عقد فرنسي–أمريكي يشعل الجدل: التكنولوجيا في خدمة تعقّب المهاجرين
أثار توقيع عقد بين إحدى أكبر شركات التكنولوجيا في فرنسا ووكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، بهدف مساعدتها في تعقّب المهاجرين وترحيلهم، موجة غضب داخل الأوساط السياسية الفرنسية، إذ طالب عدد من المشرعين بتوضيحات عاجلة من الشركة، التابعة لمجموعة كابجيميني متعددة الجنسيات والمتخصصة في تقديم الخدمات الرقمية، والمدرجة في بورصة باريس، حول طبيعة التعاون وحدوده القانونية والأخلاقية.
وبمجب هذا الاتفاق، تتاح لوكالة الهجرة خدمات تعقّب للمهاجرين، وهي تقنية لتحديد أماكنهم وتسهيل استهدافهم، مع مكافآت مالية كبيرة في حال النجاح. ونقلت صحيفة «الجارديان» عن وزراء ونواب في البرلمان مطالبهم بمزيد من الشفافية بشأن العقود التي قد تنتهك حقوق الإنسان، في وقت تواجه فيه وكالة الهجرة الأمريكية انتقادات حادة بعد أن أطلق عناصرها النار وقتلوا مواطنين أمريكيين في ولاية مينيسوتا هذا الشهر.
وتولي الإدارة الأمريكية للرئيس دونالد ترامب اهتمامًا بالغًا بتطوير أدوات الاختراق والتجسس، خاصة فيما يتعلق بالهواتف المملوكة للمهاجرين من الجنسيات غير المرغوب فيها، والذين تسعى واشنطن لترحيلهم خارج البلاد وإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.

ورغم أن إدارة الرئيس السابق جو بايدن قد أوقفت التعامل مع شركة «باراجون سيلوشنز» المتخصصة في الاستخبارات السيبرانية، بموجب أمر تنفيذي يمنع التعاقد مع بائعي برامج التجسس غير الأخلاقية، إلا أن إشعارًا نُشر على موقع حكومي للتعاقدات كشف أن عقدًا سابقًا بقيمة مليوني دولار مع الشركة نفسها قد تم تعديله لرفع أمر وقف العمل المفروض عليها وعودتها إلى العمل مجددًا.
المراقبة الرقمية
تحولت سياسات الهجرة تدريجيًا إلى منظومات مراقبة رقمية تعتمد على جمع البيانات وتحليلها، وفي هذا السياق، يثير العقد الموقّع بين شركة تكنولوجية فرنسية ووكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية تساؤلات حول طبيعة هذا التحول وحدوده، خاصة حين تصبح التكنولوجيا أداة لتتبع الأفراد بدلًا من تنظيم الإجراءات.
تعتمد وكالات الهجرة في الولايات المتحدة، بصورة متزايدة، على قواعد بيانات ضخمة، وتقنيات تحليل السلوك، وربط المعلومات الشخصية بمصادر متعددة، مما يساهم في خلق واقع جديد تصبح فيه حياة المهاجر الرقمية أكثر شفافية أمام السلطات، دون أن يقابل ذلك بالضرورة ضمانات قانونية كافية.
في هذه المنظومة، لا يكون التجسس فعلًا مباشرًا بالمعنى التقليدي، بل نتيجة طبيعية لتكامل الأنظمة الرقمية؛ فمجرد توفير بنية تقنية قادرة على الربط بين البيانات يسمح بتتبع تحركات المهاجرين وعلاقاتهم وأنماط حياتهم، ما يوسّع نطاق المراقبة إلى ما هو أبعد من إنفاذ القانون بالمعنى الضيق.
هذه الممارسات غير الأخلاقية غالبًا لا تخضع للنقاش العام، حيث تُقدَّم التكنولوجيا كأداة محايدة، بينما تُتجاهل التداعيات الاجتماعية والإنسانية لتحويل الهجرة إلى ملف خاضع للرصد المستمر والملاحقة الرقمية.
هشاشة الخصوصية
تشكل الخصوصية أحد أكثر الجوانب هشاشة في حياة المهاجرين، لا سيما غير النظاميين منهم؛ فالوضع القانوني غير المستقر يجعلهم أقل قدرة على الاعتراض أو المطالبة بحقوقهم، ويضعهم في مواجهة مباشرة مع أنظمة جمع البيانات دون حماية فعلية.

مراقبة المهاجرين تُبرَّر دومًا باعتبارات أمنية أو إدارية، لكن هذه التبريرات تتوسع لتشمل كل تفاصيل الحياة اليومية، من الاتصالات الرقمية إلى البيانات الصحية والاجتماعية، وفي ظل غياب الشفافية، لا يعرف المهاجرون حجم المعلومات التي تُجمع عنهم ولا كيفية استخدامها أو مشاركتها.
الأخطر أن هذا النوع من التجسس لا يخضع دائمًا لمعايير صارمة للموافقة أو الإشراف القضائي، إذ يكشف هذا الواقع عن فجوة عميقة بين الخطاب الحقوقي المعلن والممارسات الفعلية على الأرض، حيث تصبح الفئات الأكثر هشاشة هي الأكثر عرضة للمراقبة، والأقل قدرة على الدفاع عن نفسها داخل المنظومة القانونية.
الشركات التكنولوجية
تاريخيًا، حاولت شركات التكنولوجيا الكبرى الفصل بين منتجاتها واستخداماتها السياسية أو الأمنية، لكن هذا الفصل بات صعبًا في عصر البيانات الضخمة، فتصميم الأنظمة ذاتها يحدد كيف تُجمع البيانات، وكيف تُربط، ومن يمكنه الوصول إليها.
في الحالة الفرنسية، يتضاعف الجدل بسبب تعارض محتمل بين القوانين الأوروبية الصارمة بشأن حماية البيانات، واستخدام هذه التكنولوجيا في سياق أمريكي أقل تقييدًا، وهو ما يطرح سؤالًا حول مسؤولية الشركات الأوروبية عند تصدير حلول رقمية تُستخدم خارج الإطار القانوني الذي نشأت فيه.
هذا الجدل لا يقتصر على شركة بعينها، بل يفتح نقاشًا أوسع حول أخلاقيات صناعة التكنولوجيا، وحدود الربح حين يتقاطع مع حقوق الإنسان، ودور الشركات في ضبط استخدام منتجاتها بدلًا من الاكتفاء بتحقيق المكاسب الاقتصادية.
التعقّب العابر للحدود
يكشف التعاون بين شركة فرنسية ووكالة أمريكية عن بُعد جديد للتجسس، يتجاوز الحدود الوطنية؛ فرغم أن الشركات الأوروبية تسوّق نفسها بوصفها ملتزمة بالمعايير الحقوقية، فإنها تصبح جزءًا من منظومة رقابية خارج السيطرة المباشرة للاتحاد الأوروبي.
هذا الواقع يضع الخطاب الأوروبي حول حماية الخصوصية وحقوق الإنسان أمام اختبار حقيقي، فكيف يمكن التوفيق بين انتقاد ممارسات المراقبة في دول أخرى، والمشاركة غير المباشرة في أنظمة تستهدف فئات ضعيفة مثل المهاجرين؟

كما يفسر ذلك الغضب البرلماني الفرنسي، الذي لا يقتصر على تفاصيل العقد ذاته، بل يمتد إلى الخوف من تحول هذه الحالة إلى سابقة تسمح بتصدير أدوات المراقبة دون مساءلة حقيقية، طالما أن الاستخدام يتم خارج أوروبا.
وقد يدفع هذا التناقض إلى مطالبات بتشديد التشريعات المنظمة لتصدير التكنولوجيا الحساسة، وفرض التزامات أوضح على الشركات بشأن كيفية استخدام منتجاتها، خاصة حين تتعلق بحقوق الإنسان.
ختامًا:
تعكس قضية العقد المثير للجدل تحوّلًا أعمق في سياسات الهجرة عالميًا، حيث لم يعد التجسس استثناءً، بل جزءًا من البنية الإدارية الرقمية، وفي هذا السياق يصبح المهاجر هدفًا سهلًا لمنظومات مراقبة متطورة، دون أن يمتلك الأدوات القانونية أو السياسية لمواجهتها.

وفيما يتجاوز الجدل حدود شركة أو دولة بعينها، فإنه يطرح سؤالًا جوهريًا حول مستقبل العلاقة بين التكنولوجيا وحقوق الإنسان؛ فإما أن تخضع الأدوات الرقمية لمنظومة قيم واضحة، أو تتحول تدريجيًا إلى وسيلة فعالة لتكريس المراقبة والتهميش، تحت غطاء الحداثة والابتكار.



