رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عولمة الانتفاضة والعزلة الإسرائيلية: كيف أسقطت حرب غزة رهانات التطبيع؟

نتنياهو وقيادات جيش
نتنياهو وقيادات جيش الاحتلال الإسرائيلي - أرشيفية

يبدو أن عام 2026 يحمل المزيد من المفاجآت والتوقعات السياسية الصعبة، ففي خريف العام الحالي سيشهد العالم تحولات كبرى سواء في الداخل الإسرائيلي أو الداخل الأمريكي، ففي أكتوبر ستُجرى انتخابات الكنيست الإسرائيلي، والتي تسعى الأحزاب الإسرائيلية حاليًا، خاصة المعارضة، إلى إعادة ترتيب أوراقها من أجل تحقيق المعادلة الغائبة في النظام السياسي الإسرائيلي، وهي عدم احتكار حزب معين للحكومة لفترات زمنية طويلة، وكسر هيمنة بنيامين نتنياهو على السلطة والحكومة في البلاد.

كما ستشهد الولايات المتحدة انتخابات الكونجرس الأمريكي بغرفتيه؛ مجلس الشيوخ (ثلث المقاعد) وكذلك مجلس النواب، وتثير تلك الانتخابات تخوفات الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، خاصة في ظل تصاعد شعبية الحزب الديمقراطي واحتمالية استحواذه على الأغلبية الممكنة في كلا المجلسين، وهو ما سيؤدي إلى فتح القضايا القديمة مثل اقتحام الكابيتول في يناير 2021، كما أنه من المحتمل أن تقل صلاحيات الرئيس الأمريكي خلال الفترة المقبلة في حال صعود الحزب الديمقراطي، الذي سيعرقل الكثير من تحركات الرئيس دونالد ترامب.

الكتيست الإسرائيلي  - أرشيفية 
الكتيست الإسرائيلي  - أرشيفية 

برغم انتهاء الحرب في غزة والتوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار، والدخول في ترتيبات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وتشكيل مجلس السلام الدولي لإدارة قطاع غزة، إلا أن هناك رغبة متزايدة في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وكذلك المؤسسة السياسية مفادها العودة إلى الوضع الذي كان سائدًا يوم 6 أكتوبر 2023، رغم أن تلك الفترة كانت الأزمات السياسية متعمقة في الداخل الإسرائيلي مثل أزمة القضاء، إذ كانت الحكومة الإسرائيلية في ذلك الوقت تحاول وتسعى إلى السيطرة على السلطة القضائية.

ورغم أن المرحلة ما قبل 7 أكتوبر كانت مليئة بالأزمات السياسية في الداخل الإسرائيلي، إلا أنها تظل فترة هامة في تحقيق الأمن والاستقرار الإسرائيلي، وذلك للعديد من الاعتبارات أبرزها:

أولًا: تجاوز القضية الفلسطينية

في تلك الفترة، روّج سياسيون من مختلف الأطياف السياسية للرأي العام الإسرائيلي لفكرة شائعة مفادها أن إسرائيل تستطيع تجاوز العلاقات مع الفلسطينيين، وأن قوتها السياسية والاقتصادية والدبلوماسية من الممكن أن تنمو بمعزل عن القضية الفلسطينية، ومن ثم التخلي عن أي حل سلمي للقضية الفلسطينية.

الكونجرس الأمريكي - أرشيفية 
الكونجرس الأمريكي - أرشيفية 

مما عزز هذا التوجه لدى الساسة الإسرائيليين وقتها هو التوقيع على اتفاقيات إبراهام مع العديد من الدول العربية مثل الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، لذا سرت مقولة أن العلاقات الإقليمية الإسرائيلية نجحت في تجاوز القضية الفلسطينية، ونجحت في إبرام اتفاقيات مع الدول الإقليمية الكبرى دون أن تكون القضية الفلسطينية قضية مركزية في بناء تلك العلاقات مع الدول العربية.

ثانيًا: انهيار سردية اتفاقيات إبراهام

الفكرة السابقة المتعلقة بتجاوز القضية الفلسطينية في بناء علاقات إسرائيلية مع دول الجوار انهارت تمامًا في صباح 7 أكتوبر، إذ نجحت عملية طوفان الأقصى في إعادة الاهتمام بالقضية الفلسطينية من جديد، كما أثرت بالسلب على اتفاقيات إبراهام، إذ دخلت تلك الاتفاقيات حيز التجميد الفعلي، خاصة بعد تزايد الضحايا الفلسطينيين، وأخيرًا قيام تل أبيب بقصف الدوحة في 9 سبتمبر 2025.

كما اعتُبرت هجمات 7 أكتوبر هي المرة الأولى التي فقدت فيها إسرائيل السيطرة على أراضيها وسيادتها منذ تأسيسها في عام 1948، مما يعني أن تلك الهجمات لم تعد القضية الفلسطينية إلى الواجهة مرة أخرى فحسب، لكنها أيضًا كانت نذيرًا باحتمالية فقدان السيادة الإسرائيلية على المناطق التي قامت عليها الدولة الإسرائيلية عام 1948.

قيادات حركة حماس - أرشيفية 
قيادات حركة حماس - أرشيفية 

تروج حماس في وثيقتها الصادرة في نهاية ديسمبر الماضي حول رؤيتها للحرب بأن عملية "طوفان الأقصى" نجحت في إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الخطاب العالمي والإقليمي، فيما بات يُعرف إسرائيليًا باسم "عولمة الانتفاضة"، لذا فالعودة إلى وضعية السادس من أكتوبر عام 2023 هي رغبة إسرائيلية من أجل إعادة القضية الفلسطينية مرة أخرى إلى الظل والابتعاد عن الأجندة العالمية.

ثالثًا: تدهور الاقتصاد الإسرائيلي

بعد انتهاء الحرب على غزة، بات الاقتصاد الإسرائيلي يعاني من أزمات اقتصادية حادة على خلفية النفقات التي تم إنفاقها في الحرب الأخيرة، فضلًا عن استدعاء قوات الاحتياط في الجيش الإسرائيلي، وانهيار القوة الشرائية لدى الأسر الإسرائيلية، حيث كشفت الحرب على غزة عن هشاشة النظام الاقتصادي الإسرائيلي، إذ بلغت الفجوة الدفاعية حوالي 250 مليار شيكل، أي بمقدار 79 مليار دولار تقريبًا.

رابعًا: العزلة الدبلوماسية

ساهمت عولمة الانتفاضة في إحداث عزلة سياسية ودبلوماسية على إسرائيل، فالعديد من الدول الأوروبية والآسيوية أعلنت قطع علاقاتها التجارية مع تل أبيب، مما أدى إلى انتهاج تل أبيب أساليب ملتوية من أجل تسيير علاقاتها التجارية، كما قامت العديد من الدول الأوروبية (نحو عشر دول تقريبًا) بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، وكان في مقدمة تلك الدول بريطانيا وفرنسا.

هذا فضلًا عن قرار المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت على خلفية اتهامهما بارتكاب جرائم إبادة إنسانية في قطاع غزة.

ترامب ونتنياهو واتفاقية إبراهام
ترامب ونتنياهو واتفاقية إبراهام

ختامًا:

 يمكن القول إن الوضع السياسي في مرحلة ما قبل 7 أكتوبر 2023 هو حلم إسرائيلي، إذ ترغب تل أبيب في العودة إلى وضع سياسي كانت فيه القضية الفلسطينية في طيّ الكتمان، وكانت السياسة الخارجية الإسرائيلية في ذلك الوقت في توسع وتمدد متجاوزة القضية الفلسطينية، أما اليوم فباتت القضية الفلسطينية تُعد ركيزة أساسية في رسم أية سياسة خارجية لتل أبيب.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء