجموعات إرهابية شرقي البلاد مثل "مجلس شوري ثوار بنغازي"، و"مجلس شوري مجاهدي درنة"، و"أنصار الشريعة"، و"كتائب شهداء بوسليم".
ويليها ميليشيا "قوات الردع" بقاعدة معتيقة، ويزيد عدد مسلحيها على 5000 مقاتل، وتزعمها عبد الرؤوف كارة، المحسوب على "التيارات السلفية"، وتسيطر على عدد من المنشآت الليبية الكبرى، مثل المصارف، ووزارة الخارجية والجزء العسكري من مطار معيتيقة، الذي أصبح المطار الرئيسي في العاصمة بعد حرق مطار طرابلس الدولي عام 2014.
وفي 2018، تم حلها وإعادة تشكيلها من قبل "حكومة الوفاق الوطني"، ما أكسبها ثقلًا كبيرًا مع منحها اسم "جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة" وموازنة مالية مستقلة، وصلاحيات أوسع للقبض والتحري، وتنفيذ أوامر النائب العام، لتصبح فيما بعد أقوى الجهات الأمنية وأكثرها نفوذًا في العاصمة طرابلس.
وتضع "قوات الردع" قبضتها على سجن مطار طرابلس، المعروف بـ"غوانتانامو الليبي"، ويشرف عبد الرؤوف كارة، على عمليات التعذيب بنفسه ضد المحتجزين، وقد أشارت المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، إنه "أكبر مراكز الاحتجاز في غرب ليبيا"، ويشتهر بممارسة التعذيب وغيره من الانتهاكات والتجاوزات لحقوق الإنسان.
ويتولى الإشراف على إدارة التحقيقات بالسجن القيادي محمد الكيب، الملقب بـ"المحقق كونان"، أحد قيادات "الجماعة الليبية المقاتلة"، ويدير القسم النسائي، خالد الهيشري الملقب بـ "البوتي"، وأبرزت المفوضية تعرّض النساء للضرب والجلد والجذب من الشعر والإهانات والتهديدات ذات الطابع الجنسي.
وكانت الشرطة الإيطالية أوقفت آمر جهاز الشرطة القضائية الليبي أسامة نجيم الذي يشغل مدير مركز احتجاز سجن مطار طرابلس، بموجب مذكرة توقيف صادرة من المحكمة الجنائية الدولية، لتورطه في عمليات التعذيب والتنكيل بالمواطنين والناشطين الليبيين، ولم يحصل أسامة نجيم على تأهيل علمي يسمح له بتولي هذا المنصب، حيث كان يعمل قبل الأحداث الليبية في 2011، سائق سيارة ثم اندمج في الميليشيات إلى أن حصل على منصب قيادي في ميليشيات "قوات الردع".

وتم الإفراج عنه بسبب "خلل" في الإجراءات القانونية، ما تسبب في حالة من "القلق والخوف" لدى الكثيرين من المحسوبين على الميليشيات المسلحة في الغرب الليبي، خشية إدراجهم على قوائم الضبط والإحضار للجنائية الدولية بسبب ما قاموا به من انتهاكات بحق الليبيين في السنوات الماضية.
قوات دعم الاستقرار
يليها كذلك ميلشيات "قوات دعم الاستقرار" وتزعمها قبل مقتله الأشهر الماضية، عبد الغني الككلي، المعروف بـ"غنيوة"، وتتمركز في حي أبو سليم الشعبي، و"الهضبة" على أطراف مدينة طرابلس، وأجزاء من طريق المطار، وتدير أحد سجون طرابلس، وتتولى تأمين مناطق مهمة وحيوية في العاصمة بينها منشآت دبلوماسية، ويبلغ عدد مسلحيها نحو عشرة آلاف، مدججين بكل أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وتعدّ القوة الضاربة لحكومة عبد الحميد الدبيبة.
الإعلان عن تأسيس "قوات دعم الاستقرار" تم في يناير 2021، في إطار محاولة دمج الميليشيات المسلحة في أجهزة الدولة، ومنحها إمكانية تأسيس الفروع والمكاتب في المدن والمناطق، وتم تكليفها بتسع مهام رئيسية، تنحصر في حماية المقرات الرسمية للدولة، وحماية المسؤولين، وتأمين الاحتفالات والمناسبات الرسمية والشعبية، بالإضافة إلى تنفيذ العمليات القتالية، ومكافحة الشغب، وفض الاشتباكات وعمليات القبض وملاحقة المطلوبين في القضايا التي تهدد الأمن القومي للدولة، وذلك في تعدٍ على اختصاصات وزارة الداخلية ومختلف أجهزتها الأمنية.

وتورطت "قوات دعم الاستقرار" في فبراير 2023، في احتجاز (6) مصريين أقباط، داخل إحدى مقراتها في منطقة "الماية" غرب العاصمة الليبية طرابلس، وتم اتهامها من قبل منظمة العفو الدولية، في مايو 2022، بارتكاب جرائم وانتهاكات مع الإفلات من العقاب، مبينة أن عبد الغني الككلي، تولى منصبه، على الرغم من تاريخه الحافل بجرائم مشمولة في القانون الدولي.
ولعبت مليشيا "قوات الأمن العام" دورًا في مشهد الصراع الداخلي، وتزعمها عبدالله الطرابلسي، الملقب بـ"الفراولة"، شقيق عماد الطرابلسي وزير الداخلية الحالي، في حكومة عبد الحميد الدبيبة، وتفرض سطوتها على المؤسسات التجارية غرب طرابلس.
ورغم اتهام عماد الطرابلسي، بالإتجار بالبشر وتهريب النفط، في تقارير "لجنة الخبراء" التابعة للأمم المتحدة، فإن قرار تعيينه وزيراً للداخلية، جاء بمثابة "المكافأة" نظير وقوفه مع عبد الحميد الدبيبة في صراعه الدائر حول السلطة.
ويتبعها مليشيا "الكتيبة 55 "، وتتمركز جنوب طرابلس، وصدر لها قرار من وزارة الدفاع التابعة لحكومة الدبيبة في أكتوبر2022، بتحويلها إلى كتيبة نظامية، ويتزعمها معمر الضاوي، أحد أهم الشخصيات المليشياوية في الغرب الليبي، المرتبط بعلاقات قوية مع السفير الأمريكي.

ويليها مليشيا "444"، التي تمثل أصبحت جزء من هيئة الدفاع الحربي، وتعد من أهم المليشيات في المنطقة الغربية، وتضم نحو 3 آلاف مسلح، وتزعمها محمود حمزة، الذي تولى رئاسة جهاز الاستخبارات العسكرية، وبات يحظى بقبول لدى بعض القوى الإقليمية، وتتمركز الكتيبة في مساحة كبيرة من معسكر التكبالي، وترهونة، وبني وليد، وتمارس مهام خارجية على المناطق الحدودية الصحراوية، وسبق اتهامها بالتورط في الأعمال الإجرامية.
قوات حرس السواحل
وتعتبر ميليشيا "قوات حرس السواحل"، من أخطر التنظيمات المتورطة في عمليات الإتجار بالبشر، وتزعمها أشرف عبد الرحمن ميلاد، المعروف بـ"البيدجا"، الذراع اليمنى لـ "محمد كشلاف"، الشهير بـ "القصب"، أشهر مهربي الوقود والهجرة غير شرعية، والاتجار في المواد المخدرة، وصدر ضدهما عقوبات من مجلس الأمن، وفقًا لتقرير مجلس الأمن الدولي في يونيو 2018.
وقد نشرت وسائل إعلام ليبية صورًا لـ"البيدجا"، خلال إشرافه على اختبارات الطلبة الجدد المتقدمين إلى "الأكاديمية البحرية" بمنطقة "جنزور" في العاصمة طرابلس، وذلك عقب تعينه "قائد عسكري للأكاديمية البحرية".
ودخلت قوات الـ"كشلاف" في اشتباكات عنيفة، مع قوات "المنطقة العسكرية الساحل الغربي" التي يرأسها صلاح النمروش، في مدينة الزاوية غرب ليبيا، في محاولة للسيطرة على مصفاة تكرير النفط، حيث يسعى كل طرف لبسط نفوذه على المصفاة.
وداخل مدينة الزاوية، تتواجد وتتنافس مجموعات مسلحة امتهنت تهريب الوقود المدعم، مما زاد من قوتها المالية والعسكرية، وأدى لوقوع اشتباكات متكررة زادت وتيرتها وحدتها خلال السنوات الأخيرة، إذ تعتبر مدينة "الزاوية" مركزًا مهما لتكتلات "الإسلام الحركي"، لا سيما المليشيات التابعة لتنظيم "القاعدة"، و"جماعة الإخوان"، في ظل احتواء المدينة على أكبر مصفاة نفطية في ليبيا، ويخرج منها خط "جرين استريم"، المعني بنقل الغاز إلى إيطاليا.

وتمارس غالبية مليشيات مدينة "الزاوية" جرائم الإتجار في البشر، والتهريب وتجارة المخدرات والسلاح، وينتمي إليها عدد من أشهر العناصر المسلحة أمثال: شعبان هدية المعروف بـ"أبو عبيدة الزاوي"، الموالي للتنظيم "القاعدة"، وأحد مؤسسي "الجماعة الليبية المقاتلة" في الداخل الليبي، وكان أحد المتورطين في الهجوم على السفارة المصرية 2016.
مليشيات مصراتة
كما تُعد "مليشيات مصراتة" أكبر قوة في مدن الغرب الليبي، ويقدّر تعدادها بأكثر من 17 ألف مقاتل، وتمتلك آلاف العربات المسلحة ومئات الدبابات وعشرات الطائرات العسكرية، إضافةً إلى مخازن للأسلحة، ويأتي على رأسها مليشيات "الصمود" ويتزعمها صلاح بادي، أحد مؤسسي ميليشيات "فجر ليبيا" التابعة لجماعة الإخوان، والمدرج على قائمة عقوبات مجلس الأمن الدولي، والخزانة الأمريكية، بتهمة تقويض الاستقرار والأمن في ليبيا.

وتُعتبر مليشيا "لواء المحجوب"، أحد التشكيلات التابعة لما يعرف بالمجلس العسكري لمصراتة، وتعد من نقاط الارتكاز الرئيسية لحكومة الدبيبة، في ظل اندماجها مع ميليشيا "الحرس الوطني"، التي تضم عددًا من عناصر "الجماعة الإسلامية المقاتلة"، بقيادة عبد الحكيم بلحاج.
في النهاية، لا يمكن قراءة اغتيال سيف القذافي باعتباره حادثًا أمنيًا معزولًا، بل هو مؤشر صريح على واقع الغرب الليبي الذي تحكمه المليشيات وتعدد مراكز القوة، في ظل دولة عاجزة عن فرض سيادتها أو احتكار السلاح. فالجريمة، بما تحمله من رسائل سياسية وأمنية، تفتح الباب أمام موجة جديدة من التصعيد وإعادة الاصطفاف، وتضع مستقبل الاستقرار والانتخابات أمام اختبار شديد القسوة. وبين صراع النفوذ، وتغوّل الجماعات المسلحة، يبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع ليبيا كسر حلقة “فوضى السلاح” وبناء دولة القانون، أم أن الاغتيالات ستظل هي اللغة الأكثر حضورًا في معركة السلطة؟



