رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

زلزال دبلوماسي في ملف العراق: واشنطن تغيّر قواعد اللعبة في بغداد

ترامب وتوم باراك
ترامب وتوم باراك

في قرار مفاجئ يعكس رغبة البيت الأبيض في تشديد قبضته على أحد أكثر الملفات تعقيدًا في الشرق الأوسط، أعلن وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين عن إزاحة مارك سافايا وتكليف توم باراك بإدارة الملف العراقي كمبعوث مباشر للرئيس دونالد ترامب، وذلك بالتزامن مع تقارير تتحدث عن سوء إدارة شابت المرحلة الماضية، مما دفع واشنطن لاستبدال الوجوه ذات البعد الانتخابي بشخصيات من الدائرة اللصيقة بترمب، لقدرتها على صياغة تفاهمات تتسم بالحسم وتتجاوز القنوات الدبلوماسية التقليدية التي لم تعد تلبي طموحات الإدارة الأمريكية الحالية.

ويحمل هذا التبديل رسائل سياسية حادة تتجاوز مجرد تغيير الوجوه؛ إذ يعكس إصرار واشنطن على مواجهة التغلغل الإيراني في مفاصل السياسة العراقية بأسلوب أكثر صدامًا، مستخدمةً نفوذ باراك كعقل مدبر للصفقات الكبرى لإعادة صياغة العلاقة مع بغداد.

توم باراك 
توم باراك 


فبينما كان سافايا يمثل جسرًا للتواصل مع الجاليات العربية، يمثل باراك القبضة الفولاذية في ملفات الأمن والمال، مما يضع الحكومة العراقية أمام استحقاقات مصيرية تتطلب موازنة دقيقة بين ضغوط واشنطن الاقتصادية المتزايدة ومتطلبات الاستقرار الداخلي المحفوف بالمخاطر.

دلالات توقيت الإطاحة بمارك سافايا

جاءت الإطاحة بسافايا نتيجة "فيتو" مباشر من بعض دوائر النفوذ في البيت الأبيض، ويرتبط هذا القرار بحالة من عدم الرضا تجاه أداء سافايا، الذي وُصف بأنه مرن في مواجهة التطورات السياسية الأخيرة في بغداد، خاصة فيما يتعلق بملف تشكيل الحكومة ومحاولات بعض القوى السياسية فرض أسماء ترفضها واشنطن جملةً وتفصيلًا.

يرجع سوء إدارة ملف العراق إلى عجز سافايا عن تفعيل أدوات الضغط الأمريكية لمنع ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء، وهو ما اعتبره ترمب تجاوزًا لخطوط واشنطن الحمراء، وذلك بعد تعيينه في أكتوبر الماضي كجزء من استراتيجية انتخابية لكسب أصوات الجالية العربية، حيث وجد نفسه أمام واقع عراقي معقد يتطلب خبرة ميدانية وتفويضًا سياديًا لم يكن يمتلكه في حينها.

شياع سوداني ومارك سافايا
شياع سوداني ومارك سافايا

علاوة على ذلك، فإن غياب سافايا الميداني عن الساحة العراقية وإلغاء زيارته التي كانت مقررة مؤخرًا، تسببا في فجوة تواصل كبيرة بين واشنطن وبغداد في لحظة حرجة من الصراع الإقليمي.
هذا الغياب أدى إلى تزايد نفوذ القوى الحليفة لإيران في صناعة القرار العراقي، مما أعطى الانطباع بأن واشنطن فقدت بوصلتها في العراق، وهو ما استدعى تدخلًا فوريًا من الرئيس ترمب لإعادة ترتيب الأوراق.

ويأتي هذا التغيير على خلفية مساعي واشنطن للحد من التغلغل الإيراني في النظام المالي العراقي، وهي مهمة يبدو أن سافايا لم يمتلك الأدوات الكافية للتعامل معها.

"رجل الظل" وتفويض الصلاحيات المطلقة

يمثل اختيار توم باراك لإدارة الملف العراقي انتقالًا استراتيجيًا من الدبلوماسية التقليدية إلى دبلوماسية الصفقات الكبرى، فباراك ليس مجرد موظف في الخارجية أو مبعوث ترمب إلى سوريا، بل هو صديق مقرب للرئيس الأمريكي منذ عقود. وتعيينه مبعوثًا رئاسيًا يمنحه صلاحيات تتجاوز البروتوكولات المعتادة، مما يعني أن أي قرار يتخذه باراك سيُعامل في بغداد على أنه أمر رئاسي مباشر صادر من المكتب البيضاوي.

ويمتلك باراك، الذي يشغل أيضًا منصب مبعوث ترمب لسوريا وسفيرًا في تركيا، رؤية إقليمية شاملة تجعل من العراق حلقة وصل في مشروع أمريكي أوسع يهدف إلى تطويق النفوذ الإيراني عبر محور "أنقرة-بغداد-دمشق".
هذه الخلفية تجعله قادرًا على الضغط على بغداد من زوايا متعددة، سواء عبر ملف الطاقة مع تركيا أو عبر ملف أمن الحدود مع سوريا، مما يضيق الخناق على التحركات الإقليمية المناوئة لواشنطن.

وبالنظر إلى سجل باراك وتصريحاته السابقة، فإنه يُعرف بكونه لا يؤمن بالحلول الوسط في ملفات السيادة، وقد سبق له أن انتقد هيكلية الحكم في العراق ووصفها بـ"الكارثية"، مما ينذر بمرحلة من الضغوط الأمريكية العنيفة لإحداث تغييرات جوهرية في شكل الشراكة بين البلدين، خاصة في مجالات الرقابة المالية والتعاون الأمني والتحكم في مفاصل الدولة الحساسة.

ترامب ومارك سافايا
ترامب ومارك سافايا

المنصة الكردية وانعكاسات التحول الميداني

اختيار منصة إعلامية كردية "كردستان 24" لإعلان خبر تعيين باراك يعكس حجم الثقة والتنسيق العالي بين واشنطن والقيادة الكردية، ويشير إلى أن أربيل ستكون المحطة الرئيسية لإدارة الملف العراقي في المرحلة المقبلة.

هذا التحول يعيد تسليط الضوء على إقليم كردستان كحليف استراتيجي موثوق لواشنطن في ظل حالة الاستقطاب التي تعاني منها بغداد، حيث يبدو أن باراك يسعى إلى بناء قاعدة توازن قوية تنطلق من الشمال العراقي.

الإعلان من أربيل يوحي بأن واشنطن قد تمنح الإقليم دورًا أكبر في صياغة السياسات الخارجية والمالية للعراق، خاصة فيما يتعلق بملفات تصدير النفط والغاز بعيدًا عن قيود المركز التي تتأثر بالضغوط الإيرانية.

وعلى المستوى السياسي، يمثل هذا الإعلان إحراجًا للقوى الحليفة لإيران في بغداد، حيث أظهر أن القرار المتعلق بالملف العراقي يتم التنسيق فيه مع أربيل قبل العاصمة الاتحادية. هذا التوجه قد يؤدي إلى تصاعد التوترات بين المركز والإقليم، لكنه في المقابل يمنح واشنطن مساحة مناورة أوسع للضغط على الحكومة المركزية عبر تلويحها بدعم الكيان الكردي اقتصاديًا وعسكريًا بشكل مباشر ومنفصل.

محمد شياع سوداني وتوم باراك
محمد شياع سوداني وتوم باراك

ختامًا:

 تحرك باراك بين أنقرة وأربيل وبغداد يرسم ملامح مثلث ضغط جديد ستحاول واشنطن استخدامه لفرض شروطها، كما ستشهد المرحلة المقبلة تفعيلًا أكبر للدور الكردي في الملفات السيادية، مما قد يغير موازين القوى داخل "البيت الشيعي" نفسه، حيث ستجد القوى السياسية في بغداد نفسها مضطرة للتفاوض مع مبعوث يمتلك خيارات بديلة وتحالفات راسخة في الشمال العراقي والمحيط الإقليمي.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء