إسرائيل والمرحلة الثانية: مخاوف استراتيجية تتجاوز الهاجس الأمني
نجحت الإدارة الأمريكية في تحقيق نجاحٍ ملحوظٍ في تحقيق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ففي 9 أكتوبر الماضي تم التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وفصائل المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة حماس، وفي 13 أكتوبر 2025 شهدت مدينة شرم الشيخ المصرية مؤتمرًا دوليًا للسلام في غزة، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
عقب مؤتمر السلام تم الاستقرار على بنود اتفاق وقف إطلاق النار، وهي كالتالي: تحقيق وقف إطلاق النار وتثبيته بين الطرفين، والدخول الفوري في عمليات الإفراج عن الرهائن والأسرى بين الجانبين، وتحقيق انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى مناطق ما يُسمى بالخط الأصفر في قطاع غزة، وهو المرحلة الأولى من الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة.
في يناير الماضي أعلنت واشنطن الدخول في أتون المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، المتمثلة في تشكيل مجلس السلام الدولي بقيادة دونالد ترامب، وتشكيل اللجنة التكنوقراطية الفلسطينية، وأخيرًا تشكيل قوة الاستقرار الدولية. وجدير بالذكر أن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار تسير على الأشواك، حيث وُجدت العديد من العراقيل في المرحلة الماضية كانت كفيلة بانهيار الاتفاق من أساسه، مثل الخروقات الإسرائيلية المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار، وكأن تل أبيب كانت لا تتمنى أن تأتي تلك المرحلة، وتريد إبقاء الوضع كما هو عليه.

فعليًا حاولت تل أبيب تأجيل الولوج في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، متذرعة بضرورة تسليم جثمان الرهينة الأخير رون جفيلي قبل الولوج في ترتيبات المرحلة الثانية من الاتفاق، لكنه مؤخرًا تم الكشف عن جثمان جفيلي وتم تسليمه إلى الجانب الإسرائيلي، وبالتالي تكون إسرائيل قد نجحت في تحرير جميع الرهائن الأحياء والأموات في قطاع غزة.
من المؤكد أن إسرائيل خلال الفترة الماضية حاولت إبطاء وتيرة التقدم في اتفاق وقف إطلاق النار، كما حاولت أيضًا إفشال الاتفاق أكثر من مرة، وذلك لتخوفاتها من مرحلة ما بعد المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، والتي تحمل في طياتها العديد من التحديات الحقيقية لإسرائيل وخططها المتعلقة بغزة وفلسطين، ومن أبرز تلك التحديات:
أولًا: الوجود التركي القطري في غزة
في أكثر من مناسبة عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تخوفه من المشاركة التركية في اتفاق وقف إطلاق النار، كما تتخوف إسرائيل من المشاركة الدولية في قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة.
فتركيا، التي وصفها الإعلام الإسرائيلي مؤخرًا بأنها الجبهة الثامنة، ستتحرك بحرية في جنوب إسرائيل، مستغلة تواجدها الأمني والعسكري المحتمل في قطاع غزة، وهو ما لا تريده إسرائيل وغير مقتنعة بالتطمينات الأمريكية الخاصة بهذا الأمر. وآخر التطورات التركية في غزة هو محاولة تمرير فكرة إدماج عناصر الشرطة الخاصة بحماس في منظومة قوة الاستقرار الدولية في غزة، وهو ما يعني استمرار الحركة في حكم القطاع بشكل أو بآخر.

ثانيًا: فتح معبر رفح ورفع المعاناة الإنسانية في غزة
مؤخرًا أعلنت إسرائيل عن فتحها لمعبر رفح الواقع على الحدود مع مصر، بما يعني رفع المعاناة الإنسانية عن الشعب الفلسطيني وتسهيل إدخال قوافل المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وهو ما يعني فقدان ميزة استراتيجية لإسرائيل، إذ دأبت خلال الفترة الماضية على استغلال ورقة المساعدات الإنسانية في الضغط على حماس وتقوية نفوذ الميليشيات والعصابات المناهضة لحماس، إذ دائمًا ما كان يتم تمرير تلك المساعدات إلى تلك العصابات التي تتولى مسؤولية توزيعها، الأمر الذي يرفع شعبيتها في الأوساط الفلسطينية، لكن بعد فتح المعبر فقدت تلك العصابات ميزتها الاستراتيجية.
ثالثًا: الانسحابات المتوقعة من الخط الأحمر إلى المنطقة الرمادية
بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار في 9 أكتوبر الماضي تم الاتفاق على ثلاث مراحل للانسحاب، أولها الانسحاب إلى ما يُعرف حاليًا باسم الخط الأصفر، ومن المفترض فور تشكيل قوة الاستقرار الدولية أن يتم الانسحاب الإسرائيلي إلى ما يُسمى بالخط الأحمر، والذي يقع شرق الخط الأصفر، كما أنه من المفترض أن يتم الانسحاب مرة أخرى وثالثة إلى الحدود القديمة بين غزة وإسرائيل وتشكيل منطقة عازلة.

خلال الفترة الأخيرة ساهمت إسرائيل في تطهير المنطقة الخضراء الواقعة شرق الخط الأصفر من كافة عناصر المقاومة الفلسطينية، وهدم الأنفاق في تلك المنطقة، كما روجت في العديد من وسائل الإعلام إلى محاولة تقسيم غزة إلى منطقتين يفصلهما الخط الأصفر، أي جزء يخضع للسيادة الإسرائيلية وجزء آخر مسيطر عليه من حماس، وأن جملة المساعدات الدولية الإنمائية سيتم توجيهها للمنطقة المسيطر عليها إسرائيليًا، مما يعني أن هناك نية إسرائيلية مبيتة على عدم الانسحاب إلى ما يُسمى بالخط الأحمر والمنطقة الرمادية.
رابعًا: التدخل الأمريكي في منطقة شرق المتوسط
حاليًا تتحرك السياسة الأمريكية تجاه الموارد الطبيعية من المعادن ومصادر الطاقة وخلافه، ومؤخرًا نشر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي دراسة أخيرة تطرق فيها إلى أن من دوافع أمريكا لتشكيل مجلس السلام الدولي هو محاولة الوثوب على مناطق شرق المتوسط الغنية بالغاز الطبيعي في تلك المنطقة.
وجدير بالذكر أن إسرائيل خلال العقد الماضي تمكنت من السيطرة على أكبر قدر من البلوكات في منطقة شرق المتوسط، متجاهلة الحقوق الفلسطينية والأردنية واللبنانية في غاز شرق المتوسط، لكن مع الوجود الأمريكي الحالي في غزة قد تُفتح تلك القضية مرة أخرى، وتحاول واشنطن أن يكون لها نصيب من غاز شرق المتوسط تحت ذريعة تنمية وحماية المقدرات الفلسطينية في غاز شرق المتوسط، وهو ما يعد منافسًا لإسرائيل في تلك المنطقة.
خامسًا: إقامة الدولة الفلسطينية
يعد تشكيل لجنة التكنوقراط بقيادة الدكتور علي شعث بمثابة مرحلة أولية من أجل تحقيق حلم بناء الدولة الفلسطينية الموحدة، لذا تتخوف إسرائيل من احتمالية نجاح الدكتور شعث في إحياء حلم الدولة الفلسطينية وتعزيز استقلالية الضفة الغربية، خاصة في ظل محاولات اليمين الإسرائيلي مؤخرًا لفرض السيادة الإسرائيلية عليها وإجهاض حلم قيام الدولة الفلسطينية.

سادسًا: عدم احتواء الخطة الأمريكية
تعد عدم احتواء الخطة الأمريكية على آلية تمكّن إسرائيل من مراقبة عملية تفكيك سلاح "حماس" تلك النقطة من أبرز النقاط الفنية التي تشغل بال الإسرائيليين، خاصة في ظل التخوف الإسرائيلي من عدم قدرة قوة الاستقرار الدولية (ذات الغالبية الإسلامية) على مواجهة حركة حماس وإجبارها على نزع السلاح، وأننا بصدد نزع جزئي للسلاح وتجميد بعضه، وهو ما ترفضه إسرائيل، إذ تريد نزعًا كاملًا للسلاح وإبعاد عناصر الجناح المسلح عن غزة.

سابعًا: توفير الحماية الدولية لقطاع غزة أمام التدخلات الإسرائيلية
منذ التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار جرت المئات من الخروقات الإسرائيلية المستمرة تجاه غزة، إذ استهدفت تل أبيب العديد من قيادات الحركة المؤثرة عقب وقف إطلاق النار، لكن بعد نشر قوة الاستقرار الدولية هل ستستمر تلك الخروقات أم سيكون هناك حسابات أخرى؟ حيث تخشى تل أبيب من توفير قوة الاستقرار الدولية حصانة عسكرية دولية لمقاتلي الحركة وإبعادهم عن محاولات الاستهداف والاغتيال الإسرائيلي، لذا تروج إسرائيل حاليًا إلى إمكانية نشر قوة الاستقرار في المنطقة الخضراء شرق الخط الأصفر لضمان حرية تحركاتها العسكرية تجاه حماس.
ختاما:
يتضح في ضوء ما سبق، أن التخوفات الإسرائيلية من الولوج في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة لا تنبع من اعتبارات أمنية ظرفية فحسب، بل ترتبط برؤية استراتيجية أشمل تتعلق بمستقبل القطاع وترتيبات ما بعد الحرب، وحدود النفوذ الإقليمي والدولي داخله. فإسرائيل تدرك أن نجاح هذه المرحلة قد يفرض واقعًا سياسيًا وأمنيًا جديدًا يقلّص من هامش حركتها العسكرية، ويعيد فتح ملفات شائكة تتعلق بإعادة الإعمار، وترتيبات الحكم، ومستقبل السلاح، بل وإمكانية إحياء مسار الدولة الفلسطينية.
وعليه، فإن محاولات تل أبيب إبطاء أو تعطيل تنفيذ المرحلة الثانية تعكس سعيًا واضحًا لإعادة هندسة الاتفاق بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية، حتى وإن كان ذلك على حساب استدامة وقف إطلاق النار أو الاستقرار الإنساني في غزة. وفي المقابل، يبقى مستقبل الاتفاق مرهونًا بقدرة الأطراف الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، على فرض التزامات واضحة ومتوازنة، تحول دون الانزلاق مجددًا إلى مربع التصعيد، وتضع حدًا لاستخدام الاتفاق كأداة لإدارة الصراع بدلًا من إنهائه.



