رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ميليشيات غزة: بين الرهان الخارجي والصدام مع حماس

 ميليشيات غزة - أرشيفية
ميليشيات غزة - أرشيفية

مع بدء اقتراب انتهاء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، تبرز العديد من العقبات والتحديات التي قد تحول دون إتمام المرحلة الثانية بسلاسة واستقرار، مثل مسألة الأجهزة الإدارية السابقة في قطاع غزة، وفي مقدمتها جهاز الشرطة المدنية التابع لحركة حماس، فضلًا عن مصير كتائب "عز الدين القسام"، الجناح المسلح لحركة "حماس"، وكتائب "سرايا القدس" التابعة لتنظيم حركة "الجهاد الإسلامي" في قطاع غزة، فضلًا عن باقي فصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى.

أفرزت الحرب الأخيرة في قطاع غزة العديد من المشكلات والمآسي الإنسانية، فبالإضافة إلى حجم الدمار الذي خلّفته تلك الحرب، وحجم الضحايا الذي وصل في نهاية الأمر إلى ما يتخطى 70 ألف شهيد، وتشريد مليوني مواطن فلسطيني، برزت أيضًا مشكلة أخرى، وهي نمو الميليشيات المناهضة لحركة حماس في قطاع غزة.

 ميليشيات غزة - أرشيفية 
 ميليشيات غزة - أرشيفية 

ظاهرة الميليشيات المناهضة لحماس كانت متواجدة في السابق حتى قبل قيام معركة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، لكنها كانت تحت سيطرة وضبط حركة "حماس"، إلا أن ظروف الحرب الأخيرة ساهمت في استفحال تلك الميليشيات، وتعددت أدوارها من مناهضة حماس إلى المسؤولية عن توزيع المساعدات الإنسانية، وحماية الكتائب الإسرائيلية المتوغلة في غزة من خلال عمليات الاستطلاع المبدئي التي تقوم بها، وتمشيط الأنفاق، وأخيرًا ضبط الأمن في بعض المناطق التي تسيطر عليها، وأيضًا توفير المعلومات الاستخباراتية للجانب الإسرائيلي.

معركة شرطة غزة

في الفترة الأخيرة، خاصة بعد اختيار اللجنة الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، برزت إشكالية تشكيل الشرطة أو القوة الأمنية المنوط بها حفظ الأمن والاستقرار، رفقة قوة الاستقرار الدولية المزمع تشكيلها خلال الفترة المقبلة، حيث تحاول حركة حماس حاليًا الدفع بعناصرها في الشرطة إلى إدماجهم في جهاز الشرطة الجديدة، وذلك للحيلولة دون نزع سلاح الحركة، واستمرارها في المشهد السياسي في قطاع غزة.

 ميليشيات غزة - أرشيفية 
 ميليشيات غزة - أرشيفية 

الموقف الإسرائيلي

ترفض إسرائيل وجود حركة حماس في أي مشهد سياسي في غزة خلال الفترة المقبلة، وتسعى إلى الضغط على "مجلس السلام الدولي" بالمضي قدمًا في نزع سلاح حركة حماس، وإبعاد عناصرها، خاصة الجناح المسلح، عن قطاع غزة. فعلى سبيل المثال، حمل اللقاء الأول بين نيكولاي ملادينوف، مدير "مجلس السلام الدولي"، وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تأكيد الأخير على طلب إسرائيل بضرورة فك ونزع سلاح حركة حماس كليًا.

وتعوّل إسرائيل حاليًا في مسألة حفظ الأمن والاستقرار في قطاع غزة على العديد من الميليشيات التي ساهم جهاز الأمن القومي الداخلي "الشاباك" في تكوينها في القطاع خلال الفترة الماضية، مثل ميليشيات الأسطل وياسر أبو شباب وغيرها.

حيث باتت تلك الميليشيات تمتلك أدوارًا مركبة داخل قطاع غزة، مثل توزيع المساعدات، وتنفيذ العديد من العمليات الأمنية لصالح إسرائيل في قطاع غزة خلال الفترة الماضية، لذا من المفترض أن تحاول إسرائيل إضفاء الشرعية والسياسية القانونية على تلك الميليشيات خلال ترتيبات وتسويات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، مثل محاولة إدماج تلك العناصر في القوة الأمنية الجديدة المزمع تشكيلها في قطاع غزة.

وفق تقارير بحثية أكدت وجود ما يقرب من خمس ميليشيات في قطاع غزة تناوئ حكم حركة حماس، وهي "ميليشيا أبو شباب"، ويقودها حاليًا غسان الدهيني في منطقة رفح، وعصابة حسام الأسطل في منطقة جنوب خان يونس، وتنشط عصابة رامي حلس في شرق غزة بالقرب من الخط الأصفر، وأيضًا "ميليشيا شوقي أبو نصيرة" في شمال شرق خان يونس، وأخيرًا "ميليشيا أشرف المنسي" في شمال قطاع غزة.

 ميليشيات غزة - أرشيفية 
 ميليشيات غزة - أرشيفية 

ووفق الدراسات الميدانية، فإن ميليشيا أبو شباب بدأ يخفت دورها، خاصة بعد مقتل ياسر أبو شباب، في حين بدأ يتصاعد دور الميليشيات الأخرى، مثل ميليشيا رامي حلس التي نشطت خلال الفترة الماضية في عمليات تأمين الخط الأصفر بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي، وكذلك ميليشيا أبو نصيرة والأسطل، واللتين ساهمتا خلال الفترة الأخيرة في تنفيذ العديد من عمليات الاغتيال بحق قيادات في حركة حماس، مثل محمود الأسطل، مدير مباحث خان يونس، وأحد أقرباء حسام الأسطل، زعيم ميليشيا الأسطل.

تحديات تواجه تلك الميليشيات

رغم تمتع الميليشيات الخمس السابق ذكرها بالدعم الإسرائيلي، وبالتالي وبطريقة غير مباشرة باتت مدعومة من الولايات المتحدة وبعض القوى الأوروبية الموالية لإسرائيل، ومن المحتمل أيضًا أنه في حال اعتماد تلك الميليشيات كأحد الأطراف الفاعلة في غزة خلال الفترة المقبلة، ستتلقى تلك الميليشيات دعمًا غير محدود من إسرائيل والقوى الغربية، إلا أن تلك الميليشيات لا تزال تواجه العديد من التحديات والمعوقات التي تمنعها من تبوّؤ مكانة سياسية هامة في غزة، منها على سبيل المثال:

 ميليشيات غزة - أرشيفية 
 ميليشيات غزة - أرشيفية 

أولًا: قلة عدد أفرادها

قطاع غزة مكتظ بالسكان، إذ يبلغ تعداد السكان به أكثر من مليوني نسمة، مما يعني أن القوة الأمنية الموكلة بحفظ الأمن في القطاع لا يجوز أن تقل عن 10 آلاف فرد على الأقل. وحركة حماس تمتلك حوالي 20 ألف فرد على الأقل، أما الميليشيات الخمس فمجموعها لا يتجاوز الألف أو الألفين على أقصى التقديرات. فعلى سبيل المثال، رجحت المصادر أن ميليشيا أبو شباب، وهي الأكبر عددًا وتنظيميًا، تبلغ حوالي المئات من الأفراد، أما باقي الميليشيات فلا تتجاوز العشرات، فمثلًا ميليشيا أشرف المنسي في العرض العسكري الخاص بها لا يتجاوز عدد أفرادها عشرات الأفراد.

ثانيًا: تجمعات محلية

أكثر ما يلفت النظر في تلك الميليشيات أنها عبارة عن تجمعات محلية وأسرية، فتلك الميليشيات عبارة عن تجمعات من بعض المتجاورين في السكن أو في الحي، وبعض الأقرباء، في مشهد أقرب لعصابات الأحياء والأسر. وبالتالي ستصطدم تلك الميليشيات في حال توسعت أدوارها خارج مناطقها، فمثلًا تنتشر ميليشيا الأسطل في جنوب خان يونس، لكنها لا تستطيع أن تمد نفوذها إلى شمال خان يونس حيث ميليشيا أبو نصيرة، لذا من المحتمل في المستقبل القريب أن نرى تلك الميليشيات تتناحر فيما بينها على السيطرة والنفوذ والأحياء، وبالتالي قد تكون تلك العصابات عبئًا أمنيًا خلال الفترة المقبلة.

 ميليشيات غزة - أرشيفية 
 ميليشيات غزة - أرشيفية 

ثالثًا: العشوائية

تتميز تلك العصابات بالعشوائية الشديدة، وعدم وجود منهج محدد لها، إذ تتحرك وفق أهداف وتطلعات الجيش الإسرائيلي، وبالتالي تفتقر تلك العصابات إلى خطة تحرك تعمل عليها بعيدًا عن الرؤية الإسرائيلية. كما أن تلك التنظيمات ما زالت في مراحل تكوينها الأولى، وبالتالي لم يتم اختبار تلك الميليشيات في حال نموها وتزايد انضمام المزيد من العناصر إليها، إذ يدور تساؤل هام، ماذا لو توسعت تلك الميليشيات من ناحية العدد لتضم الآلاف من المقاتلين؟ هل ستحافظ على تماسكها أم ستتعرض للتفكك والانقسام؟

رابعًا: الانخراط في العمالة لإسرائيل

تعاني تلك العصابات من افتقارها إلى الثقة الشعبية في الأوساط الفلسطينية، فمنذ نشأة تلك العصابات أعلنت تبعيتها وولاءها لإسرائيل، وبالتالي ستظل تلك العصابات في المخيال الشعبي الفلسطيني عبارة عن شبكة من العملاء للاحتلال، ولن تحظى بأي احترام داخلي، مثلما هو الحال بما كان يسمى في السابق جيش لبنان الجنوبي بقيادة سعد حداد، والذي انهار بين غمضة عين وانتباهها بعد قرار إسرائيل بالانسحاب من جنوب لبنان عام 2000.

ولعل الشاباك يريد نقل تجربة حرب المخيمات التي اندلعت في جنوب لبنان (1983–1988)، والتي كان لها كبير الأثر في إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح في الثمانينيات، لكن الوضع هنا مختلف شيء ما، فالمنظمات الفلسطينية التي قاتلت فتح في مخيمات لبنان عام 1983، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "القيادة العامة"، وحركة "فتح الانتفاضة"، وجيش التحرير الفلسطيني، هم في الأساس رفاق السلاح والمقاومة في الفترة التي سبقت غزو لبنان، وأن الحرب جاءت نتيجة خلافات حادة في وجهات النظر بين قادة المقاومة الموالين لسوريا في عهد حافظ الأسد وبين منظمة التحرير الفلسطينية، كما لم تُثبت تهمة العمالة لإسرائيل على أي من تلك الميليشيات التي أشعلت حرب المخيمات، وبالتالي احتفظت تلك الميليشيات ببصيص من الارتياح في نفوس الفلسطينيين.

كتائب القسام - أرشيفية 
كتائب القسام - أرشيفية 

خامسًا: سهولة الاختراق من قبل حماس

اشتغلت حركة حماس على بُعدين في تعاملها مع تلك العصابات: الأول تحقيق المواجهة المسلحة، والثاني تحقيق الاختراق الداخلي لتلك العصابات. فعلى سبيل المثال، نجحت حماس في تجنيد جمعة أبو سنيمة، أحد أعضاء ميليشيا أبو شباب، والذي تمكن من تزويد مقاتلي الحركة بالمواد الغذائية خلال فترة الحرب، وهو ما اكتشفته إسرائيل أثناء تمشيطها أحد الأنفاق الخاصة بحماس، إذ وجدت مواد غذائية سبق أن مررتها لميليشيا أبو شباب، وبعد التحقيق تبين أن الحركة نجحت في اختراق ميليشيا أبو شباب.

مما دفع أبو شباب في ديسمبر الماضي إلى اعتقال جمعة أبو سنيمة، مما دفع شقيقه محمود أبو سنيمة إلى التشاجر مع ياسر أبو شباب وتصفيته جسديًا، وإصابة غسان الدهيني بإصابات بالغة، على خلفية اعتقال شقيقه، وبالتالي ليس من المستبعد أن تكون الحركة قد نجحت فعليًا في اختراق الميليشيات الأخرى، وهو الأمر الذي يسبب القلق للقيادة الأمنية الإسرائيلية.

ختامًا:

 تكشف معادلة الميليشيات في قطاع غزة عن تعقيد بالغ في ترتيبات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، إذ تراهن إسرائيل على توظيف قوى محلية مناوئة لحركة حماس كبديل أمني مؤقت، بينما تصطدم هذه الرهانات بواقع هشّ يتمثل في ضعف البنية التنظيمية لتلك الميليشيات، وافتقارها للحاضنة الشعبية، وسهولة اختراقها أمنيًا. وبينما تسعى حماس للحفاظ على حضورها السياسي والأمني عبر معركة الشرطة والاختراق الداخلي، يبقى مستقبل الاستقرار في غزة مرهونًا بقدرة أي ترتيبات جديدة على تجاوز منطق العصابات والارتهان الخارجي، والانتقال نحو صيغة أمنية وطنية تحظى بقبول مجتمعي، وإلا فإن القطاع قد يدخل مرحلة جديدة من الفوضى الأمنية والصراعات البينية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء