رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

العراق أمام مأزق جديد: المالكي بين الفيتو الأمريكي والإجماع الشيعي

رئيس الوزراء العراقي
رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي

أزمة عراقية متجددة اسمها اختيار رئيس الوزراء العراقي، فالأزمة الحالية هي تكرار للأزمة السياسية التي شهدتها البلاد عامي 2021 ـــــــ 2022، حين ظلت بغداد عاجزة لمدة شهور عن اختيار رئيسٍ لحكومتها، حتى تم الاستقرار من قبل الإطار التنسيقي وقتها على اختيار محمد شياع السوداني رئيسًا للوزراء في أكتوبر 2022.

أُجريت الانتخابات التشريعية العراقية في 11 نوفمبر 2026، إذ تبارت فيها معظم المكونات السياسية والعرقية العراقية، باستثناء كتلة الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، الذي آثر الابتعاد عن المشهد السياسي على خلفية الأزمة السياسية السابقة في عام 2022. وجاءت نتيجة الانتخابات لتضعنا أمام أزمة سياسية متكررة في الشارع السياسي العراقي، فلا حزب سياسي نجح في الاستحواذ على الأغلبية البسيطة من مقاعد مجلس النواب البالغ إجمالها 329 مقعدًا.

حاز الائتلاف الحزبي «ائتلاف الإعمار والتنمية»، الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، على أكثرية المقاعد بواقع 46 مقعدًا في المجلس من أصل 329، أي بنسبة لا تتجاوز 13.9% من إجمالي عدد المقاعد، وبالتالي لم يستطع تحقيق النسبة الرابحة لتشكيل الحكومة والمقدرة بـ 50% +1، وبات عليه الدخول في تحالفات واندماجات سياسية مع باقي القوى الفائزة في الانتخابات لكي يصل إلى النسبة المسموحة له لتشكيل المجلس. ومما يثير الجدل أن عدد مقاعد ائتلاف السوداني، بالإضافة إلى مقاعد الأكراد والسنة، لا يكفي لتجاوز نسبة 50% +1، وبالتالي إكلينيكيًا خرج السوداني من دائرة الترشح لمنصب رئيس الوزراء العراقي القادم.

نور المالكي 
نور المالكي 

تعد الكتلة الأبرز حاليًا في البرلمان العراقي هي كتلة الإطار التنسيقي، التي تضم في طياتها العديد من الأحزاب الشيعية المختلفة والمحسوبة سياسيًا على إيران ونظام الولي الفقيه، مثل ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي الذي حصل على 29 مقعدًا، وعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي المفروض عليه عقوبات من قبل أمريكا، والعديد من الأحزاب الشيعية الأخرى. ونجحت تلك الكتلة في تحقيق النسبة المقررة لاختيار رئيس الوزراء القادم، وعليه تقدم نوري المالكي بالترشح لمنصب رئيس الوزراء العراقي القادم على خلفية النتائج التي حققتها كتلة الإطار التنسيقي خلال الانتخابات الماضية، إذ حصد الإطار التنسيقي 187 مقعدًا من أصل 329 مقعدًا، أي بنسبة 56% من إجمالي المقاعد.

دوافع اختيار المالكي

يعد إعادة الدفع بالمالكي مرة أخرى لتمثيل العراق أمرًا مثيرًا، نظرًا لما يمتلكه الرجل من تاريخ سياسي طويل مليء بالفتن والاضطرابات الداخلية في العراق. ففي عهد ولايته الأولى، وتحديدًا في عام 2008، اندلعت الحرب الأهلية العراقية بين المكون السني والمكون الشيعي. كما كان العراق خلال الفترة الممتدة من عامي 2006 وحتى عام 2015 بمثابة عينة الاختبار الأولية والمركزية لبروز الإرهاب الطائفي. فالمالكي كان شاهدًا على بزوغ وتغلغل التنظيمات الإرهابية الموالية للقاعدة، والتي انتهت بظهور تنظيم داعش الإرهابي. كما أن فترة عهده السابقة هي التي تكونت ونشطت فيها الميليشيات الموالية لإيران، وعلى رأسها الحشد الشعبي. لذا يمكن قراءة دوافع اختيار المالكي في النقاط التالية:

أولًا: العودة الإيرانية للمنطقة

 لا يمكن فصل اختيار نوري المالكي عن التطورات الإيرانية في المنطقة، فإيران خلال الفترة الأخيرة تعرضت لعملية تقليص نفوذها في المنطقة من خلال إسقاط نظام بشار الأسد في سوريا، وإضعاف حزب الله، وأخيرًا ضرب منشآتها النووية في يونيو الماضي. لذا تحاول طهران حاليًا استعادة نفوذها وأذرعها في المنطقة، ولعل البداية تكون بعودة نوري المالكي، الذي يعد أحد أدوات طهران، فهو من سهل على الحرس الثوري الإيراني مسألة تدشين عشرات الميليشيات الشيعية في العراق.

محمد شيا سوداني
محمد شيا سوداني

ثانيًا: اللعب بورقة التنظيمات الإرهابية

 من ضمن الدوافع أيضًا قدرة المالكي على المناورة بورقة التنظيمات الإرهابية. فعلى سبيل المثال، شهد النظام العراقي عدم استقرار سياسي خلال الفترة من 2011 وحتى 2014 على خلفية مطالبة المحافظات السنية، مثل بغداد وصلاح الدين، بتحسين أحوالهم الاجتماعية والمعيشية، مما دفع المالكي وقتها إلى إطلاق وتسهيل مهام تنظيم الدولة الإسلامية في العراق من أجل التمدد والانتشار في المحافظات السنية، مما يدعم فرضية أن تلك المحافظات مسيطر عليها من قبل الجماعات الإرهابية. لكن ما حدث أن خرجت تلك الجماعات عن السيطرة وامتد أثرها إلى باقي دول العالم، حيث تنظيم داعش.

ثالثًا: عودة الحرب الطائفية بين السنة والشيعة

منذ توليه السلطة في عام 2005، عمل المالكي على إذكاء الفتنة الطائفية في البلاد بين السنة والشيعة، وعليه اندلعت الحرب الأهلية العراقية (2008 ـ 2010). وفي تلك الحرب تم حشد القوى الشيعية لتأييد المالكي، وفي المقابل تم شيطنة القوى السنية واتهامها بالتحالف مع تنظيم القاعدة.

رابعًا: الاحتراب مع النظام السوري

 تعد الخسارة الإيرانية في سوريا هي الأبرز، لذا من المحتمل أن يكون اختيار المالكي رئيسًا للوزراء في العراق من شأنه افتعال الأزمات السياسية والأمنية مع النظام السوري، وتجدد القتال مرة أخرى في سوريا تحت ذرائع حماية الأقلية العلوية في الساحل السوري.

المرشد الإيراني 
المرشد الإيراني 

خامسًا: مأسسة الحشد الشعبي في البلاد

 قبيل انتهاء الفصل التشريعي السابق في العراق، وتحديدًا في أغسطس 2025، برزت إلى الساحة النيابية العراقية أزمة قانون الحشد الشعبي، الذي يحاول مأسسة الحشد بعيدًا عن القوات المسلحة العراقية وإعطائه الأفضلية في الوصول إلى الموارد المناسبة لتحقيق استقلاليته المالية بعيدًا عن الحكومة العراقية. ولعل اختيار المالكي جاء من أجل تسريع ظهور هذا القانون المريب.

الفيتو الأمريكي

لعل الدوافع السابقة كانت سببًا في بروز الرفض الأمريكي لاختيار المالكي، ففي 28 يناير، وعبر منصة "تروث"، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفضه لاختيار المالكي رئيسًا للوزراء، مهددًا بقطع المساعدات عن العراق. وفي محاولة من المالكي لتوضيح موقفه إزاء الإدارة الأمريكية، التقى يوم 30 يناير مع جوشوا هاريس، القائم بالأعمال الأمريكي في العراق، لتوضيح موقفه من الترشح لمنصب رئيس الوزراء.

لم يكن تحذير ترامب هو الأول من نوعه، فقد سبقه تحذير وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو في اتصال سابق مع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، والذي حذر من عملية اختيار رئيس وزراء للبلاد موالٍ لإيران، ولعله كان يقصد في ذلك الوقت قيس الخزعلي.

أحمد الشرع
أحمد الشرع

أزمة معتقلي داعش

في الأسبوعين الماضيين برزت أزمة معتقلي داعش في السجون السورية، إذ أدت الحرب السريعة بين الجيش السوري المدعوم بالعشائر وبين قوات قسد إلى تلويح قسد بفتح السجون التي تسيطر عليها، والتي تحتوي على آلاف من معتقلي داعش، مما أدى إلى استنفار القيادة المركزية الأمريكية، التي دعت إلى نقل المعتقلين إلى العراق، ورحب العراق وقتها بتلك العملية معلنًا عزمه استقبال هؤلاء وإعادة محاكمتهم.

إلا أن الأعداد الكبيرة لهؤلاء المعتقلين، والتي بلغت حوالي 7 آلاف معتقل، أثارت تخوف الإدارة العراقية، مما أدى إلى تباطؤ العراق في استقبالهم، ودعت الدول الغربية إلى استقبال الجنسيات الخاصة بها، لكن الدول الأوروبية رفضت هذا الأمر.

ولعل اختيار المالكي كرئيس للوزراء يفتح الباب أمام تخوفات كبيرة من احتمالية استغلال هؤلاء المعتقلين مرة أخرى من قبل النظام العراقي المدعوم إيرانيًا، بتصدير مشكلة داعش مرة أخرى للدول الغربية، على غرار ما حدث خلال عامي 2014 و2015، حين سمحت الحكومة العراقية وقتها، بقيادة المالكي، لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق بالتغلغل والانتشار وإبراز تهديده لكافة دول العالم، في حين كان من المفترض والمقدر أن تقوم السلطات العراقية وقتها بوأد التنظيم في بداية تحركه.

ترامب 
ترامب 

ختامًا:

 يمكن القول إن عملية إعادة الدفع بنوري المالكي مرة أخرى من شأنها استعادة النفوذ الإيراني مرة أخرى، وهو ما تدركه واشنطن حاليًا، والتي تسعى جاهدة من أجل منع توليه السلطة السياسية في البلاد. لذا قد يحاول الإطار التنسيقي إعادة الدفع بشخصية أخرى لرئاسة الحكومة بعيدًا عن المالكي أو السوداني، خاصة أن الأخير نجح في اكتساب شعبية له بعيدًا عن الإطار التنسيقي، نظرًا لحجم التنمية والإعمار التي نفذها في البلاد خلال السنوات الثلاث الماضية، وهو ما أدى إلى حصوله على الأكثرية بواقع 46 مقعدًا، وذلك بعد أن كان يمتلك أربعة مقاعد في الانتخابات السابقة في عام 2021.

 محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء