رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التكامل النووي الأوروبي.. تحوّل استراتيجي في العقيدة الألمانية

المظلة النووية الأوروبية
المظلة النووية الأوروبية - أرشيفية

بعد عقود من الاعتماد المطلق على المظلة النووية الأمريكية، بدأت برلين الترويج علنًا لفكرة التكامل النووي الأوروبي؛ هذا التحول ليس مجرد استجابة لضغوط عسكرية، بل هو تحوّط استراتيجي في ظل تقلبات السياسة في واشنطن وتزايد التهديدات على الجبهة الشرقية لحلف الناتو، وهو ما أقره المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال لقائه بنظيرته الليتوانية في برلين.

اعتبر المستشار الألماني فريدريش ميرتس، أن البحث في إنشاء ردع نووي أوروبي محتمل يندرج ضمن منظور بعيد الأمد، بحيث يجب أن تكون الأولوية للحفاظ على الالتزام الأميركي بالدفاع عن القارة، وأضاف المستشار المحافظ، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس وزراء لوكسمبورغ لوك فريدن في برلين، "يجب بذل كل جهد ممكن للحفاظ على مشاركة الولايات المتحدة النووية لسنوات، بل لعقود مقبلة، وأنه لا توجد حتى الآن أية مبادرة ملموسة في شأن الدرع الأوروبية، باستثناء المناقشات مع فرنسا. موضحًا "حتى الآن، لم أقبل سوى عرض فرنسا للنقاش، من أجل التطرق إلى هذه القضية بهدوء مع الحكومة الفرنسية".

المستشار الألماني فريدريش ميرتس
المستشار الألماني فريدريش ميرتس

ورغم تأكيد ميرتس أن هذه التحركات لا تزال في مراحلها التنسيقية الأولى، إلا أن توقيت هذا الطرح يحمل رسائل سياسية للداخل والخارج؛ فهو يطمئن الحلفاء في دول البلطيق حيال التزام ألمانيا بالدفاع الجماعي، وفي الوقت ذاته يمهّد الطريق لنقاش وطني وأوروبي جاد حول مفهوم المشاركة النووية.

هذا التوجه يضع ألمانيا أمام تحدي المواءمة بين هويتها كدولة ملتزمة بعدم الانتشار النووي، وبين دورها الجديد كقائد محتمل لمشروع دفاعي يهدف إلى تحقيق قدر من الاستقلال الاستراتيجي الذي طالما نادت به باريس، وبدأت برلين في استيعاب ضرورته.

الالتزام القانوني 

وفق تصريحات ميرتس، فإن أي تحرك ألماني نحو تعزيز الردع النووي الأوروبي لن يمس الثوابت القانونية التي تأسست عليها جمهورية ألمانيا الاتحادية، حيث أوضح أن الالتزام باتفاقية "4+2" ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية يظل حجر الزاوية في السياسة الخارجية لبرلين، مؤكدًا أن ألمانيا لا تسعى لامتلاك ترسانة خاصة بها، بل تهدف إلى تطوير إطار عمل جماعي يتوافق مع القانون الدولي ويحفظ توازن القوى في القارة.

المنظمة الأوروبية للبحوث النووية
المنظمة الأوروبية للبحوث النووية

هذه القيود التاريخية في سياسة برلين لا ينبغي أن تقف عائقًا أمام التفكير في حلول دفاعية مبتكرة لمواجهة التحديات الأمنية الراهنة، إذ يمكن لألمانيا أن تلعب دورًا محوريًا في تنسيق السياسات الدفاعية وتوفير الدعم اللوجستي والتقني دون الحاجة لخرق المعاهدات الدولية، مما يمنح برلين مرونة استراتيجية في المساهمة في أمن حلفائها بشرق أوروبا الذين يطالبون بمظلة حماية أكثر صلابة. 

وتعكس هذه القرارات الحذرة رغبة المستشارية في إدارة نقاش هادئ بعيدًا عن التوترات السياسية الداخلية، حيث يدرك ميرتس أن القفز فوق المحرمات النووية قد يثير انقسامات داخل المجتمع الألماني؛ لذا، فإن التركيز على أن المحادثات لا تزال في مراحلها الأولى يهدف إلى تهيئة التربة السياسية لتقبّل فكرة المشاركة النووية الموسّعة كخيار أمني لا غنى عنه في ظل بيئة دولية شديدة الاضطراب.

فريدريش ميرتس وماكرون 
فريدريش ميرتس وماكرون 

تعزيز العمق الأوروبي

لا يزال مشروع الدرع النووية الأوروبية صمام أمان إضافيًا يهدف إلى تعزيز مفهوم الردع المشترك، وليس مشروعًا للانفصال عن المظلة الأمريكية، حيث يرى ميرتس أن التكامل مع القدرات النووية لفرنسا والمملكة المتحدة سيعمل كظهير قوي للمشاركة النووية الحالية مع الولايات المتحدة، مما يخلق نظام ردع متعدد الطبقات يقلل من احتمالات سوء التقدير الاستراتيجي من قبل أي طرف معادٍ.

التحركات الألمانية تهدف بشكل غير مباشر إلى تأمين أوروبا ضد تقلبات السياسة الداخلية الأمريكية، مع الحفاظ على الرابطة الأطلسية كأولوية قصوى؛ فمن خلال بناء قدرات أوروبية متوافقة، تظهر القارة كشريك يتحمل أعباءه الدفاعية بجدية، وهو ما ينسجم مع المطالب الأمريكية التاريخية بضرورة زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي وتطوير قدرات ذاتية تدعم استقرار حلف الناتو على المدى الطويل.

وبينما توفر واشنطن الرؤوس الحربية في إطار المشاركة النووية التقليدية، فإن الحوار مع باريس ولندن قد يفضي إلى تفاهمات حول كيفية استخدام المظلة النووية الأوروبية كأداة ردع تكتيكية واستراتيجية موحدة، مما يمنح العواصم الأوروبية صوتًا أقوى في القرارات المتعلقة بأمنها القومي.

المظلة النووية الأوروبية - أرشيفية 
المظلة النووية الأوروبية - أرشيفية 

آفاق الردع 

يمثل طرح ميرتس خطوة استباقية لإعادة تعريف دور ألمانيا في النظام الأمني العالمي، حيث يسعى لنقل بلاده من مقعد المستهلك للأمن إلى مرتبة المساهم الاستراتيجي. ومع أن الطريق نحو درع نووية أوروبية موحدة لا يزال محفوفًا بالتحديات السياسية والتقنية، إلا أن التصريحات الأخيرة تؤسس لمرحلة جديدة من البراغماتية الدفاعية التي تتجاوز التحفظات الأيديولوجية لصالح واقعية أمنية فرضتها المتغيرات الدولية المتسارعة.

علاوة على ذلك، يثير هذا الطرح لميرتس تساؤلات حول مدى قدرة الصناعات الدفاعية الأوروبية على تطوير أنظمة دفاع صاروخي متكاملة تتوافق مع الرؤوس النووية المتوفرة لدى الحلفاء؛ فالمستشار الألماني يدرك أن الردع لا يكتمل إلا بوجود درع وسيف، أي قدرة على اعتراض التهديدات القادمة وقدرة موازية على الرد، مما يدفع برلين نحو تشجيع الاستثمارات الضخمة في تكنولوجيا الرادار والاعتراض الفضائي لضمان شمولية الدرع النووية المقترحة وحمايتها من أي هجمات استباقية.

المظلة النووية الأوروبية - أرشيفية 
المظلة النووية الأوروبية - أرشيفية 

ختاما:

 سيظل نجاح هذه الرؤية مرهونًا بمدى قدرة برلين على إقناع شركائها الأوروبيين بجدية هذا المسار، ومدى تقبّل واشنطن لهذا "الاستقلال المنسق". إن الرسالة التي أطلقها ميرتس من برلين اليوم تؤكد أن أوروبا عام 2026 لم تعد تكتفي بانتظار الحماية من الخارج، بل بدأت بالفعل في نسج خيوط درعها الخاص، مع الحفاظ على التزاماتها التاريخية التي تمنع انزلاق المنطقة نحو سباق تسلح غير منضبط.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء