الزيف البصري والجماعات المتطرفة: صناعة واقع وهمي في عصر الخوارزميات
في عصر الرقمنة، لم تعد الصور والفيديو وسيلة لتوثيق الأحداث فقط، بل تحوّلت إلى أدوات استراتيجية في يد الجماعات المتطرفة التي استثمرت التقنيات الحديثة لإعادة صياغة الواقع، وصناعة محتوى بصري يروّج لأفكارها، ويزرع الخوف، ويستقطب الأفراد نحو التطرف.
أصبح الزيف البصري جزءًا من استراتيجية التجنيد والتحريض من خلال مقاطع الفيديو الدعائية والصور المعدلة رقميًا، إذ توظَّف الصور والرموز الدينية والوطنية والعاطفية لإثارة الانفعالات، وتقليص القدرة على التحليل العقلاني.
أصبح التطرف البصري أداة تأثير لا تقل فتكًا عن الأسلحة التقليدية، لا سيما في ظل إتقان الجماعات المتطرفة لهذه الأدوات، ومعرفتها بأهميتها في زعزعة استقرار المجتمعات، وتأجيج النزاعات، ونشر خطاب الكراهية بطريقة لا يصدقها العقل بسهولة.
بدأت الجماعات المسلحة استخدام الذكاء الاصطناعي فور إتاحة برامج مثل شات جي بي تي على نطاق واسع، ومع مرور الوقت ازدادت وتيرة اعتمادها على أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو شديدة الواقعية.

وعند ربط هذا المحتوى المزيف بخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، فإنه يمكن، وفقًا لـ"أسوشيتد برس"، أن يسهم في تجنيد عناصر جدد، وإرباك الخصوم أو بث الرعب في نفوسهم، فضلًا عن نشر الدعاية على نطاق لم يكن متصورًا قبل سنوات قليلة.
الرقمنة في خدمة التطرف
استغلت الجماعات المتطرفة التقنيات الحديثة للذكاء الاصطناعي وبرامج الفوتوشوب لتوليد محتوى بصري مزيف يصعب كشفه؛ بهدف تعزيز خطابها وتحفيز التجنيد، وكشفت بعض التحقيقات الاستقصائية لوكالة أسوشيتد برس أن تنظيم الدولة "داعش" أنشأ مقاطع فيديو وصورًا معدلة رقميًا لتمجيد العنف وإظهار العمليات المسلحة بشكل مثير، مما ساعد على جذب أعضاء جدد وزيادة التفاعل مع رسائله الدعائية على المنصات الرقمية.
وإلى جانب التجنيد، لجأت هذه الجماعات إلى استخدام الصور والفيديو لزرع الخوف والصدمة لدى الجماهير، ففي العديد من الحالات ظهرت مشاهد مسلَّط الضوء فيها على الهجمات والعنف بطريقة درامية، ما أدى إلى تأثير نفسي قوي على المتلقي. هذه الاستراتيجية تجعل المشاهد أكثر تقبّلًا لأفكار الجماعة، وتقلل من قدرة العقل على التمييز بين الحقيقة والخيال.

ولم تقتصر استخدامات الزيف البصري على التنظيمات المسلحة في الشرق الأوسط، بل امتدت إلى أوروبا أيضًا، حيث استخدمت حركات يمينية متطرفة أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج صور وفيديوهات مضللة تُشكِّل رسائل قومية متطرفة ضد المهاجرين أو شخصيات سياسية.
كما أظهرت تقارير أخرى أن بعض الجماعات المتطرفة بدأت في توظيف تقنيات تحويل النصوص إلى محتوى صوتي ومرئي بعدة لغات، ما يعزز انتشار رسائلها ويتيح الوصول إلى جماهير أوسع عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وشهد العالم حوادث تزييف عميق عقب هجوم إرهابي على قاعة حفلات موسيقية في روسيا، أعلن أحد فروع تنظيم داعش مسؤوليته عنه، وأسفر عن سقوط نحو 140 شخصًا.
ولادة "الزيف البصري"
شهدت السنوات الأخيرة طفرة كبيرة في تقنيات معالجة الصور والفيديو، حيث باتت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج محتوى يبدو حقيقيًا بدرجة كبيرة. هذه التطورات ألغت الحدود التقليدية بين الحقيقي والمصطنع، وجعلت الصور والفيديو أدوات مؤثرة في تشكيل الانطباعات العامة.

لم تعد هذه القدرات حكرًا على شركات التكنولوجيا الكبرى، بل أصبحت متاحة للجماعات المتطرفة والأفراد، مما يسمح لهم بإنتاج محتوى بصري مزيف بسرعة وبتكلفة منخفضة.
كما أصبح الزيف البصري جزءًا من الحياة اليومية، سواء في الأخبار أو على وسائل التواصل الاجتماعي، مما أدى إلى تآكل الثقة في الإعلام التقليدي وزيادة الشكوك حول مصداقية أي محتوى بصري يُنشر.
وبهذا الشكل، أصبح التلاعب بالصور والفيديو أداة قوية لإعادة كتابة الأحداث والتحكم في الانطباعات، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا أمام المجتمعات التي لم تتطور أدوات التحقق لديها بشكل يواكب التقنيات الحديثة.
الرهان على الصورة
استغلت الجماعات المتطرفة الصور والفيديو لتجنيد الأفراد وتحفيزهم على الانخراط في أفكارها المتطرفة، فمثلًا استخدمت تنظيمات مثل داعش مقاطع فيديو وصورًا معدلة رقميًا لتمجيد العنف وإظهار العمليات المسلحة بشكل مثير، مما زاد من قدرة الرسائل الدعائية على جذب الشباب.

كما لجأت هذه الجماعات إلى بث الخوف والصدمة عبر المحتوى المرئي، حيث تُعرض مشاهد العنف بطريقة درامية تزيد من تأثيرها النفسي على المتلقي. هذه الاستراتيجية تجعل الفرد أكثر تقبّلًا لأفكار الجماعة، وتُقلِّص قدرته على التفكير النقدي.
وامتد تأثير هذه الاستراتيجية إلى حركات يمينية متطرفة في أوروبا، التي استخدمت أدوات الذكاء الاصطناعي لإنشاء صور وفيديوهات مضللة ضد المهاجرين وشخصيات سياسية، ما أسهم في تأجيج النزاعات المجتمعية وزيادة الاستقطاب.
وفي أحدث الاتجاهات، بدأت بعض الجماعات بتحويل النصوص إلى محتوى صوتي ومرئي بعدة لغات، مما يسهل الوصول إلى جماهير أكبر ويزيد من انتشار خطاب الكراهية، ويحوّل الزيف البصري إلى أداة استراتيجية متكاملة للتأثير النفسي والاجتماعي.

مواجهة سلاح الصورة
تلعب التشريعات الدولية والقوانين دورًا مهمًا في الحد من انتشار المحتوى المضلل، من خلال إلزام منصات التواصل بمسؤوليات واضحة، ومعاقبة الجهات التي تستخدم المحتوى المزيف للتحريض أو التجنيد، بالإضافة إلى تطوير أدوات وتقنيات للتحقق من الصور والفيديوهات، مثل البرمجيات التي تكشف التلاعب الرقمي والتحقق من المصادر الأصلية، لضمان مصداقية المحتوى الرقمي.
وعلاوة على ما سبق، يجب تعزيز التربية الرقمية والإعلامية لدى الجمهور، بما يسهم في رفع مستوى الوعي، ويقوّي القدرة على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمزوّر، والوقوف ضد الحملات الدعائية المتطرفة، والكشف عن أساليب التلاعب الرقمي، مما يعزز وعي الجمهور ويجعلهم أقل عرضة للاستقطاب والتأثير السلبي.
ختامًا:
أصبحت الصورة، التي كانت مرآة للواقع، اليوم أداة لصنعه والتلاعب به، مستغلة التقنيات الحديثة وسرعة الانتشار على منصات التواصل، كما حوّلت الجماعات المتطرفة الزيف البصري إلى سلاح فعال يؤثر على الأفراد والمجتمعات، ويهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي.