رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

شرطة حماس.. مساحة للاستقرار أم بوابة للالتفاف على عملية نزع السلاح

حركة حماس - أرشيفية
حركة حماس - أرشيفية

أوشكت المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة على الانتهاء، فخلال الشهر الحالي تمكنت الولايات المتحدة، المعنية بترتيبات المرحلة الثانية، من تعيين الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف مديرًا تنفيذيًا لمجلس السلام الدولي في غزة، كما تم تعيين اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية لإدارة القطاع بقيادة الدكتور علي شعث، وأخيرًا تم تشكيل أعضاء مجلس السلام الدولي في غزة.

لم يتبقَّ من اتفاق المرحلة الثانية سوى تشكيل قوة الاستقرار الدولية المعنية، والتي تم تعيين قائدها الجنرال جاسبر جيفرز، كما يتبقى حاليًا تشكيل الإدارة البيروقراطية المعنية بإدارة القطاع، وتشكيل القوة الشرطية المعنية بفرض الأمن والاستقرار في قطاع غزة.

في التفاصيل تكمن المعضلات، فكلما توغلنا في تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، تبرز لنا العديد من المعضلات والمشكلات الكبرى، إذ يدور حاليًا تساؤل جوهري حول تشكيل الموظفين الإداريين الفلسطينيين المفترض أن يكونوا عصب الجهاز الإداري في القطاع، كما يدور تساؤل أيضًا حول تشكيل القوة الشرطية الفلسطينية المفترض أن تكون جاهزة لفرض الأمن في القطاع، خاصة أن القطاع يمتلك حاليًا قوة شرطية تُقدَّر بعشرة آلاف فرد، معظمهم ينتمون أو موالون لحركة حماس، بحكم أنها كانت تقود القطاع قرابة العقدين من الزمان.

حركة حماس - أرشيفية 
حركة حماس - أرشيفية 


ضغوط حماس


تشير المصادر الإسرائيلية، مثل صحيفة جيروزاليم بوست، إلى أن حركة حماس تعول حاليًا على الدور القطري والتركي في السماح لقواتها الشرطية بالاندماج في القوة الشرطية المستقبلية في قطاع غزة، وهو ما تعارضه إسرائيل حاليًا.

وتشير المصادر إلى أن تعداد القوة الشرطية في غزة يبلغ حوالي 10 آلاف فرد، تسعى حماس إلى دمجهم خلال الفترة المقبلة في أي قوة شرطية قادمة، وطرحت حماس تلك الفكرة خلال اجتماعات عُقدت مؤخرًا في تركيا، محاولة استغلال تواجد أنقرة في مجلس السلام الدولي.

تروج حماس حاليًا إلى أن جهاز شرطتها مستقل تمامًا في عمله عن الجناح المسلح، وأنه في النهاية كان يهدف إلى تحقيق الاستقرار وإرساء القانون والنظام في غزة، أي أنه عبارة عن جهاز مدني فقط لا غير، إلا أن إسرائيل كان لها رأي آخر في هذا الشأن، فطالما اعتبرت أن جهاز الشرطة الحمساوية جزء لا يتجزأ من جناحها المسلح. فعلى سبيل المثال، في عملية “الرصاص المصبوب” عام 2008، بدأت إسرائيل عملياتها باستهداف تجمع شرطي أسفر في النهاية عن مقتل عشرات الشرطيين.

حركة حماس - أرشيفية 
حركة حماس - أرشيفية 


لماذا جهاز الشرطة؟


يحتل جهاز الشرطة في حركة حماس مكانة بارزة في كيان الحركة، فهو العنصر القادر على فرض الاستقرار في القطاع، فضلًا عن كونه أحد مصادر التمويل الشرعية الخاصة بالحركة. فالعديد من المساعدات الدولية، خاصة القطرية والتركية، التي وُهبت لحركة حماس جاءت في إطار دعم جهاز الشرطة المحلية تحت دعوى المساهمة في فرض الأمن والاستقرار في القطاع المضطرب. ومن هنا تسعى الحركة إلى إدماج جهاز شرطتها في القوة الفلسطينية المقبلة في غزة للعديد من الأسباب:

حركة حماس - أرشيفية 
حركة حماس - أرشيفية 


• استمرار التمويل:
يُعد جهاز الشرطة لدى حماس مصدر تمويل رسمي للحركة وتحت أعين السلطات الإسرائيلية، إذ ذكرت صحيفة جيروزاليم بوست أن قطر عادة ما كانت تنسق مع تل أبيب من أجل تحويل مبالغ مالية لدفع رواتب عناصر الشرطة في حركة حماس، وتفيد المعلومات بأن الدوحة ترسل شهريًا تقريبًا 15 مليون دولار إلى الحركة لدفع رواتب الشرطة، وذلك قبل 7 أكتوبر 2023، وعادة ما كان يستفيد حوالي 27 ألف موظف مدني في القطاع من تلك التحويلات.


• شرعنة أجنحة حماس:
قد تسعى الحركة إلى اكتساب شرعية دولية ومحلية تمكّنها مستقبلًا من التفاوض مع القوى الدولية الكبرى، لذلك تسعى الحركة إلى إدراج قواتها الشرطية ضمن أية قوى مزمع إنشاؤها في القطاع، وذلك من أجل اكتساب المزيد من الشرعية الدولية والمحلية.

حركة حماس - أرشيفية 
حركة حماس - أرشيفية 


• تمرير الجناح المسلح:
تدرك حماس أن ثمة ضغوطًا دولية مفروضة عليها من أجل تفكيك ونزع سلاحها، لذا تعتبر مسألة إدماج قواتها الشرطية في القوة الجديدة في غزة من شأنه الالتفاف والتحايل على مسألة نزع سلاح الحركة، إذ ستلجأ حماس إلى إدراج المزيد من عناصر جناحها المسلح في جهاز شرطتها، ثم إعادة الإدماج مرة أخرى في القوة الدولية الجديدة، وبالتالي تكون الحركة قد اكتسبت شرعية قانونية من ناحية، وتحايلت على مسألة نزع سلاحها من ناحية أخرى.

حركة حماس - أرشيفية 
حركة حماس - أرشيفية 


• الاستمرارية في الحكم:
في مطلع يناير الحالي أعلنت حركة حماس تعيين علي العامودي رئيسًا لمكتب الحركة في غزة، وينتمي العامودي إلى مدرسة القائد الراحل للحركة يحيى السنوار، مما يعني أن العامودي من أنصار بقاء الحركة في غزة واستمرار نهج المقاومة، لذا لن تتخلى الحركة عن حكم غزة مهما كانت العواقب، رغم إعلان الحركة رسميًا استعدادها لتسليم السلطة في القطاع. وعليه تحاول الحركة حاليًا الالتفاف على التحركات الدولية من خلال اللعب بورقة ضاغطة مهمة، وهي امتلاك الحركة للعديد من الكوادر الشرطية والإدارية المهمة، والتي قد تمكّن مجلس السلام الدولي من تسهيل إدارة غزة خلال الفترة المقبلة.

لذا يعود الطرح الأخير لحماس بإدماج شرطتها في الشرطة الجديدة في القطاع ليعزز من استمرار تواجد الحركة في حكم القطاع، وإن كان بطريقة غير مباشرة، وذلك عبر استمرار كوادرها في إدارة القطاع.

حركة حماس - أرشيفية 
حركة حماس - أرشيفية 


تحديات راهنة
رغم وجاهة طرح حركة حماس، وبالمناسبة يحمل الطرح عوامل الاستقرار وتحقيق الأمن والرخاء في القطاع، نظرًا لكون الحركة أدرى بشؤون القطاع، بحكم عملها فيه لأكثر من عقدين، وبالتالي باتت تمتلك أجدر الكفاءات الفلسطينية التي يمكن استغلالها في إدارة المرحلة المقبلة في القطاع، إلا أن هناك عدة تحديات ينبغي الإشارة إليها، وهي:


أولًا: قوة الاستقرار الدولية 
ستترأس الولايات المتحدة قوة الاستقرار الدولية من خلال الجنرال جاسبر جيفرز، وبالتالي من المحتمل أن يكون هناك تحرج أمريكي في التعامل مع قوى كانت منتسبة في الماضي إلى حركة حماس، ومشكوك في انضمامها إلى عمليات المقاومة المسلحة ضد إسرائيل. لكن ما يعزز فرص حماس في التعاون مع تلك القوة هو احتمالية أن تكون أغلب القوى المشاركة في قوة الاستقرار من دول إسلامية كبرى، مثل باكستان ومصر وتركيا وإندونيسيا.

حركة حماس - أرشيفية 
حركة حماس - أرشيفية 


ثانيًا: معارضة سامي نسمان 
سيتولى اللواء المتقاعد في الاستخبارات الفلسطينية سامي نسمان مسؤولية ملف الأمن في الحكومة التكنوقراطية الجديدة في القطاع، ويُعد نسمان من أبرز خصوم حماس التاريخيين، إذ سبق أن أصدرت محكمة تابعة لحماس حكمًا بالسجن عليه لمدة 15 عامًا على خلفية اتهامه بدعم جماعات في قطاع غزة مناهضة لحماس، لذا يثور تساؤل حول كيفية تعامله مع قوات كانت مكلفة بالقبض عليه في وقت سابق.


ثالثًا: الخلط بين قوة “رادع” والشرطة 
في نهاية سبتمبر الماضي وبداية أغسطس أعلنت الحركة عن تشكيل قوة أمنية تُدعى “رادع” لتتولى مسألة تحقيق الأمن في القطاع، خاصة بعد الانفلات الأمني الذي تسببت فيه الميليشيات المناوئة لحماس. وعقب التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في 9 أكتوبر 2025، انطلقت قوة “رادع” في ملاحقة عناصر تلك الميليشيات، مثل ميليشيات عائلة دغمش وميليشيا الأسطل وياسر أبو شباب، وتمكنت القوة من تحقيق نجاحات ملموسة أدت إلى تقويض تلك الميليشيات مرحليًا، رغم الدعم الإسرائيلي لها. لذا يدور تساؤل هنا حول موقع قوة “رادع” التابعة لحماس من جهاز الشرطة، وهل سيتم إدماجها في قوة الشرطة تمهيدًا لأي دور مستقبلي ستلعبه في القطاع.

حركة حماس - أرشيفية  
حركة حماس - أرشيفية  


رابعًا: معارضة الميليشيات الأخرى 
من ضمن الأمور الأخرى المثيرة، والتي ستكون تحديًا أمام إدماج قوى الشرطة لدى حماس في أية قوة مستقبلية في القطاع، هو معارضة الميليشيات الأخرى، مثل ميليشيا أبو شباب والأسطل، ويعزز من موقف تلك الميليشيات امتلاكها حضورًا قويًا على الجانب الإسرائيلي، فضلًا عن احتمال وجود تعاون سابق بينها أو بين عناصرها وبين مسؤول الأمن الجديد في غزة اللواء سامي نسمان.


وتوجد نقطة أخرى تقلل من أهمية تلك المعارضة، وهي أن حجم تلك الميليشيات ما زال صغيرًا للغاية، إذ لا يتخطى المئات من المقاتلين، في حين أن اللجنة التكنوقراطية تحتاج إلى ما يربو على 20 ألف عنصر شرطي، ومثلهم عناصر إدارية مدربة، وهو الرقم الذي تستطيع الحركة توفيره سواء على المستوى الشرطي أو على المستوى الإداري العادي.


خامسًا: المعارضة الإسرائيلية 
وأخيرًا تمثل المعارضة الإسرائيلية لضم وإدماج أية قوى من حماس في ترتيبات المرحلة المقبلة أكبر التحديات على الإطلاق، فكيف سيتم التعاون بين الطرفين في المرحلة المقبلة، خاصة أن القوى الشرطية الجديدة من المفترض أن يتم انتشارها أيضًا في مناطق شرق الخط الأصفر، وهو ما لا تتقبله تل أبيب، إذ حرصت خلال الشهور الماضية على التصفية الكاملة لأية عناصر من حماس شرق الخط الأصفر.


ختامًا:
في المحصلة، يكشف الجدل الدائر حول دمج جهاز شرطة حركة حماس في الترتيبات الأمنية المقبلة لقطاع غزة عن استراتيجية واضحة تتبعها الحركة تقوم على إعادة إنتاج حضورها السياسي والأمني تحت غطاء إداري وقانوني جديد، بما يسمح لها بالالتفاف على الضغوط الدولية المتعلقة بنزع السلاح. فبالنسبة لحماس، لا يمثل جهاز الشرطة مجرد أداة أمنية لضبط الاستقرار، بل ركيزة أساسية لضمان الاستمرارية في الحكم، وتأمين مصادر التمويل، والحفاظ على تماسك بنيتها التنظيمية في مرحلة شديدة التعقيد.

وعلى الرغم من أن الطرح الحمساوي يبدو، ظاهريًا، منسجمًا مع متطلبات الاستقرار وإدارة الفراغ الأمني في القطاع، إلا أنه يطرح في جوهره تساؤلات جوهرية حول جدوى أي ترتيبات انتقالية لا تُحسم فيها مسألة الفصل الحقيقي بين العمل المدني والأجنحة المسلحة. وفي ظل المعارضة الإسرائيلية، والتحفظات الأمريكية، والانقسامات الفلسطينية الداخلية، يبقى مستقبل هذا المسار مرهونًا بقدرة الأطراف الدولية والإقليمية على فرض آليات رقابة صارمة تحول دون تحويل مؤسسات ما بعد الحرب إلى أدوات لإعادة تدوير النفوذ السياسي والعسكري لحركة حماس داخل قطاع غزة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء