الدرونز المجهولة تكسر خطوط التهدئة: تطورات في أزمة التيجراي بإثيوبيا
ما زالت الأحداث تتكشف يومًا بعد يوم حول حقيقة الأحداث الجارية في إقليم التيجراي بشمال إثيوبيا، وحقيقة الحرب التي اندلعت بصورة درامية خلال الأيام القليلة الماضية، ومدى تطورات تلك الحرب، خاصة أن الساعات الماضية من الصراع شهدت تطورات متلاحقة قد تغيّر طبيعة الصراع في منطقة القرن الأفريقي. فلأول مرة في المنطقة، يجري الحديث عن طائرات «درون» مجهولة المصدر تنفذ العديد من العمليات الانتحارية في دول المنطقة، مثل جيبوتي وإقليم التيجراي.
قبل الولوج في أتون المعركة الدائرة حاليًا، وما هي المآلات التي ستؤول إليها المعارك الدائرة، ينبغي أولًا التطرق إلى فتيل إشعال المعركة الحالية في إقليم التيجراي، وكالعادة سنجد أن الإدارة الأمريكية كانت السباقة في قدح زناد الحرب الجارية في إثيوبيا. ففي 16 يناير الماضي، جرى سجال لفظي حاد بين السفير الأمريكي في أديس أبابا، أرفين ماسنغا، وبين رئيس الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي، حيث زار ماسنغا في ذلك الوقت مناطق حدودية متصارعًا عليها بين جماعتي الأمهرا والتيجراي، وصرّح بضرورة تغليب الجوانب الإنسانية وعدم تسييس موضوع النازحين.
كلمات السفير الأمريكي فُسّرت في إقليم التيجراي على أنها محاولة أمريكية للضغط على الإقليم للتنازل عن حقوقه في استعادة المناطق المحتلة من قبل جماعة الأمهرا، وأن واشنطن باتت منحازة لأديس أبابا على حساب مصالح ميكيلي. وإزاء هذا التطور، تخوّفت جبهة تحرير التيجراي من تلك التصريحات، ولم يمضِ عشرة أيام على تصريحات السفير الأمريكي حتى بدأت الجبهة عملية تحرير للمناطق التيجرانية المحتلة من قبل جماعة الأمهرا.

في 26 يناير 2026، بدأت قوات دفاع التيجراي في الهجوم على منطقة صَمَلي وعبور نهر تيكيزي، ودخلت القوات التيجرانية المدعومة بالأسلحة الثقيلة في قتال خفيف مع القوات الفيدرالية وميليشيات حراس تيكيزي (ميليشيات تتبع جماعة الأمهرا).
وتأتي المبادرة العسكرية التيجرانية في محاولة منها لكسر حالة الجمود في الموقف التي خلّفتها اتفاقية بريتوريا للسلام (نوفمبر 2022)، إذ لم تُعلّق الاتفاقية وقتها على الانسحابات المفترضة من المناطق المتنازع عليها بين الجانبين، مما أدى إلى تفاقم أزمة النازحين في التيجراي.
تقدم مستمر
لا تزال القوات التابعة لجبهة تحرير التيجراي في حال تقدم مستمر على الجبهة الشرقية، حيث تمكنت من السيطرة على بلدات ألاماطا وكوروم، مما أدى إلى فرار أعداد كبيرة من السكان إلى بلدتي قوبو وولديا خوفًا على سلامتهم، وتجنب عمليات التجنيد الإجباري، لا سيما بين الشباب. وسيطرت القوات التيجرانية على المباني الحكومية في مدينتي ألاماطا وكوروم، وتراجعت القوات الفيدرالية إلى مدينتي قوبو وتشوبي، واعتبرت هذا التراجع تكتيكيًا من أجل الحفاظ على الأسلحة الثقيلة ومنعها من الوقوع في أيدي قوات الدفاع التيجرانية.
استخدام الدرونز
ما زالت المعلومات المتواترة من إثيوبيا تشير إلى تفجّر الأوضاع في إقليم التيجراي الواقع شمالي البلاد. فمؤخرًا تداولت الصحف الإثيوبية، ومنها صحيفة «أديس ستاندرد»، أخبارًا متعلقة باستخدام الطائرات المسيّرة «الدرونز» خلال الحرب التي اندلعت رحاها منذ يوم أو يومين.
أفادت القناة التليفزيونية المحلية الخاصة بإقليم تيجراي بمقتل شخص واحد وإصابة آخر بجروح، إثر غارة جوية بطائرة مسيّرة استهدفت شاحنتين في منطقة إنتيشو بمنطقة تيجراي الوسطى، يوم الجمعة الموافق 30 يناير 2026.

ألحقت الغارة الجوية ضررًا بشاحنتين تنقلان الموز والزيت والبن، كما وردت أنباء أخرى عن غارة جوية بطائرة مسيّرة أخرى استهدفت منطقة جندبتا بإقليم تيجراي الأوسط، واستهدفت هذه الغارة مركبات محمّلة بالبضائع والجبن.
لم تُعلن حتى الآن أية جهة مسؤوليتها عن هجمات الدرونز الأخيرة في إقليم التيجراي، ومما يزيد الأمور خطورة أن هذا الهجوم المجهول المصدر يُعد الثاني خلال الشهر الجاري في منطقة القرن الأفريقي، ففي منتصف الشهر الجاري شهدت دولة جيبوتي هجمات بواسطة طائرات درونز استهدفت وسط البلاد، مما أدى إلى وقوع قتلى وجرحى.
تشير المصادر إلى قيام «جبهة استعادة الديمقراطية والوحدة» التابعة لجماعة العفر والموالية لإثيوبيا بتنفيذ تلك الهجمات انطلاقًا من الأراضي الإثيوبية تجاه جيبوتي، كما أنه من المحتمل أن تكون تلك الجبهة أيضًا هي من شنّت هجماتها الأخيرة على إقليم التيجراي، خاصة بعد أنباء عن تقدم قوات جبهة تحرير التيجراي داخل مناطق العفر في إثيوبيا.
توقف حركة المطارات
نتيجة اندلاع أعمال العنف في إقليم التيجراي، أعلنت الخطوط الجوية الإثيوبية عن تعليق جميع الرحلات الجوية الإثيوبية إلى مطارات إقليم التيجراي يوم 29 يناير 2026، بما في ذلك مطارات ميكيلي وأكسوم وشير وهوميرا. كما أدى تعليق الرحلات الجوية إلى إلغاء زيارة رئيس الإدارة المؤقتة لتيجراي، تاديسي ووريدي، إلى أديس أبابا. وكانت الاشتباكات قد اندلعت في مدينة تسليمت في غرب التيجراي، وهي منطقة متنازع عليها بين إقليمي التيجراي والأمهرا، وتسيطر عليها ميليشيات فانو والعديد من الميليشيات الأمهرية.
جهود الوساطة والدعوة للسلام
في أعقاب الاشتباكات، حثّ رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمد علي يوسف، جميع الأطراف على ضبط النفس إلى أقصى حد مع تصاعد التوترات، والحفاظ على المكتسبات التي تم تحقيقها بفضل اتفاق بريتوريا الموقّع في نوفمبر 2022.
كما انبرت العديد من الأحزاب المعارضة داخل إقليم التيجراي للتحذير من خطورة تجدد الصراع في المنطقة، ودعت الوسطاء الدوليين والضامنين لاتفاقية وقف إطلاق النار إلى اتخاذ إجراءات وقائية عاجلة.
فعلى سبيل المثال، أعلن حزب «سالساي وياني تيغراي» وحزب «استقلال تيجراي» في رسائل موجهة إلى الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرهم من الضامنين لاتفاقية بريتوريا للسلام، عن قلقهما البالغ إزاء ما وصفاه بتصاعد التوترات السياسية والعسكرية، التي قد تقوض السلام الهش في التيجراي.

قالت حركة السلام في بريتوريا إنه، على الرغم من أن اتفاقية بريتوريا للسلام أنهت رسميًا الأعمال العدائية، إلا أن تنفيذها كان «بطيئًا وغير متساوٍ ويخضع لمراقبة غير كافية»، مما أدى إلى تزايد الصراع.
فيما أعربت اللجنة الإثيوبية لحقوق الإنسان عن قلقها البالغ إزاء تجدد الصراع والتحركات العسكرية في المناطق الحدودية لأقاليم تيجراي وأمهرا وعفار، محذّرةً من النزوح، وفرض قيود على الحركة، ومخاطر انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
وختامًا:
تبدو الصورة فيما يتعلق بمستقبل الأزمة التيجرانية في إثيوبيا أكثر ضبابية، خاصة أن قوات الدفاع التيجرانية ما زالت في موقع متقدم قوي للغاية، على عكس الوضع في عام 2022. فاليوم بات لها حلفاء إقليميون داعمون، مثل إريتريا التي شاركت في الحرب الماضية في صف القوات الفيدرالية، أما اليوم فقد تنحاز إلى قوات التيجراي على خلفية الخلافات بين آبي أحمد، رئيس وزراء إثيوبيا، وأسياس أفورقي، رئيس إريتريا، بسبب رغبة الأول في ضم ميناء عصب للسيادة الإثيوبية.
كما أن دولة مثل جيبوتي ساءها خلال الفترة الماضية التعاون والدعم الإثيوبي لجماعة العفر، وهو ما نجم عنه الهجمات الأخيرة التي طالت جيبوتي، لذا في الحرب القادمة قد تدعم جماعة التيجراي، أو على الأقل لن تقدم أي دعم للحكومة الفيدرالية الإثيوبية.لذا يمكن القول إن محاولة تثوير العفر في منطقة القرن الأفريقي من قبل أديس أبابا فرضت عليها عزلة إقليمية خانقة، قد تؤدي في نهاية الأمر إلى الإضرار الجسيم بالنظام السياسي في أديس أبابا بقيادة آبي أحمد، خاصة أننا في عام 2026، وهو العام الذي من المفترض أن يشهد الانتخابات التشريعية الإثيوبية.
محمد الدابولي*



