رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حظر جماعة الإخوان في لبنان: بين أزمة صراع الأجنحة والخضوع لمحور الممانعة

قوات الفجر الإخوانية
قوات الفجر الإخوانية في لبنان - أرشيفية

أدرجت الإدارة الأمريكية الفرع اللبناني لجماعة الإخوان، المتمثل بـ"الجماعة الإسلامية" على لائحة المنظمات الإرهابية الأجنبية، وهو التصنيف الأشدّ قانوناً، مع ما يترتّب عليه من تجريم لأي دعم مباشر أو غير مباشر، في وقت ربطت فيه الإدارة الأمريكية الخطوة باتهامات تتعلق بنشاطات عسكرية ودعم لحركة "حماس".

في المقابل، أصدرت "الجماعة الإسلامية" بيانًا رفضت فيه التصنيف الأمريكي، مؤكدة أن القرار "سياسي وإداري ولا يستند إلى أي حكم قضائي لبناني أو دولي، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني داخل لبنان". وشددت على أنّ المرجعية الوحيدة في الداخل اللبناني تبقى الدستور والقوانين المرعية الإجراء ومؤسسات الدولة.

وبموجب التصنيف، ينعكس القرار مباشرة على الجانب المالي، إذ يجعل تقديم أي دعم مادي للجماعة جريمة جنائية. وتشير التحديثات الصادرة في يناير2026 إلى تجميد أصول شخصيات لبنانية مرتبطة بالجماعة ومؤسسات تابعة لها في المصارف التي تتعامل ضمن النظام المالي العالمي (SWIFT).

محمد طقوش- المراقب العام للإخوان في لبنان
محمد طقوش- المراقب العام للإخوان في لبنان

وشمل التصنيف جمعيات ومؤسسات إغاثية وتربوية، بينها جمعية "الارتقاء" ومؤسسة "بيت الدعوة" وجمعية "البركة – فرع لبنان"، إضافة إلى شخصيات قيادية، على رأسها الأمين العام للجماعة محمد طقوش، ورئيس مكتبها السياسي باسم حمود، وأسماء أخرى مرتبطة بإدارة شبكات مالية عابرة للحدود. كما استهدف القرار الهيكل القيادي لـ"قوات الفجر" ككيان كامل، ما يجعل أي موقع قيادي فيه عرضة للعقوبات. ويستند التصنيف، بحسب واشنطن، إلى تقارير استخباراتية تتحدث عن تنسيق مع "حركة حماس" وتبنّي هجمات صاروخية منذ 2023.

 الأيديولوجية الفكرية 

تُعدّ الجماعة الإسلامية في لبنان أحد أبرز التنظيمات الإسلامية السنية ذات الامتداد التاريخي في البلاد، وتمثّل حالة خاصة من حالات تكيّف الفكر الإخواني مع بيئة سياسية وطائفية شديدة التعقيد. فمنذ تأسيسها في ستينيات القرن الماضي، ظلّت الجماعة تتحرك بين ثنائية الانتماء الأيديولوجي لجماعة الإخوان ، ومتطلبات الواقع اللبناني الذي يفرض حسابات مختلفة عن تلك التي تحكم عمل الجماعات الإسلامية في دول مركزية مثل مصر أو الأردن.

قوات الفجر الإخوانية في لبنان - أرشيفية 
قوات الفجر الإخوانية في لبنان - أرشيفية 

نشأت الجماعة الإسلامية رسميًا عام 1964، متأثرة بأفكار حسن البنا ومنهج جماعة الإخوان المسلمين القائم على شمولية الإسلام، وبناء التنظيم، والعمل المتدرّج داخل المجتمع، وقد ساهم وجود عدد من كوادر الإخوان الهاربين من الملاحقات الأمنية في مصر وسوريا آنذاك في نقل التجربة الإخوانية إلى لبنان، ليصبح البلد ساحة خلفية لنشاط التنظيم الدولي، ومركزًا مهمًا للتواصل الفكري والتنظيمي مع أوروبا والخليج.

الدور المحوري لفتحي يكن

لم تولد "الجماعة الإسلامية" في لبنان كتنظيم سياسي يسعى إلى الحضور في البرلمان، بل بدأت كتيار دعوي صغير في الخمسينيات والستينيات، متأثرًا مباشرة بفكر "الإخوان" في تلك اللحظة، وجد عدد من الشباب المتدينين في "الفكر الإخواني" إطارًا فكريًا وتنظيميًا، فانبثقت "حركة الإخوان في لبنان"، بالتوازي مع جمعية "عباد الرحمن" التي لعبت دور الواجهة الاجتماعية والدعوية في بيروت وطرابلس وصيدا.

يومها كان المشهد السنّي اللبناني يتوزّع بين زعامات تقليدية وشخصيات دينية، فيما كانت موجة "الإسلام السياسي" تصعد في العالم العربي، قبل أن تتبلور "الجماعة الإسلامية" ككيان موحَّد في عام 1964 بقيادة خلية مؤسِّسة ضمّت الداعية فتحي يكن، الذي سيصبح لاحقًا أحد أبرز رموز الحركة الإسلامية في لبنان والعالم العربي.

قوات الفجر الإخوانية في لبنان - أرشيفية 
قوات الفجر الإخوانية في لبنان - أرشيفية 

حصل فتحي يكن في 18 يونيو 1964 على موافقة وزارة الداخلية على شرعية وجود الجماعة، ليكون أول أمين عام لها، وليصبح للإسلاميين دور في المشهد السياسي. تلا ذلك إعلان الجماعة إصدار مجلة "الشهاب" الإسلامية عام 1964، ثم تأسيس جامعة الجنان الإسلامية على يد فتحي يكن وزوجته منى حداد عام 1988، كما كان لفيصل مولوي دور كبير في تأسيس الجماعة.

اعتمدت "الجماعة الإسلامية"، شأنها شأن جماعة الإخوان، على شبكة واسعة من المؤسسات الاجتماعية والدعوية، تشمل الجمعيات الخيرية والمدارس والمراكز الإسلامية، وهي أدوات وفّرت لها حضورًا ملموسًا داخل بعض البيئات السنية، خصوصًا في طرابلس وصيدا والبقاع. غير أن هذا النشاط الاجتماعي لم يكن بعيدًا عن الجدل، إذ لطالما أثار تساؤلات حول مصادر التمويل، وطبيعة العلاقة بين العمل الخيري والبنية التنظيمية المغلقة.

الحرب الأهلية

مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، لم تستطع "الجماعة" أن تبقى خارج دوامة السلاح، فأنشأت وحدات قتالية حملت اسم "المجاهدون"، شاركت بشكل محدود في خطوط التماس، وتركّز دورها في حماية المناطق ذات الثقل الإسلامي السنّي، خصوصًا في بيروت وصيدا وطرابلس.

قوات الفجر الإخوانية في لبنان - أرشيفية 
قوات الفجر الإخوانية في لبنان - أرشيفية 

لكن انتقال "الجماعة" النوعي نحو العمل العسكري ظهر بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، إذ أسّست قوات "الفجر"، وهي جناح مقاوم شنّ عمليات ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب وإقليم الخروب وصيدا، واستمر نشاطه سنوات طويلة بالتنسيق أحيانًا مع فصائل فلسطينية، ولاحقًا مع "المقاومة الإسلامية" بقيادة "حزب الله".

الجماعة والتمثيل النيابي

رغم جذورها الدعوية ومشاركتها العسكرية، دخلت "الجماعة" مبكرًا إلى العمل السياسي المنظّم. ففي انتخابات 1992 النيابية، وهي الأولى بعد اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب اللبنانية، خاضت "الجماعة" المعركة مباشرة، وحققت انتصارًا كبيرًا بفوز ممثلها فتحي يكن عن قضاء طرابلس بالنيابة، وشاركه الفوز عضوان عن قضاءي الضنية وبيروت. ولفتت هذه النتائج انتباه السلطات التي حاولت تحجيم دور الجماعة الإسلامية، فلم تحصد إلا مقعدًا واحدًا عن عكار عام 1996، لينتهي دورها النيابي عام 2000 في ظل ما يُعرف بقانون غازي كنعان، مما دعاها إلى مقاطعة الانتخابات النيابية عام 2005، إلا أنها عادت بفوز النائب عماد الحوت في انتخابات عام 2009.

قوات الفجر الإخوانية في لبنان - أرشيفية 
قوات الفجر الإخوانية في لبنان - أرشيفية 

وبعد الانتخابات الداخلية الأخيرة التي أجرتها الجماعة صيف 2022، اختير محمد طقوش أمينًا عامًا خلفًا لعزام الأيوبي، ولفتت الجماعة الأنظار بتصريح رئيس مكتبها السياسي علي أبو ياسين، الذي قال إن الجماعة قد أعلنت التعبئة العامة والجهاد، وفتحت باب التطوع في قوات الفجر.

ومع انتخاب محمد فوزي طقوش أمينًا عامًا للجماعة عام 2022، دخل التنظيم مرحلة جديدة من التموضع السياسي من خلال التقرب أكثر من حزب الله وحماس. 

التقارب مع حزب الله 

بقيت علاقة "الجماعة الإسلامية" بالقوى اللبنانية رهينة حسابات دقيقة. ففي حين حافظت على قناة تواصل مفتوحة مع تيار "المستقبل" لسنوات طويلة، أبقت مسافة محسوبة مع "حزب الله" رغم التقاطع في ملف المقاومة ضد "إسرائيل". أما عربيًا، فكان تقاربها الأكبر مع قطر، وكذلك مع تركيا وبعض الدوائر القريبة من "الإخوان".

قوات الفجر الإخوانية في لبنان - أرشيفية 
قوات الفجر الإخوانية في لبنان - أرشيفية 

تحاول "الجماعة الإسلامية" اليوم استعادة حضورها، في ظل تحوّلات لبنانية وإقليمية كبرى. وعلى الرغم من محدودية قوتها مقارنة بالعقود السابقة، فإنها لا تزال تمثّل امتدادًا لبنانيًا لخط فكري–سياسي عابر للحدود، وتعبّر عن شريحة اجتماعية محافظة تبحث عن تمثيل سياسي من خارج الاصطفافات التقليدية. هي جماعة تكيّفت مع الحرب كما مع السلم، وتنقلت بين السلاح وصندوق الاقتراع، من دون أن تتخلى عن رايتها الإسلامية الأولى.

عندما انتُخب عزام الأيوبي عام 2016 أمينًا عامًا لـ"الجماعة الإسلامية"، والذي يمثّل التيار الإصلاحي الساعي للتخفف نسبيًا من الإرث الأيديولوجي لجماعة "الإخوان" والانفتاح على القوى السياسية المحلية، عاد اسم الذراع العسكرية للجماعة للتداول، عندما اتخذ الأيوبي قرارًا بإقالة قائد "قوات الفجر" خالد بديع وقيادات عسكرية أخرى. وأتى قرار الأيوبي بعدما اكتشف وجود مخالفات مالية وتنظيمية في عمل الجهاز، بالإضافة إلى رفض تسليمه أي وثيقة رسمية حول المنتسبين وعددهم المقدّر بنحو 1000 عنصر، وعيّن الأيوبي طلال الحجار من منطقة إقليم الخروب جنوبي بيروت قائدًا جديدًا للجهاز.

الانقسام العسكري

لكن جميع المعزولين رفضوا تنفيذ القرار وأصرّوا على الاستمرار في مواقعهم، الأمر الذي أحدث انشقاقًا في جدار المكوّن العسكري، انشطرت على إثره "قوات الفجر" إلى قسم يقوده خالد بديع ويتمركز في صيدا (مسقط رأس بديع) وطرابلس وعكار، وقسم آخر بقيادة الحجار يتبع له الأعضاء من الإقليم ومناطق الكثافة السنية في ساحل جبل لبنان والبقاع.

وفي الوقت الذي شهد فيه انشطار المكوّن العسكري، اهتزّ الإطار السياسي كذلك ما بين خطين مختلفين سياسيًا؛ أحدهما موالٍ لتركيا وقطر، والآخر دخل في تحالف مع "حزب الله" و"محور الممانعة". وقد تزعم الخط الأول عزام الأيوبي وقيادات أخرى مثل النائب الحالي والوحيد للجماعة عماد الحوت، فيما كانت بصمات حركة "حماس" واضحة في الخط الثاني، وغالبية وجوهه من القيادات الأمنية أو العسكرية، التي تمكّنت من التأثير في صناعة القرار الداخلي للجماعة الإسلامية من خلال انتخاب مجلس شورى ومكتب سياسي للجماعة يدوران في فلك "حماس" ويؤيدان خياراتها. إذ تم انتخاب الشيخ محمد طقوش في أغسطس 2022 أمينًا عامًا للجماعة، والذي يميل إلى توجهات "محور الممانعة"، فضلًا عن تلقيه تمويلات لدعم الجناح المسلح.

عمرو فاروق*

 باحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء