رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بدوافع براجماتية.. انفتاح إسرائيلي على اليمين الأوروبي المتطرف

قيادات اليمين الأوروبي
قيادات اليمين الأوروبي - أرشيفية

خلال فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، عانى اليهود كثيرًا جراء تصرفات الحكومات اليمينية العنصرية التي حكمت العديد من البلدان الأوروبية في ذلك الوقت، ومن بينها ألمانيا في ظل حكم الرايخ الثالث النازي، إذ شجعت الحكومات في ذلك التوقيت الهجمات المعادية للسامية، كما كانت سياسات الكراهية متأصلة في توجهات تلك الحكومات.

سياسة الكراهية تجاه اليهود لم تتوقف على الحكومات اليمينية المتطرفة في أوروبا، بل شملت أيضًا حكومات أخرى مثل الحكومة الإنجليزية والأمريكية والكندية، ورغم إبداء تلك الحكومات تعاطفها في ذلك الوقت مع المسألة اليهودية، فإنها استغلت الإجراءات البيروقراطية لمنع اليهود من دخول تلك البلاد، وكانت الرؤية العامة في تلك الدول ملخصها أن اليهود هم المسؤولون عما يحدث لهم نتيجة أخطاء جسيمة ارتكبها اليهود بحق الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها.

خلال الفترة الأخيرة، ظهرت العديد من القوى اليمينية المتطرفة في أوروبا والولايات المتحدة، فالأخيرة نشأ بها تيار جديد داخل الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس دونالد ترامب، يسمى "تيار اليمين الجديد"، ويقوم هذا التيار على مفردات معادية للسامية واليهود، وتعظيم دور الزعيم النازي أدولف هتلر، مثل تاكر كارلسون ونيك فوينتس وغيرهم من قادة اليمين الجديد. وجدير بالذكر أن استراتيجية “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” التي يتبناها الرئيس ترامب صيغت من قبل عناصر اليمين الجديد، وتهدف تلك الاستراتيجية إلى فك الارتباط التاريخي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، واعتبار الأخيرة كيانًا متطفلًا على السياسة الخارجية الأمريكية.

سياسة الحبل المشدود

خلال الفترة الماضية، ونتيجة تصريحات اليمين الأمريكي الجديد، سادت تخوفات إسرائيلية من احتمالية انتهاء الدفء في العلاقات الإسرائيلية–الأمريكية نتيجة صعود اليمين المتطرف الجديد، ومن هنا سعت العديد من الدوائر الفكرية والبحثية الإسرائيلية إلى محاولة قراءة الموقف الإسرائيلي مستقبلًا في حال تزايد الصعود السياسي لقوى اليمين الجديد في أمريكا وأوروبا.

أريئيل موزيكانت- رئيس  الكونجرس اليهودي الأوروبي
أريئيل موزيكانت- رئيس  الكونجرس اليهودي الأوروبي

مؤخرًا انتهجت إسرائيل سياسة جديدة يمكن إطلاق عليها "سياسة حافة الهاوية"، تتمثل هذه السياسة في محاولة التواصل مع تلك القوى الناشئة المعادية لإسرائيل، مستفيدة من بعض المشتركات التاريخية، وكذلك بعض الأهداف المشتركة، مع تجميد الخلافات بين الجانبين مؤقتًا.

تحاول إسرائيل حاليًا السير على حبل مشدود في علاقتها مع أحزاب وقوى اليمين المتطرف في الدول الغربية من خلال تحقيق التواصل مع تلك الأحزاب، وإن بدت تلك الخطة قصيرة الأجل، لكنها على الأقل تحافظ مؤقتًا على المصالح الإسرائيلية ريثما يتم التوصل إلى آليات جديدة تستطيع إسرائيل من خلالها الحفاظ على مصالحها.

فجرت إسرائيل مفاجأة من العيار الثقيل حين دعت تل أبيب الأحزاب والقوى اليمينية في الدول الغربية إلى حضور المؤتمر الدولي القادم لمكافحة معاداة السامية، المقرر انعقاده يومي 26 و27 يناير 2026 في مركز المؤتمرات الدولي بمدينة القدس.

حاليًا، يدافع عميحاي شيكلي، وزير الشتات في الحكومة الإسرائيلية، معلنًا وجود العديد من المشتركات بين إسرائيل والأحزاب اليمينية القومية في أوروبا، أبرزها على الإطلاق وجود عدو مشترك، وهو الدين الإسلامي والمسلمون في الدول الغربية، الذين لعبوا دورًا كبيرًا في بلورة الحرب الأخيرة على قطاع غزة، أي أن شيكلي اتخذ من الإسلام والمسلمين أرضية مشتركة بين الجانبين من أجل تحييد خطر تلك الأحزاب مؤقتًا.

وزير الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي وزعيم حزب التجمع الوطني الفرنسي جوردان بارديلا
وزير الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي وزعيم حزب التجمع الوطني الفرنسي جوردان بارديلا

رفض إسرائيلي

يُعد هذا المؤتمر الجاري انعقاده هو النسخة الثانية، ففي مارس الماضي عُقدت النسخة الأولى من المؤتمر، وواكب المؤتمرين حالات اعتراض كبيرة في الأوساط الإسرائيلية واليهودية الأوروبية جراء دعوة أطراف الأحزاب اليمينية الأوروبية إلى ذلك المؤتمر، حيث رفض جوناثان غرينبلات، الرئيس التنفيذي لرابطة مكافحة التشهير، والحاخام الأكبر لبريطانيا إفرايم ميرفيس، المشاركة في النسخة الأولى من المؤتمر في مارس الماضي.

كما اعتبر أريئيل موزيكانت، رئيس الكونجرس اليهودي الأوروبي، أن دعوة أشخاص مثل جوردان بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي المتشدد، إلى المؤتمر بمثابة خنجر في ظهر يهود الشتات.

بالإضافة إلى حزب التجمع الوطني الفرنسي، التي تنتمي إليه مارين لوبان، والتي تنكر الهولوكوست، يشارك أيضًا حزب «ديمقراطيو السويد» بزعامة جيمي أوكسون، وتعود جذور هذا الحزب إلى الحركات النازية الجديدة في أوروبا والمناداة بتفوق العرق الأبيض، ويمتلك الحزب حالة عداء مع المجلس اليهودي المركزي في السويد، إذ يعارض الحزب السويدي مسألة الذبح الحلال (الكوشر) والختان غير الطبي، وغيرها من الممارسات المتبعة في الديانة اليهودية.

قيادات اليمين الأوروبي - أرشيفية 
قيادات اليمين الأوروبي - أرشيفية 

ومن ضمن المشاركين من بلجيكا حزب «فلامز بيلانغ» أو «المصلحة الفلمنكية»، وهو حزب فاشي مرتبط بالحركات الفلمنكية القومية، وترى المنظمات اليهودية في بلجيكا أن الحزب يحاول التقرب من إسرائيل حاليًا من أجل التغطية على أيديولوجيته الحقيقية. ومن ضمن المشاركين أيضًا حزب «فوكس» الإسباني بزعامة سانتياغو أباسكال، والذي سيشارك في المؤتمر عبر تقنية الفيديو كونفرانس، ويحظى حزب فوكس بمقاطعة من قبل اتحاد الجاليات اليهودية في إسبانيا، نظرًا لخطابه المناهض لليهود في إسبانيا، ومطالبته بترحيلهم من البلاد.

تبريرات إسرائيلية

رغم حالة اليأس التي أصابت المجتمعات اليهودية في أوروبا حول دعوة الأحزاب القومية المتطرفة إلى مؤتمر مكافحة معاداة السامية بالقدس، فإن معهد سياسات الشعب اليهودي دافع مؤخرًا عن تحركات وزير الشتات عميحاي شيكلي، موضحًا أن ما جرى حاليًا هو تصرف دولة وليس تصرف منظمة غير حكومية، ومشيرًا إلى أن إسرائيل ليست مشروعًا أخلاقيًا مجردًا، وإنما هي دولة ذات سيادة تعمل في بيئة معادية وتسعى لتحقيق مصالحها بأي طريقة ممكنة.

قيادات اليمين الأوروبي - أرشيفية 
قيادات اليمين الأوروبي - أرشيفية 

كما يؤكد المعهد أن دعوة تلك الأحزاب إلى المؤتمر تُعد تكتيكًا فنيًا لا ينبغي الاستهانة به، من خلال إبقاء تلك الحركات على مقربة من إسرائيل ومنعها من الانزلاق نحو الخطر الذي تخاف منه إسرائيل، وهو تحالف رؤى تفوق العرق الأبيض مع معاداة الصهيونية.

ويجادل معهد سياسات الشعب اليهودي، في تقريره المعنون Israel’s outreach to far-right nationalists driven by necessity والمنشور بتاريخ 25 يناير 2026، حول تلك الرؤية، موضحًا أن اليوم ليس كالأمس؛ فاليهود اليوم لديهم دولة، وأن تلك الحركات القومية في أوروبا لم تعد تنظر إلى إسرائيل من منظور أيديولوجي بحت، بل تراها مثالًا ملموسًا لشعب يؤكد حقه في الوجود والدفاع عن نفسه. كما أن تلك الحركات لديها موقفان متضادان تجاه اليهود؛ أولهما دعم الدولة الإسرائيلية، والثاني رفض وجود اليهود في الدول الأوروبية، وتلك الإشكالية يمكن حلها عبر تعزيز الهجرات اليهودية الأوروبية إلى إسرائيل خلال الفترة المقبلة.

ختامًا:

 هناك نقطة ينبغي الإشارة إليها، وهي أن تلك السياسة التي تسير عليها إسرائيل حاليًا تشبه السير على وتر مشدود؛ إما أن تنجح أو تفشل. فقد تؤدي المؤتمرات المشتركة مع القوى اليمينية الأوروبية إلى التوصل إلى اتفاق غير معلن بين الطرفين مفاده مواجهة قوى الإسلام السياسي في أوروبا والشرق الأوسط، مع تنسيق المسألة اليهودية بين الجانبين للخروج بأقل الأضرار، وقد تفشل أيضًا تلك السياسة في الوصول إلى مآربها، خاصة في ظل حالة التصاعد التي تشهدها قوى اليمين الأوروبي، فمن المحتمل أن تتغير خريطة اليمين الأوروبي خلال الفترة المقبلة، وقد ينقلب اليمين على اليهود مستعيدًا ذكريات الهولوكوست، خاصة أن جذور الكراهية متأصلة في فكر اليمين القومي الأوروبي.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء