انهيار هدنة التيجراي: شبح الحرب الأهلية يعود إلى إثيوبيا
حالة من الغرور السياسي انتابت القيادة السياسية الإثيوبية مؤخرًا، خاصة بعد نجاح الحكومة الإثيوبية في افتتاح سد النهضة في سبتمبر 2025، ضاربةً بعرض الحائط كافة المخاوف المصرية والسودانية من تشغيل السد وتأثيره على حصص الدولتين من مياه النيل، فضلًا عن المخاوف المترتبة على الأضرار البيئية للسد، مثل حدوث الفيضانات المدمرة التي عانت منها السودان خلال السنوات الأخيرة.
تجلّى الغرور الإثيوبي في حادثين منفصلين؛ أولهما التهرب من الإدارة الأمريكية الراغبة في إدارة ملف الوساطة بين مصر وإثيوبيا حول تشغيل سد النهضة، وتكرار الأزمة الدبلوماسية التي حدثت في يناير – مارس 2020، خاصة بعدما توصلت إدارة الرئيس ترامب خلال فترته الأولى إلى اتفاق ملزم لجميع الأطراف فيما يخص ملء وتشغيل السد، إلا أن الجانب الإثيوبي انسحب في آخر لحظة.

أما الحادث الثاني فتجلّى في شهر أكتوبر 2025، حين صرّح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عن رغبته في استعادة ميناء عصب الإريتري، ورغبته في محو أخطاء الماضي، ولعله يشير هنا إلى الموافقة على استقلال إريتريا عام 1993.
تثوير العفر
لم تكتفِ حكومة آبي أحمد بالتصريحات المستفزة تجاه أسمرة، بل واصلت السياسات الإثيوبية استفزازاتها تجاه الجانب الإريتري؛ ففي 28 ديسمبر 2025 استضافت أديس أبابا مؤتمرًا خاصًا بقومية العفر في إريتريا، والتي تخوض حاليًا سجالات سياسية وأمنية مع النظام الإريتري، إذ يطالب عفر إريتريا بتحقيق الاستقلال أو حتى الحصول على الحكم الذاتي في إريتريا.
عملية تثوير العفر التي تنتهجها إثيوبيا لا تبتعد كثيرًا عن سياساتها الرامية للسيطرة على ميناء عصب الإريتري؛ فمن المعروف أن الميناء يقع ضمن المنطقة الجغرافية التي يقطنها العفر في إريتريا، وأن الميناء جرى بناؤه في نهاية القرن التاسع عشر (1869) من قبل شركات الشحن الإيطالية لصالح سلطنة العفر المتواجدة في ذلك الوقت، أي أن عملية تثوير العفر تأتي في سياق محاولة نزع ميناء عصب من سيادة أسمرة.
ولتأكيد مكانة العفر في منطقة القرن الإفريقي، حاول رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تخفيض حالة التوتر بين العفر وباقي الجماعات العرقية الأخرى المتواجدة في القرن الإفريقي؛ فعلى سبيل المثال حاول التوسط في حل الخلافات بين العفر وقبيلة العيسى الصومالية، التي ينتمي إليها رئيس جيبوتي عمر إسماعيل جيله، وذلك من أجل تهيئة الأجواء الإقليمية لقبول العفر لاعبًا رسميًا في السياسة الإقليمية.

عملية تثوير قبيلة العفر ليست قاصرة على سياسات آبي أحمد (2018 – الآن)، فقد سبقه رئيس الوزراء الأسبق ميليس زيناوي (1991 – 2011)، حين استخدم الأحزاب والحركات التابعة لجماعة العفر خلال الحرب الحدودية بين إثيوبيا وإريتريا خلال الفترة من عام 1998 حتى عام 2000.
ماذا حدث مؤخرًا؟
التحركات الإثيوبية كانت تشير إلى احتمالية نشوب حرب أهلية في الجانب الإريتري بينه وبين معارضيه، خاصة الجانب الإريتري، لكن ما لم يكن مأخوذًا في الحسبان في ذلك التوقيت هو انهيار حالة الهدنة الهشة في شمال إثيوبيا بين الجيش والقوات الموالية للحكومة، وبين الجماعات المقاتلة في منطقة التيجراي المتاخمة للحدود مع إريتريا.
بعد ثلاث سنوات تقريبًا من التوقيع على اتفاقية بريتوريا عام 2022، اندلعت الاشتباكات مؤخرًا بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وميليشيات تابعة لجماعة الأمهرا في 29 يناير 2026، في غرب منطقة التيجراي، وتحديدًا في منطقة تسليمت، التي تشهد صراعات حدودية بين جماعتي الأمهرا والتيجراي، لتعيد مرة أخرى ذكريات الحرب الأهلية التي اندلعت خلال الفترة من عام 2020 حتى عام 2022، والتي راح ضحيتها ما يقارب 600 ألف مواطن إثيوبي.

دوافع عودة الاشتباكات
توجد العديد من الدوافع المفسرة لعودة الاشتباكات مرة أخرى بين التيجراي والقوات الفيدرالية الحكومية وقوات الأمهرا، منها على سبيل المثال:
أولًا: الرهق في الدماء
شكّلت حرب التيجراي (2020 – 2022) صدمة إنسانية كبرى، نظرًا لما واكبها من حالة رهق في الدماء، إذ أدت تلك الحرب إلى مصرع 600 ألف مواطن، وهو رقم كبير جدًا؛ فمثلًا عدد ضحايا الإبادة الإنسانية في غزة حوالي 70 ألفًا، مما دفع وقتها قادة التيجراي والحكومة الفيدرالية في عام 2022 إلى القبول بأي مبادرة لوقف إطلاق النار، حتى وإن لم تفصل في العديد من النقاط الخلافية المسببة للأزمة.
ثانيًا: منطقة تسليمت
تُعد منطقة تسليمت الواقعة غرب تيجراي منطقة برميل البارود في الداخل الإثيوبي، إذ تُعد تلك المنطقة منطقة تنازع نفوذ إقليمي بين جماعتي الأمهرا والتيجراي، حيث تحتل ميليشيات الأمهرا، مثل ميليشيات فانو، تلك المنطقة منذ عام 2022 وترفض الانسحاب منها، وتُعد مسألة تسليمت من المسائل الخلافية التي لم تُبتّ فيها اتفاقية بريتوريا.
ثالثًا: نشاط ميليشيات فانو
تُعد ميليشيات فانو ميليشيات غير مركزية تتبع جماعة الأمهرا المسيحية، وكانت تلك الميليشيات في طليعة القوات المهاجمة لإقليم التيجراي خلال الحرب الأخيرة، ولم تقبل تلك الميليشيات اتفاقية بريتوريا، مما أدى إلى انقلابها على النظام السياسي في أديس أبابا في أغسطس 2023. وعانت القوات الفيدرالية في مواجهة تلك الميليشيات نظرًا لحالة اللامركزية التي تتمتع بها، فلا توجد لها معسكرات دائمة، كما أن خلاياها غير مترابطة عنقوديًا، الأمر الذي صعّب على القوات الفيدرالية ملاحقتها. ونتيجة لذلك، وقّعت الحكومة الفيدرالية وميليشيات فانو اتفاقًا للسلام في ديسمبر 2025، وذلك برعاية الاتحاد الإفريقي.

يمكن القول إن ميليشيات فانو كانت تشكّل ضغطًا على الحكومة الفيدرالية من أجل استعادة القتال في إقليم التيجراي، لذا من المحتمل أن تكون تلك الميليشيا متورطة في الاشتباكات الأخيرة من أجل استعادة الحرب مرة أخرى.
رابعًا: الغضب الإريتري
بالإضافة إلى محاولات تثوير جماعة العفر في إريتريا، ساهم اتفاق بريتوريا عام 2022 في توتر العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة، خاصة أن أسمرة كانت مشاركة في الحرب الأخيرة، إذ هاجمت القوات الإريترية القوات التيجرانية في شمال إثيوبيا لتخفيف الضغط عن الجيش الإثيوبي، ولعل أسياس أفورقي وقتها كان يريد إحباط محاولات التيجراي للتوسع إقليميًا. وجدير بالذكر أن جماعة التيجراي هي التي كانت تقود إثيوبيا قبل تولي آبي أحمد الحكم عام 2018، وخاضت جماعة التيجراي حروبًا دموية ضد نظام أسياس أفورقي في إريتريا، خاصة حرب عام 1998.

لكن استبعاد أفورقي من المفاوضات، بالإضافة إلى تحركات العفر وتحركات إثيوبيا فيما يخص ميناء عصب، يُرجّح بشكل كبير وقوف نظام أسمرة وراء تحركات قوات دفاع التيجراي مؤخرًا؛ فعلى سبيل المثال أدلى الجنرال هيلاسيلاسي، أحد قادة قوات دفاع التيجراي، بتصريح أكد فيه أن أعداء الماضي سيصبحون حلفاء الحاضر، وإن لم يمكن فلن يهاجموننا.

خامسًا: التدخلات الفيدرالية في شؤون التيجراي
رغم التوقيع على اتفاقية بريتوريا عام 2022، فإن محاولات التدخل في شؤون إقليم التيجراي لم تتوقف؛ ففي يونيو 2025 دعمت أديس أبابا محاولة تمرد داخل إقليم التيجراي، إذ انشقت مجموعة تُسمى "قوات سلام التيجراي" في محاولة لإزاحة جبهة تحرير التيجراي من السيطرة على عاصمة الإقليم ميكيلي، وتُبدي المجموعة المنشقة حديثها رغبتها في التعاون مع القوات الفيدرالية من أجل إزاحة حكم جبهة تحرير التيجراي. كما دعمت أديس أبابا محاولات الانشقاق داخل جبهة تحرير التيجراي، مثل محاولة غيتاشيو رضا، الرئيس السابق لإقليم التيجراي، والذي يشغل حاليًا منصب مستشار لآبي أحمد، كما أسس حزب التضامن التيجراني المنشق عن جبهة تحرير التيجراي.
وختامًا:
أدت المناوشات العسكرية التي اندلعت أمس بين القوات الفيدرالية والقوات التيجرانية إلى توقف حركة الطائرات في شمال إثيوبيا، فضلًا عن تعطل إدخال المساعدات الإنسانية إلى إقليم التيجراي، الذي يعتمد 80% من سكانه على المساعدات المقدمة من الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الأمر الذي ينذر بكارثة إنسانية مفجعة خلال الأيام المقبلة في حال استمرار الحرب بين الطرفين، خاصة في ظل تقليل المساعدات الإنمائية الأمريكية وتهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستخدام ورقة المساعدات الأمريكية كورقة ضغط لإجبار النظام الإثيوبي على قبول الوساطة الأمريكية في مسألة تشغيل سد النهضة. لذا من المحتمل أن تجد أديس أبابا نفسها خلال الفترة المقبلة في إطار صفقة كبرى، أبعادها إيقاف الحرب في التيجراي، وعودة المساعدات الأمريكية، وأخيرًا الموافقة على الوساطة الأمريكية فيما يخص تشغيل سد النهضة، والموافقة على أي اتفاق ملزم يتم التوصل إليه.



