رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مقايضة الأجواء.. طائرات الترحيل تفتح الطريق لتقارب كولومبيا–واشنطن

ترامب والرئيس الكولومبي
ترامب والرئيس الكولومبي

استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الثلاثاء، نظيره الكولومبي جوستافو بيترو في قمة استثنائية في البيت الأبيض، تأتي بعد أسابيع من التوتر الحاد والتهديدات العسكرية المتبادلة. ويركز هذا اللقاء بشكل أساسي على ملفي مكافحة المخدرات والأمن الإقليمي، في ظل تحول مفاجئ في نبرة واشنطن، حيث أشاد الرئيس الأمريكي بما أبداه بيترو من مرونة، مرجعًا هذا التغيير إلى تداعيات العملية العسكرية الأمريكية التي أطاحت بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي. 

وعلى الرغم من تبادل الإهانات الشخصية والعقوبات التي فرضتها واشنطن سابقًا على عائلة بيترو، إلا أن الزيارة الحالية تمهّدت ببادرة حسن نية كولومبية تمثلت في استئناف رحلات ترحيل المهاجرين غير النظاميين وقبول عودة عمليات الرش الجوي لمزارع الكوكا، وهو ما كانت ترفضه بوجوتا من قبل.

ويسعى البيت الأبيض من خلال هذا الاجتماع إلى انتزاع التزامات أمنية كاملة لضبط الحدود المضطربة مع فنزويلا، في خطوة تهدف إلى ترسيخ النفوذ الأمريكي الجديد في المنطقة وضمان ولاء الحلفاء التقليديين تحت شروط إدارة ترامب الصارمة.

ترامب
ترامب

وتأتي هذه القمة بعد القطيعة التي بلغت ذروتها بإلغاء تأشيرات المسؤولين الكولومبيين والتلويح الأمريكي بالتدخل العسكري. فبينما كانت الاتهامات بتهريب الكوكايين تهيمن على الخطاب المتبادل، فرضت المصالح نفسها على الطاولة، حيث وجدت بوجوتا في استئناف رحلات ترحيل المهاجرين ممرًا آمنًا لتجنب خناق العقوبات الاقتصادية، في حين رأت واشنطن في تراجع بيترو فرصة لتحويل كولومبيا من ساحة تمرد إقليمي إلى ركيزة أساسية في مشروع ترامب لمرحلة ما بعد غزو كاراكاس.

ملف الهجرة 

تصدر ملف الهجرة غير النظامية طاولة المباحثات كشرط أساسي لترميم العلاقات، حيث ضغطت إدارة ترامب لانتزاع التزامات قانونية تضمن تحويل كولومبيا إلى حائط صد جنوبي.

وينص الاتفاق الأولي على استئناف رحلات الترحيل الجماعي للمهاجرين الكولومبيين واللاتينيين عبر الأجواء الكولومبية، وهو الإجراء الذي كان بيترو قد علّقه سابقًا بذريعة حماية الكرامة الوطنية والسيادة الجوية.

كما منح البيت الأبيض الرئيس بيترو وطاقمه تأشيرة دخول استثنائية صالحة لخمسة أيام فقط، في رسالة دبلوماسية مشفرة تربط استمرار التواصل بمدى انضباط بوجوتا في تنفيذ خطة الترحيل الكبرى. إذ تتطلع واشنطن إلى تقليص تدفقات المهاجرين عبر غابة "دارين" الاستراتيجية، من خلال نشر وحدات مراقبة حدودية مشتركة تعتمد على التكنولوجيا الأمريكية والتمويل الكولومبي.

ويُعتبر الرضوخ الكولومبي ثمنًا لتجنب فرض تعريفات جمركية انتقامية بنسبة 25% على الصادرات الكولومبية، إذ يمثل نجاح هذا التعاون بالنسبة لترامب انتصارًا سياسيًا داخليًا يعزز وعوده الانتخابية بتطهير الحدود، بينما يحاول بيترو تسويق هذا التراجع داخليًا كضرورة اقتصادية لحماية قطاعي الزهور والبن من الانهيار في السوق الأمريكية.

مكافحة كارتلات الحدود 

تستهدف المباحثات صياغة استراتيجية أمنية تقوم على تصفية نفوذ الجماعات المسلحة في المناطق الحدودية مع فنزويلا، وتحديدًا في إقليم "كاتاتومبو"، وذلك من خلال العودة الفورية لعمليات الرش الجوي لمزارع الكوكا باستخدام مادة "الجليفوسات"، وهو الأسلوب الذي عارضه بيترو طويلاً لأسباب بيئية، لكنه بات الآن شرطًا لا يقبل التفاوض لاستمرار الدعم العسكري الأمريكي.

جوستافو بيترو
جوستافو بيترو

وتسعى واشنطن من خلال هذه الهيكلة الجديدة إلى تجفيف منابع تمويل جيش التحرير الوطني وفصائل الانشقاق عن "فارك"، التي تتهمها الإدارة الأمريكية بالاستفادة من الفراغ الأمني الذي خلفته العملية العسكرية في فنزويلا.

وتتضمن الخطة الأمريكية المقترحة توسيع القواعد العسكرية القائمة ومنح القوات الخاصة الأمريكية صلاحيات استشارية واستخباراتية أوسع لملاحقة أباطرة الكوكايين الذين تضعهم واشنطن على قوائم المطلوبين الدوليين.

وفي بُعد جيوسياسي موازٍ، ربطت الإدارة الأمريكية دعمها الأمني بضرورة تقليص الاعتماد الكولومبي على الاستثمارات الصينية في البنية التحتية، معتبرة أن أمن القارة كتلة واحدة لا تتجزأ. وقد لوّح الجانب الأمريكي بتقديم حزم استثمارية في قطاع الطاقة والغاز كبديل للمشاريع الصينية، شريطة أن تتماشى السياسة الخارجية لبوغوتا مع رؤية واشنطن لتطهير المنطقة من النفوذ الأجنبي والشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

المدار النفطي

عقب العملية العسكرية الخاطفة في كاراكاس واعتقال مادورو، تسعى واشنطن لتحويل كولومبيا إلى منصة لوجستية آمنة لإدارة وتأمين تدفق النفط الفنزويلي نحو المصافي الأمريكية بشروط تفضيلية.

وتمثل كولومبيا في هذا السياق الحارس الإقليمي الذي تراهن عليه إدارة ترامب لضمان استقرار المرحلة الانتقالية في فنزويلا ومنع تحولها إلى دولة فاشلة قد تهدد استثمارات الطاقة الكبرى.

ويبرهن ذلك تلويح الرئيس الأمريكي بـ "صفقة تاريخية" لبوجوتا تتضمن استبدال النفوذ الاقتصادي الصيني في مشاريع البنية التحتية الكولومبية باستثمارات أمريكية ضخمة في قطاع الغاز والنفط، مقابل تخلي بيترو عن خطاب السيادة الطاقية الذي كان يتبناه الجناح اليساري.

تجارة المخدرات الكوكايين في كولومبيا
تجارة المخدرات الكوكايين في كولومبيا

وفي مقابل هذا الدعم، يُنتظر من بيترو القبول بدور كولومبيا كعمق استراتيجي للقوات الأمريكية في البحر الكاريبي، مما يمنع روسيا أو الصين من استغلال الفراغ الأمني في فنزويلا.

تفكيك التحالفات الأيديولوجية

مساعي واشنطن لإنهاء حقبة المد اليساري في أمريكا اللاتينية عبر فرض نموذج أمني أحادي الجانب تحت مسمى "تأمين القارة"، لا تخفى على أحد. وتأتي أهمية هذه القمة بالنسبة لترامب من رغبة أمريكا في تفكيك أي تكتل إقليمي قد يعارض التدخلات الأمريكية المستقبلية، مستخدمًا عملية فنزويلا كنموذج تحذيري دفع القادة اليساريين، ومن بينهم بيترو، إلى مراجعة مواقفهم الراديكالية وتجنب الصدام المباشر مع البيت الأبيض.

وتتضمن الأجندة الجيوسياسية للولايات المتحدة ممارسة ضغوط قصوى على بوجوتا لقطع خيوط التواصل الاستخباري والسياسي مع بقايا النظام الفنزويلي السابق والجماعات المسلحة العابرة للحدود مثل جيش التحرير الوطني.

مزارع الكوكايين في كولومبيا
مزارع الكوكايين في كولومبيا

ويعزز هذا التوجه قرار ترامب السابق بإلغاء المساعدات ووضع بيترو تحت المراقبة المالية، مما جعل من هذه القمة محاولة لإعادة تأهيل النظام الكولومبي ضمن المنظومة الأمنية الأمريكية، بما يعني أن نجاح ترامب في إخضاع بيترو سيترتب عليه سقوط آخر حصون المعارضة الإقليمية في أمريكا الجنوبية، مما يمهد الطريق لفرض «سلام أمريكي» جديد يعيد تشكيل التحالفات في القارة وفقًا لمصالح واشنطن الجيوسياسية للسنوات العشر القادمة.

ختامًا:

في نهاية المطاف، يظل لقاء البيت الأبيض بين ترامب وبيترو أكثر من مجرد قمة دبلوماسية؛ إنه إعلان عن حقبة جديدة من الواقعية القسرية، حيث تراجعت الشعارات الأيديولوجية لبوجوتا أمام حزم واشنطن العسكرية والاقتصادية.

وسواء استمر هذا التقارب أو ظل مجرد هدنة مؤقتة تفرضها ظروف مطلع عام 2026، فإن الأيام القادمة ستكشف ما إذا كان بيترو سينجح في الحفاظ على توازن بلاده الهش، أم أن كولومبيا قد دخلت بالفعل في مدار التبعية الكاملة لـ «أمريكا أولاً»، لتكون الركيزة الأساسية في إعادة ترتيب الفناء الخلفي للولايات المتحدة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء