رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هل يهدد الممر القطبي مكانة قناة السويس في التجارة العالمية؟

القطب الشمالي المتجمد
القطب الشمالي المتجمد - أرشيفية

كشفت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتتالية عن رغبة بلاده في السيطرة واحتلال جزيرة جرينلاند الدنماركية الواقعة شمال أوروبا، إذ تتوسط المحيط القطبي الشمالي والمحيط الأطلسي، بما يعكس الأهمية المتزايدة للمناطق القطبية الشمالية والجنوبية، وسعي الدول الكبرى، خاصة أمريكا والصين وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي، إلى فرض السيادة على تلك المناطق غير المأهولة بالسكان.

على مدار عقود طويلة شكّلت المناطق القطبية مناطق نفور سكاني نظرًا لطبيعة الأجواء القارسة في تلك المناطق البعيدة، إذ غالبًا ما يكسوها الجليد معظم أوقات السنة، الأمر الذي يستحيل معه قيام الحياة. وخلال فترة الحرب الباردة، على سبيل المثال، شكّلت المناطق القطبية في شمال روسيا بمثابة مناطق للنفي والعقوبات الاجتماعية التي كان يفرضها الاتحاد السوفيتي على معارضيه، إذ عمد إلى إنشاء العديد من معسكرات الغولاغ (معسكرات الاعتقال) في تلك المناطق لإيداع أعداء النظام فيها.

خلال السنوات الأخيرة، وتحديدًا منذ عقدين تقريبًا، بات العالم يعاني من أزمة كونية، وهي حالة الاحتباس الحراري الناجمة عن تزايد انبعاثات الكربون في الهواء، مما أدى إلى زيادة درجة حرارة الأرض بمقدار درجتين مئويتين تقريبًا مقارنة بوضع المناخ في بداية الثورة الصناعية. وأدت عملية الاحترار التي يعاني منها العالم حاليًا إلى تغييرات ثورية في شكل الكرة الأرضية، إذ أدى ارتفاع درجة الحرارة إلى بداية تذويب الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي، الأمر الذي منح قبلة الحياة لتلك المناطق القاحلة والقارسة البرودة.

القطب الشمالي المتجمد 
القطب الشمالي المتجمد 

فعلى سبيل المثال، برزت خلال السنوات الأخيرة العديد من الأنشطة التجارية في المحيط المتجمد الشمالي، مثل النشاط الملاحي، الذي كان معدومًا في تلك المنطقة منذ بدء البشرية. أما اليوم، فبات من السهولة نوعًا ما تمرير الناقلات والحاويات في تلك المنطقة التي كانت متجمدة في السابق، فضلًا عن إمكانية تدشين أنشطة اقتصادية أخرى، مثل الصيد والبحث والتنقيب عن المعادن ومصادر الطاقة المختلفة.

 

القطب الشمالي 
القطب الشمالي 

لذا أدت التغيرات المناخية إلى إبراز الأهمية الاقتصادية للقطبين الشمالي والجنوبي، مما أدى حاليًا إلى تنافس محموم بين القوى الكبرى من أجل السيطرة على ثروات المحيط القطبي الشمالي والجنوبي، ولعل رغبات ترامب في السيطرة على جزيرة جرينلاند هي أولى تلك المحاولات من أجل التموضع من جديد في المناطق الشمالية من كوكب الأرض.

دخول صيني

لم تفوّت الصين الفرصة من أجل استغلال ثروات القطب الشمالي ومحيطه المتجمد؛ ففي 23 سبتمبر 2025 سيرت بكين سفينة الحاويات العملاقة لديها المسماة "جسر إسطنبول" إلى أوروبا عبر المحيط المتجمد الشمالي، وهو ما يعد علامة فارقة في تاريخ الملاحة في هذا المحيط.

تم إبحار سفينة الحاويات "جسر إسطنبول" (تحتوي على 5 آلاف حاوية) من ميناء نينغبو الواقع في شرق الصين على بحر الصين الشرقي في 22 سبتمبر 2025، لتصل السفينة إلى ميناء فيليكسستو بمقاطعة سوفولك البريطانية في 13 أكتوبر 2025، مستغرقة 20 يومًا. وتؤرخ تلك الرحلة بأنها بداية لتدشين خط ملاحي جديد بين شرق آسيا وغرب أوروبا بعيدًا عن الطرق التقليدية القديمة، مثل قناة السويس وطريق رأس الرجاء الصالح.

سفينة جسر إسطنبول
سفينة جسر إسطنبول

المحيط المتجمد الشمالي

يُعد المحيط المتجمد الشمالي أحدث ممر ملاحي على مستوى العالم، إذ يمتد على طول الساحل الشمالي لروسيا، ويربط بين بحر بيرينغ شرقًا (بين روسيا وولاية ألاسكا الأمريكية) وبحر بارنتس غربًا (على الحدود الروسية النرويجية)، ويمر على العديد من البحار في تلك المنطقة، مثل بحر كارا وبحر لابتيف وبحر سيبيريا الشرقي وبحر تشوكشي. ويوفر ذلك المحيط ممرًا تجاريًا هامًا بين دول شرق آسيا، خاصة الصين، ودول غرب أوروبا، خاصة في فترتي الصيف والخريف اللتين تشهدان انحسارًا شبه كامل للجليد في ذلك المحيط.

خلال فترة الاتحاد السوفيتي برزت أهمية استغلال الملاحة في المحيط المتجمد الشمالي، مما أدى إلى إنشاء العديد من معسكرات الغولاغ في المناطق الشمالية، مزودة بالأساطيل وكاسحات الجليد، إلا أنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي تراجع الاهتمام الروسي بمشروعات المحيط الشمالي. لكن في العقدين الأخيرين، وتحديدًا في عهد الرئيس فلاديمير بوتين، بدأت عملية استعادة الاهتمام بمشروعات المحيط الشمالي.

التواجد الروسي في القطب الشمالي
التواجد الروسي في القطب الشمالي

مميزات الإبحار 

تمتلك الخطوط الملاحية الناشئة في المحيط القطبي الشمالي حاليًا العديد من المزايا التجارية والملاحية، والتي ترجّح أن يكون هذا الخط الملاحي هو الأول في العالم خلال العقد القادم، ومن أبرز تلك المميزات:

أولًا: اختصار زمن الرحلة

 يختصر الممر الملاحي في المحيط الشمالي زمن الرحلة من شرق الصين إلى غرب أوروبا بمقدار 40% مقارنة بخطوط ملاحية أخرى، أبرزها قناة السويس وطريق رأس الرجاء الصالح، مما يعني توفيرًا كبيرًا في الوقت، وتقليل استهلاك الوقود، وتقليل مصاريف التأمين على مخاطر الشحن وغيرها من المصاريف المتعلقة بطول الفترة الزمنية لعملية الإبحار.

جزيرة جرينلاند
جزيرة جرينلاند

ثانيًا: الابتعاد عن أزمات السويس 

على مدار التاريخ شهدت قناة السويس العديد من الأزمات الفنية والأمنية والسياسية التي أدت إلى تعطيل الملاحة فيها لفترات متقطعة، وصلت بعضها إلى ما يقارب ثماني سنوات. فعلى سبيل المثال، تم إيقاف الملاحة في القناة على خلفية العدوان الثلاثي عام 1956، كما تم إيقاف الملاحة مرة أخرى من 5 يونيو 1967 حتى 5 يونيو 1975، وذلك على خلفية حربي 1967 و1973 بين مصر وإسرائيل. ومؤخرًا توقفت الملاحة في عام 2021 خلال الفترة من 23 مارس حتى 29 مارس نتيجة جنوح سفينة الحاويات العملاقة "إيفر غيفن".

هذا بالنسبة إلى الأزمات المباشرة التي تعرضت لها القناة، أما الأزمات غير المباشرة التي أدت إلى تقليل حجم الملاحة في القناة، فتشمل الأزمات التي يتعرض لها مضيق باب المندب في جنوب البحر الأحمر من هجمات مستمرة لجماعة الحوثي على السفن المارة في المنطقة، وبالتالي منعها من المرور في قناة السويس، إضافة إلى أعمال القرصنة التي شهدتها السواحل الصومالية في فترة ماضية.

ثالثًا: مرونة الملاحة في المحيط الشمالي 

ما يجعل ممر المحيط المتجمد الشمالي متفوقًا على ممر قناة السويس هو المرونة الملاحية في المحيط؛ فقناة السويس ضيقة المساحة وتستلزم وجود مرشدين وقاطرات لجر الحاويات، أما المحيط الشمالي فهو محيط مفتوح نسبيًا يمكن للحاويات أن تمر فيه بسهولة دون مرشدين أو قاطرات جر.

تحديات المسار

رغم المزايا السابقة، إلا أنه توجد العديد من التحديات التي قد تعيق مسألة الإبحار في المحيط الشمالي، أبرزها:

أولًا: الهيمنة الروسية

 تخوض روسيا اليوم معركة قانونية كبيرة حول المحيط الشمالي، إذ تعتبر موسكو المحيط منطقة بحرية داخلية مشمولة بالسيادة الروسية الكاملة، وبالتالي يحق لها فرض رسوم مرور على السفن والحاويات المارة به، إلا أن أمريكا والدول الأوروبية تعتبر المحيط الشمالي مياهًا دولية شأنه شأن بقية المحيطات، يخضع لأطر القوانين الدولية للبحار، وأن الحقوق الروسية متعلقة بمياهها الإقليمية والاقتصادية فقط، أما بقية المحيط فهو منطقة دولية، وهو ما يفتح الباب مستقبلًا أمام أمريكا وأوروبا للتنقيب عن البترول والطاقة في المناطق الدولية في ذلك المحيط.

ومما يعزز الهيمنة الروسية حاليًا أن المحيط ما زال يحتوي على كتل جليدية، مما يستدعي الاستعانة بخدمات كاسحات الجليد الروسية من أجل توسيع الممرات الملاحية أمام سفن الحاويات.

ثانيًا: اختناق المسار

 في دراسة منشورة على موقع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أبرزت أن بعض مناطق المحيط الشمالي يكون عمقها أقل من عمق قناة السويس، مما يستلزم امتلاك تلك الحاويات غاطسًا أقل، حتى لا يتسبب ذلك في شحوطها.

ثالثًا: فترة ملاحة محدودة

 ما زالت الملاحة في المحيط الشمالي محدودة بعض الشيء، وتحديدًا خلال فصلي الصيف والخريف، أما فصلا الشتاء والربيع فيستحيل معهما الإبحار نظرًا لتكوّن كتل جليدية ضخمة تعوق عملية الملاحة.

وختامًا:

يُعد استمرار ظاهرة الاحتباس الحراري في إعادة تشكيل محيطات العالم، وبقاء بؤر التوتر الجيوسياسي متقلبة، عاملين يرجّحان تزايد أهمية ممر بحر الشمال للتجارة العالمية. ولذلك، قد يُذكر "جسر إسطنبول" ليس فقط كسفينة، بل كرمز لعالم متغير؛ عالم أصبح فيه القطب الشمالي، الذي كان يومًا ما حدود الكوكب المتجمدة، ملتقى طرق نشطًا للتجارة والمنافسة العالميتين.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء