رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حلفاء تحت الحصار: كيف استخدم ترامب "فوبيا الصين" للضغط على بريطانيا وكندا؟

زيارة كيرستارمر إلى
زيارة كيرستارمر إلى الصين

وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كلًا من بريطانيا وكندا أمام خيارين، إما الالتزام بالمقاطعة الاقتصادية لواشنطن ضد بكين، أو الاستعداد لمواجهة ردود قوية قد تصل إلى فرض رسوم جمركية بنسبة 100%، كما هدد تجاه كندا.

هذه التحذيرات لا تستهدف فقط منع صفقات تجارية بعينها، بل تسعى إلى فرض وصاية جيوسياسية تمنع الصين من استخدام موانئ وأسواق الجيران كمنصات تسلل خلفية إلى السوق الأمريكية، ما يضع مفهوم السيادة الاقتصادية للحلفاء في مواجهة مع مبدأ "أمريكا أولًا" الذي ينتهجه ترامب.

ويكشف هذا التصعيد عن اتساع الفجوة بين الواقعية الاقتصادية التي يحاول قادة مثل كير ستارمر ومارك كارني انتهاجها لترميم اقتصاداتهم المنهكة، وبين الراديكالية التجارية التي يقودها ترامب لإعادة رسم خريطة النفوذ العالمي.

وبينما ترى لندن وأوتاوا في بكين فرصة ضرورية لتعويض الركود، يراها ترامب تهديدًا وجوديًا، وهو ما يجعل أي تقارب مع الصين لعبًا بالنار في نظر البيت الأبيض. وبناءً عليه، يجد الحلفاء أنفسهم في مأزق تاريخي: فإما الانحياز الكامل لمعسكر واشنطن المتشدد، أو المخاطرة بانهيار تكتلات كبرى مثل اتفاقيات التجارة القائمة، بما يشرع الأبواب أمام مرحلة من التوتر الجيوسياسي قد تعيد تعريف التحالفات الغربية برمتها.

ترامب وستارمر
ترامب وستارمر

فرض الوصاية على الجوار

وفق الرؤية الأمريكية، تمثل التحركات التجارية الكندية الأخيرة تجاه بكين ثغرة أمنية تهدد سلامة القارة الشمالية. ففي تصريحاته الأخيرة، استخدم ترامب لغة غير مسبوقة، واصفًا الاتفاقية المرتقبة بأنها تمهيد لاستيلاء صيني على كندا، معتبرًا أن الجارة الشمالية تفرط في سيادتها مقابل وعود اقتصادية زائفة، وهذا المنطق يعكس رغبة واشنطن في تحويل الحدود الكندية إلى سد منيع أمام النفوذ الآسيوي.

وتعتقد واشنطن أن كندا، بوضعها الاقتصادي السيئ، باتت فريسة سهلة للاستثمارات الصينية التي قد تسيطر على قطاعات استراتيجية مثل المعادن النادرة والبنية التحتية للاتصالات. وبالنسبة لترامب، فإن الأمن القومي الأمريكي يبدأ من ضمان عدم وجود موطئ قدم للصين في أوتاوا، وهو ما يفسر حدة نبرته التي تجاوزت الأعراف الدبلوماسية لتصل إلى حد التدخل المباشر في قرارات دولة سيادية.

كما حاول رئيس الوزراء الكندي تهدئة المخاوف الأمريكية بالتأكيد على أن بلاده لا تسعى إلى اتفاق تجارة حرة كامل مع بكين، بل إلى شراكة استراتيجية محدودة، إلا أن هذا التبرير لم يلقَ قبولًا في البيت الأبيض، حيث يرى فريق ترامب أن أي تسلل صيني عبر كندا سيصل في النهاية إلى العمق الأمريكي عبر سلاسل الإمداد المشتركة.

 رئيس الوزراء الكندي مارك كارني
 رئيس الوزراء الكندي مارك كارني

ومن ما سبق، يظهر أن الرسالة الواضحة لأوتاوا هي أن ثمن الحماية الأمريكية والمشاركة في السوق الموحدة يتمثل في الانخراط الكامل في حرب العزل ضد الصين، وأن أي محاولة للعب على الحبلين ستواجه برد فعل قوي للغاية يطال جوهر الدولة الكندية.

الاقتصاد كأداة ردع

هدد ترامب بفرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على كافة الواردات الكندية في حال توقيع الاتفاق مع الصين. ويمثل هذا التهديد قنبلة موقوتة للاقتصاد الكندي، الذي يعتمد بنسبة تزيد على 75% من صادراته على السوق الأمريكية.

وتستهدف هذه التهديدات قطاعات حساسة بشكل خاص، وعلى رأسها قطاع الطائرات والصلب والألومنيوم، بعد التلويح بإلغاء اعتمادات الطائرات الكندية ومنع دخولها الأجواء الأمريكية، ردًا على رفض كندا صفقات طائرات أمريكية. ويظهر هذا الربط بين الملفات التجارية المختلفة أن واشنطن مستعدة لشن حرب تجارية شاملة ضد حليفها الأول إذا ما شعرت ببوادر تمرد اقتصادي.

وفي ظل هذا الضغط، تصبح الرسوم الجمركية وسيلة لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، حيث تسعى واشنطن لضمان أن تكون أمريكا الشمالية منطقة محرمة على البضائع الصينية، حتى لو كانت قادمة من مصانع في أونتاريو أو كيبك.

زيارة كيرستارمر إلى الصين 
زيارة كيرستارمر إلى الصين 

مستقبل التحالفات التقليدية

طال التصعيد الأمريكي لندن، حيث وصف ترامب زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى بكين بأنها «خطيرة جدًا». وبذلك يصبح تحالف "العيون الخمس" الاستخباري أمام اختبار مصيري، إذ ترى واشنطن أن التعاون الاقتصادي مع الصين لا يمكن فصله عن التهديدات الأمنية وقضايا التجسس، ما يجعل أي تقارب بريطاني–صيني تهديدًا لوحدة الصف الاستخباري الغربي.

ورغم محاولات ستارمر تصوير زيارته كخطوة في إطار الواقعية الاقتصادية، وتأكيده على التنسيق المسبق مع البيت الأبيض، فإن الرد الأمريكي جاء حادًا ومشككًا؛ إذ تطلب لندن الدعم العسكري والسياسي من واشنطن، بينما تبحث عن نمو اقتصادي في جيوب بكين. هذا التباين يهدد بفقدان بريطانيا لميزتها كـ"شريك خاص" في النظام الدولي الجديد الذي يبنيه ترامب.

البدائل المفقودة

تطرح التهديدات الأمريكية سؤالًا جوهريًا: لماذا تخاطر كندا وبريطانيا بغضب واشنطن من أجل بكين؟ تكمن الإجابة في أزمة النمو التي تضرب هذه الدول؛ فكندا تعاني من الركود، بينما تبحث بريطانيا عن تعويض خسائر ما بعد "البريكست". وبالنسبة لهذه الحكومات، تمثل الصين السوق الأكبر الذي لا يمكن تجاهله إذا أرادت تجنب الانهيار الاقتصادي الداخلي.

وفي حين تمنع واشنطن حلفاءها من التقارب مع الصين، فإنها لا تقدم لهم خططًا بديلة أو تسهيلات تجارية تعوضهم عن خسارة الشريك الصيني. هذا الفراغ هو ما يدفع أوتاوا ولندن إلى محاولة إيجاد صيغ تعاون مبتكرة مع بكين، مثل خفض الرسوم على السيارات الكهربائية الصينية مقابل تسهيلات زراعية، وهي الصفقة التي أثارت غضب ترامب مؤخرًا.

زيارة كيرستارمر إلى الصين 
زيارة كيرستارمر إلى الصين 

ومن جهة أخرى، يبدو أن هناك قناعة لدى النخبة الاقتصادية في كندا وبريطانيا بأن التبعية المطلقة للولايات المتحدة في عهد ترامب محفوفة بالمخاطر أيضًا، نظرًا لتقلب مواقفه وسياساته الحمائية. لذا، فإن التوجه نحو الصين يمثل نوعًا من تنويع المخاطر، لكنه اصطدم بجدار رفض يعتبر أن أي تنويع بعيدًا عن واشنطن يُعد بمثابة عداء مباشر.

وفي نهاية المطاف، يجد الحلفاء أنفسهم في كماشة جيوسياسية؛ فواشنطن تطالبهم بالتقشف التجاري مع بكين لحماية الأمن الجماعي، بينما تطالبهم شعوبهم بإنعاش الاقتصاد وخفض التضخم.

هذا التناقض قد يؤدي في النهاية إلى خضوع الحلفاء للإرادة الأمريكية مكرهين، أو إلى انفجار أزمة ثقة داخل الحلف الغربي قد تغير وجه العالم التجاري إلى الأبد.

ختامًا:

تمثل تهديدات الرئيس ترامب إعلانًا فعليًا لنهاية عصر الاستقلال التجاري للحلفاء تحت المظلة الأمريكية؛ فلم تعد واشنطن تكتفي بدور القائد العسكري، بل باتت تفرض رقابة صارمة على دفاتر التجارة الخارجية لشركائها، محولة العلاقات الدبلوماسية إلى معادلة صفرية لا تقبل القسمة على اثنين بينها وبين بكين.

وفي الختام، يبدو أن النظام العالمي يتجه نحو استقطاب حاد يُجبر فيه الجميع على الانضواء تحت لواء الحماية الأمريكية بكل قيودها، أو المغامرة في مدار الاستثمار الصيني بكل مخاطره السياسية. ومع استمرار تعنت واشنطن وإصرار الحلفاء على حاجتهم إلى الصين، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة رسم تاريخية للحدود والتحالفات.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء