رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

براجماتية البقاء: أين يقف فرع "الإخوان في إيران" من احتجاجات طهران؟

احتجاجات إيران -
احتجاجات إيران - أرشيفية

في ظل التوتر الدائر في الداخل الإيراني، أين يقف اتباع حسن البنا؟، هل يعلنون موجهة ابناء الخميني؟، هل يدعمون التظاهرات المشتعلة في قلب العاصمة طهران؟، هل يشكلون جبهة داخلية تعلن رفضها لانتهاكات "النظام الصفوي" ضد المدنيين؟، هل يقفون في خندق القوى السنية ويدعمون مطالبها؟ أم يتخلون عن الجميع ويبحثون عن مصالحهم على هامش الورطة السياسية التي وقعت فيها "ولاية الفقيه"؟.

رغم ارتفاع الأصوات المناهضة للحكومة الإيرانية لم تعلن جماعة "الدعوة والإصلاح"، (الممثل الرسمي عن جماعة الإخوان في طهران، والتي تأسست على يد أحمد مفتي زاده، وناصر سبحاني عام  1979)، عن موقفها من الأحداث الجارية، في ظل التزامها واقعيًا بالصمت التام، وذلك لاعتبارات تاريخية وفكرية وسياسية. 

عبد الرحمن بيراني مع يوسف القرضاوي
عبد الرحمن بيراني مع يوسف القرضاوي

تُمثّل جماعة الدعوة والإصلاح، بوصفها الامتداد الفكري والتنظيمي لجماعة الإخوان داخل إيران، حالة فريدة في خريطة الإسلام السياسي الإقليمي؛ فهي تتحرك داخل نظام ديني شيعي صارم، بينما تنتمي فكريًا إلى مدرسة الإخوان السُّنية ذات البعد الحركي والسياسي. هذا التناقض البنيوي يفرض على الجماعة هامش حركة بالغ الحساسية، يظهر بوضوح في موقفها من موجات الاحتجاجات المتكررة التي تضرب عمق العاصمة طهران.

براجماتية حذرة 

منذ اندلاع الاحتجاجات في طهران، سواء ذات الطابع الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي، اتسم موقف جماعة "الدعوة والإصلاح" بالتحفظ الشديد وتجنب الانخراط المباشر أو الدعم العلني. فالجماعة تدرك أن أي اصطفاف صريح مع الشارع الغاضب قد يُفسَّر من قِبل النظام باعتباره تهديدًا أمنيًا أو محاولة اختراق سني-إخواني للنظام الشيعي، وهو ما قد يعرّض بنيتها التنظيمية المحدودة أصلًا إلى التفكيك الكامل، ومن ثم انضمامها إلى صفوف القوى الثائرة ضد النظام الصفوي، احتمالية مستبعدة في إطار خضوعهم لتوجهات التنظيم الدولي لجماعة الإخوان، وحساباته المعقدة ومصالحه مع "الدولة الخمينية".

عبد الرحمن بيراني مع قيادات النظام الإيراني
عبد الرحمن بيراني مع قيادات النظام الإيراني

لذلك، تفضل الجماعة خطابًا عامًا يركّز على مفاهيم العدل الاجتماعي، محاربة الفساد، وضرورة الاستجابة لمطالب الشعب دون تحميل المسؤولية المباشرة لمؤسسات الحكم أو المرشد، في محاولة للإمساك بالعصا من المنتصف، وفي إطار ذلك ينقسم خطابها إلى خطاب داخلي يلتزم بلغة إصلاحية ناعمة، تدعو إلى التهدئة والحوار، وتحذر من الفوضى والانزلاق نحو العنف، متماهيًا جزئيًا مع السردية الرسمية التي تَعتبر الاحتجاجات خطرًا على الاستقرار، وخطاب أخر عبر منصات غير رسمية يظهر تعاطف أكبر مع المحتجين، مع التأكيد على فشل النموذج الاقتصادي والسياسي الإيراني في تلبية تطلعات الشباب، وهذه الازدواجية ليست جديدة، بل تعكس استراتيجية بقاء اعتمدتها الجماعة منذ تأسيسها داخل إيران.

هاجس المصير الإخواني

تتابع جماعة الدعوة والإصلاح عن كثب ما آلت إليه أوضاع فروع الإخوان في مصر، والسودان، وتونس، وليبيا، وهو ما جعلها أكثر نفورًا من سيناريو الصدام المباشر مع الدولة. فالاحتجاجات في طهران، رغم اتساعها، لم تصل إلى مستوى الانقسام الحاسم داخل مؤسسات الحكم، وهو ما يجعل الرهان عليها مغامرة خاسرة من منظور الجماعة. وبالتالي، تفضّل الجماعة الانتظار، وقراءة موازين القوى، وعدم حرق أوراقها التنظيمية في لحظة سيولة سياسية غير مضمونة النتائج.

عبد الرحمن بيراني مع قيادات حماس
عبد الرحمن بيراني مع قيادات حماس

التناقض الأيديولوجي  

جزء معتبر من الاحتجاجات في طهران يتخذ طابعًا علمانيًا أو معاديًا لرجال الدين، ويستهدف صلب النظام الديني نفسه، وهو ما يضع جماعة الدعوة والإصلاح في مأزق أيديولوجي؛ فهي، رغم خلافها مع ولاية الفقيه، لا تستطيع دعم حراك يطعن في فكرة "الدولة الدينية" من الأساس، لأن ذلك ينسف مرجعيتها الفكرية هي الأخرى. لذلك، يقتصر تعاطفها على البعد المعيشي والاقتصادي للاحتجاجات، مع تجاهل أو رفض الشعارات الجذرية المطالبة بإسقاط النظام.

بدت العلاقة بين "إخوان إيران" و"النظام الملالي"، ظاهريًا متوترة منذ تأسيس الحركة في العمق الإيراني، وبلغت ذروتها باعتقال أحمد مفتي زاده عشر سنوات متصلة، وإعدام زعيمها الروحي ناصر سبحاني عام 1989، في إطار حالة استبدادية مارسها ابناء الخميني على مختلف الأصعدة السياسية والعقائدية والاجتماعية، وتخوفات من تمدد المذهب السني، وسقوط وتفكك دولتهم تدريجيًا بعد تغليفها بعباءة عقائدية. 

حالة الصمت الإخواني تجاه جرائم "النظام الصفوي" لم تتوقف عند جماعة "الدعوة والإصلاح" الإيرانية، لكنها شملت كذلك مؤسسات التنظيم الدولي، التي لم تعلن عن موقفها حيال الأوضاع المضربة في العاصمة طهران، لا تأييدًا ولا شجبًا، وغضت طرفها عن القمع والتعذيب والقتل الممارس تجاه المناهضين للنظام وقيوده.

عبد الرحمن بيراني من الامين لمجلس  علماء المسلمين - أرشيفية
عبد الرحمن بيراني من الامين لمجلس  علماء المسلمين - أرشيفية

في ظل تصاعد الاحتجاجات في عمق طهران تداول تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، بياناً منسوباً لـ"الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، (التابع للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان)، منددًا بالتظاهرات الإيرانية الراهنة، ومطالبًا باتخاذ الإجراءات الصارمة تجاه من وصفهم بـ"العملاء المخربين"، ليخرج عقبها أمين عام "اتحاد علماء المسلمين"، علي القرة داغي، نافيًا صحة البيان، ومعتبرًا أنه "صنع في الغرف المظلمة" على حد تعبيره.

يوسف ندا عراب الصفقة 

التفاهمات التي قادها المتحدث الرسمي الأسبق للتنظيم الدولي، يوسف ندا، في تسعينات القرن الماضي، حركت المياه الراكدة بين الحركة الإخوانية و"النظام الصفوي"، ودفعت إلى توافق المصالح بينهما، وتحولها لذراع تابعة للحرس الثوري الإيراني في عمق المنطقة العربية، رغم عدم إشهارها والاعتراف بها رسميًا.

هيمنة عبد الرحمن بيراني، على رأس سلطة جماعة "الدعوة والإصلاح" الإخوانية، منذ عام 1991، مهد الطريق بين الحركة و"النظام الملالي" والحرس الثوري، في بناء قواسم مشتركة على مستوى المصالح المتبادلة، لاسيما في ظل عضويته بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وقيامه بدور وسيط وعراب للاتفاقات بين "ولاية الفقيه" والقوى الإسلاموية الأصولية في المنطقة العربية والشرق الأوسط.

خالد مشعل مع المرشد الإيراني
خالد مشعل مع المرشد الإيراني

على خطى التنظيم الدولي، لم تخف جماعة "الدعوة والإصلاح" الإخوانية، وأمينها العام، عبد الرحمن بيراني، تأييدها لـ"لنظام الصفوي" في بيانات رسمية، منحتهم تقليد المناصب الإدارية، والاستحواذ على مقاعد برلمانية، في إطار علاقة مرنة جمعت بينهما على مدار السنوات الماضية.

لعب عبد الرحمن بيراني، دورًا في تهدئة الأوضاع بين أنقرة وطهران، في ظل توتر العلاقات بينهما حول المشهد السوري، وتحديدًا في عام 2017، كمبعوث رسمي مرسل من الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، فضلًا عن دوره في نقل الرسائل بين "النظام الملالي"، وحركة "حماس". 

في أعقاب الإطاحة بحكم "المرشد" في 30 يونيو 2013 بالقاهرة، استثمر عبد الرحمن بيراني علاقته الجيدة بـ"النظام الصفوي"، داعيًا إلى تنظيم تظاهرات مناهضة للجيش المصري، في شوارع طهران، بقيادة جليل بهرامي، مسؤول الهيئة التنفيذية بالجماعة، رافعين شعار "رابعة".

نواب صفوي وسيد قطب
نواب صفوي وسيد قطب

سقوط "دولة الخميني" يمثل ضربة قوية لمعسكر "الإسلام السياسي"، ونموذجًا حيًا على فشل التجارب الإسلاموية في الوصول إلى السلطة، وعلى رأسهم جماعة الإخوان التي روجت للثورة الإيرانية، على أنها ملهمة للحركات الأصولية في تحقيق مزاعم قيام "الخلافة الإسلامية" شرقًا وغربًا.

العلاقة الوثيقة والتاريخية بين "النظام الإيراني" وجماعة "الإخوان المسلمين"، تغلفها جوانب أيدلوجية فكرية، ومساعي سياسية توسعية في إطار قواسم مشتركة ومتركزة في "مبادئ الحاكمية" التي رسخها سيد قطب وأبي الأعلى المودودي، وتجاوزهما لـمفاهيم "الدولة الوطنية والحدود الجغرافية"، فضلاً عن صياغتهما لمشروع "دولة الخلافة".

مظاهرات  إيران 
مظاهرات  إيران 

رغم الخلافات المذهبية فتحت طهران ذراعيها لجماعة "الإخوان"، والتيارات الأصولية المسلحة، ودعمتها وفقًا لأهداف ظاهرها التوافق، وباطنها التوظيف والاستغلال في إطار تدميرها للإسلام السني، واستكمال تمدد مذهبها الشيعي، وضمان ولائهم المطلق في عدم تهديد مصالحها السياسية أو التصادم مع أذرعها، فضلًا عن توظيفهم كأوراق ضغط على الأنظمة العربية والغربية. 

ارتباط فكري وأيديولوجي

الارتباط الفكري والنفسي بين قيادات جماعة الإخوان والثورة الإيرانية، دفع عدد منهم الإعلان صراحة عن تأييد رموزها ومفكريها، وفقًا لما ذكره، نعمان بن عبد الكريم الوتر، في كتابه "الخطوط العريضة لجماعة الإخوان المسلمين": أنّ عبد المجيد الزنداني -أحد كبار مؤسسي جماعة الإخوان المسلمين في اليمن- قال: "إنّ في عُنقي بيعة للخميني!"، ويقول يوسف القرضاوي في كتابه "أمتنا بين قرنين": "لم تقم للإسلام في هذا الزمان إلا دولتان: الأولى دولة الامام الخميني، والثانية دولة الترابي في السودان".

مظاهرات  إيران 
مظاهرات  إيران 

في كتابه "الإخوان المسلمون وإيران.. الخميني – الخامنئي"، أورد الباحث السوري، محمد سيد رصاص، أنّ وفد الإخوان، الذي زار إيران بعد انتصار الثورة 1979، قد طرح على الخميني مبايعته "خليفة للمسلمين"، مقابل إعلان الخميني أنّ خلافات الصحابة حول "الخلافة"، و"الإمامة" هي "خلافات سياسية، وليست عقائدية"، وأنّ الخميني تريث ووعدهم بالإجابة لاحقاً، ليعلن عقبها صياغة دستور الدولة الإسلامية الوليدة في إطار اعتماد "المذهب الجعفري"، مذهباً رسمياً، و"ولاية الفقيه" نائباً عن الإمام الغائب.

يمكن توصيف موقف جماعة الإخوان داخل إيران من احتجاجات طهران بأنه موقف انتهازي دفاعي أكثر منه ثوري أو إصلاحي حقيقي. فهي لا تقف مع النظام بشكل صريح، ولا تنحاز إلى الشارع بوضوح، بل تسعى إلى النجاة التنظيمية، وانتظار تحولات كبرى قد تعيد رسم المشهد السياسي الإيراني.

في النهاية تكشف هذه الاحتجاجات حدود مشروع الإخوان داخل إيران، وتُظهر عجزه عن التحول إلى فاعل مؤثر، ليبقى مجرد تيار هامشي محكوم بمعادلات الخوف والاحتواء، لا يملك ترف المجازفة ولا قدرة المبادرة.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء