من القداسة إلى الابتزاز: الانحرافات الجنسية داخل جماعة الإخوان
ما زال مسلسل الفضائح الأخلاقية والجنسية مشتعلًا على مدار الساعات الماضية، بسبب ما أفصحت عنه مجموعة من النساء المحسوبات على جماعة الإخوان، من قيام أحد الأكاديميين المنتمين للجماعة، والذي عمل قبل هروبه إلى الولايات المتحدة الأمريكية بكلية العلوم بجامعة القاهرة، بالتحرش بهن جنسيًا، وهي الوقائع التي فجّرتها رفيدة حمدي، زوجة محمد عادل، أحد مؤسسي حركة 6 أبريل، عقب نشرها تفاصيل الوقائع عبر صفحاتها على منصات التواصل الاجتماعي، بعد تلقيها عددًا من الرسائل من فتيات وزوجات قيادات الإخوان الهاربين أو المسجونين، بناءً على الأحكام القضائية الصادرة ضدهم في أعمال العنف المسلح.
إحدى الرسائل التي تم نشرها بيّنت أن عددًا من نساء الإخوان تعرضن لحالات من التحرش الجنسي على يد هذا القيادي المسؤول عن "مسؤول التعايش" داخل الجماعة لعناصر التنظيم في الخارج، وأنهن قدّمن بلاغات رسمية لإدارة الجماعة، والتي لم تُعرِ القضية اتهامًا، تخوفًا من تسرب الوقائع خارج الإطار التنظيمي، ما دفعهن للخروج علنًا لفضح جرائم الابتزاز الجنسي التي تعرضن لها تحت ستار التدين، والدفاع عن المشروع الإخواني.

الوقائع والانحرافات الجنسية ثمة عامة ذاع صيتها في عمق الجماعات الأصولية، وعلى رأسها جماعة الإخوان، التي حظيت بالنصيب الأكبر من الفضائح الأخلاقية المتعلقة بالحالة الجنسية، لكونها تنظيمًا سريًا مغلقًا على الكثير من الأسرار التي ربما لم تظهر ملامحها بعد أمام الرأي العام.
دراسة الجوانب النفسية للأفراد المنتمين للجماعات والتنظيمات المتطرفة تقود، بما لا يدع مجالًا للشك، إلى كشف حقيقة الانحرافات الجنسية بين جدران كيانات تدّعي الفضيلة، وتخلع على ذاتها صفة الاستغراق والاستعلاء الإيماني، وتمنح نفسها حق التفتيش في معتقدات الآخرين.
الكثير من أبناء جماعة الإخوان، والجماعات الأصولية، يُصابون بهزة نفسية نتيجة التعايش في ظل كيانات سرية مغلقة، يخضعون فيها لقرارات تنظيمية تحت عباءة الدين والشريعة، بما يؤثر على حياتهم وسلوكياتهم الظاهرة، التي تتحول تدريجيًا إلى شبه أسرار تتناقض مع واقع الجماعة وأدبياتها وشعاراتها.
تسيطر على أتباع الإخوان وتيارات الإسلام السياسي حالة من التمرد التنظيمي والفكري بعد فترة من التشبع بمآلات التنظيم ونشاطاته، فيتجه بعضهم إلى صناعة حالة جديدة يرتمون في أحضانها دون إملاءات أو توجهات، حالة ينطلقون فيها نحو محاذير يرغبون التعايش في ظلها، وفق مساحة تشبع رغباتهم النفسية والجنسية.

اعتماد جماعة الإخوان والتنظيمات المتطرفة على استراتيجية الاستقطاب والتجنيد للمراهقين والأطفال في سن صغيرة، ووضعهم في حيز وخندق التنظيم مبكرًا، يعيق انخراط غالبيتهم في تجارب عاطفية حقيقية في مراحل حياتهم المتعددة، ومن ثم يتعرضون لما يسمى بـ"المراهقة المتأخرة"، يتم خلالها ترجمة الكثير من السلوكيات والانفعالات المكبوتة، لا سيما لدى الأشخاص الذين تتحسن إمكاناتهم المادية.
مرور القواعد التنظيمية لجماعة الإخوان بعملية الاحتكاك المباشر مع قياداتهم ومشايخهم ومرجعياتهم الفكرية، في نطاق المعاملات التجارية والمالية والاجتماعية، يكشف بوضوح ما يخفونه من ملامحهم الحقيقية وراء أقنعة القداسة والهيبة التي تُوضع عليهم من أجل زيادة التحكم في أتباعهم، ما يرسخ لدى الكثير من مريديهم شعوريًا مبررات إباحة المحظورات، ومخالفة الظاهر للباطن.
التناقض والفجوة بين الحياة داخل جدران التنظيم، وبين الحياة الخاصة للأفراد، يُصيب أتباع الجماعات الأصولية بحالة من "الشيزوفرينيا"، أو الانفصام في الشخصية، ومن ثم يُظهرون عكس ما يُبطنون، لا سيما في الأمور الجنسية والعلاقات النسائية، تجنبًا للفضيحة أو خشية الطرد من جنة التنظيم التي يحظون فيها بالكثير من المكتسبات المعنوية والمادية، كما أن العقيدة الإخوانية ترسخ لديهم أنهم مختارون ومصطفون، وأنهم فوق البشر، وحراس على العقيدة والشريعة.

العديد من شباب الإخوان اختاروا زوجاتهم وفقًا لمعايير متعلقة بالجماعة ومشروعها؛ فبعضهم فضّل الزواج من فتيات يرتبطن بصلة قرابة بعائلات لها نفوذ داخل التنظيم، أو بعائلات إخوانية ثرية ماديًا، وبعضهم تزوج من فتيات بناءً على توصيات من قيادات الجماعة، إذ إن شبكة المصاهرة داخل الإخوان تتحكم في الوضع التنظيمي بشكل كبير، وفقًا لمبدأ الزواج من "صاحبة الفكر"، وهي القاعدة التي عبّر عنها القيادي الإخواني صبحي صالح بقوله: "الإخواني لا يتزوج إلا إخوانية"، بمعنى أن الزواج في هذه الحالة قائم على فكرة المقايضة أو المصلحة التنظيمية، أو الإجبار أحيانًا (خشية الاختراق الأمني)، وليس على المحبة أو القبول، لا سيما إذا كانت الفتاة متوسطة الجمال.
الانحرافات الجنسية لدى الإخوان والجماعات الأصولية حقيقة لا يمكنهم التهرب منها، فهناك كم هائل من الوقائع التي تورطت فيها قيادات ومرجعيات هذه التنظيمات، وعليها العشرات من شهود العيان الذين تربوا في أحضان هذه الكيانات ثم تفلتوا من بين صفوفها، وتحدثوا عن بعض منها.
كانت قيادات مكتب الإرشاد والمكاتب الإدارية لجماعة الإخوان على علم بوقائع الانحرافات الجنسية داخل التنظيم (وفقًا لاعترافات عدد من المنشقين)، لكنها تحفظت عليها، خاصة أنها كانت تمس قيادات مؤثرة داخل التنظيم، في ظل محاولاتهم إضفاء القداسة على قياداتهم وسلوكياتهم خداعًا لأتباعهم ودراويشهم. فمثال ذلك واقعة شهيرة متعلقة بقيادي إخواني مؤثر في نقابة المحامين عام 2009، إذ ارتبط بعلاقة مع إحدى السيدات، ووعدها بالزواج، لكنه تنصل من العلاقة ورفض إتمام زواجه بها، ومن ثم اتجهت لكشف حقيقته أمام قيادات "مكتب الإرشاد" بمنيل الروضة حينها.

بعض من قيادات الإخوان، خلال تصدرهم للمشهد السياسي في مصر، تحرشوا ببعض العاملات معهم داخل المؤسسات التي سيطروا عليها، مثل النقابات المهنية والمؤسسات الإعلامية، ومحاولة إجبار بعضهن على فكرة "الزواج العرفي".
لم تقتصر الانحرافات الجنسية داخل الإخوان والجماعات الأصولية على العلاقات النسائية، لكنها وصلت إلى حالات "الشذوذ الجنسي"، والتي تطرق إليها الإعلامي خالد البري في كتابه "الدنيا أجمل من الجنة.. سيرة أصولي مصري"، الذي انتمى للجماعة الإسلامية في بداية حياته، وكذلك واقعة القيادي الإخواني إبراهيم إسماعيل، التي فضح تفاصيلها شباب الجماعة في تركيا، فضلًا عن واقعة طرد ناشط حقوقي شهير من داخل الإخوان بعد تورطه في وقائع تحرش بأطفال من "قسم الأشبال" في أحد قطاعات محافظة الإسكندرية، ويتولى حاليًا إدارة منظمة تدافع عن حقوق الشواذ في مصر.
حظيت جماعة الإخوان بالعدد الأكبر من الفضائح الجنسية، فكانت البداية بانحرافات عبد الحكيم عابدين، زوج أخت حسن البنا، الذي تمت إدانته بعلاقات غير مشروعة مع نساء الجماعة، وفقًا لتقرير لجنة تابعة لمكتب الإرشاد في أربعينيات القرن الماضي، لكن "البنا" صمت ولم يتخذ إجراءً ضده، ما أثار حفيظة عدد من مسؤولي الجماعة حينها، أمثال أحمد السكري.

مرورًا بفضيحة أحمد منصور، وعلاقته بإحدى السيدات المغربيات (المحسوبة على حزب "العدالة والتنمية")، وفقًا لما كشفه القضاء المغربي وما تداولته الكثير من وسائل الإعلام، وكذلك فضيحة التسريبات الجنسية لليوتيوبر الإخواني عبد الله الشريف، ووقائع التحرش المتكررة لحفيد حسن البنا، طارق رمضان، والتي كانت الأكثر رواجًا في وسائل الإعلام، والتي بدأت سطورها بقصة الناشطة النسوية هند عياري، ودونت تفاصيلها في كتابها الصادر عام 2016 بعنوان "اخترت أن أكون حرة.. الهروب من السلفية في فرنسا".
الانحرافات الأخلاقية لدى الجماعات الأصولية لا تُعد ولا تُحصى، وفضحتها ممارساتهم التي تجلت في جرائمهم ضد المرأة والمتاجرة بها في سوق الجواري والسبايا، مثلما فعل تنظيم "داعش"، وجماعة بوكو حرام، وحركة طالبان، وجماعة شباب المجاهدين الصومالية، وغيرهم من الجماعات التي تدعي نسبها للإسلام والمسلمين زورًا وبهتانًا.
تحليل غالبية الفتاوى الصادرة عن التنظيمات الأصولية المتطرفة نجد أن مرجعيتهم الفكرية حطّت من وضع المرأة ومكانتها؛ فوفقًا لدراسة صادرة عن دار الإفتاء المصرية تناولت تنظيم "داعش" (نموذجًا)، أشارت إلى انحصار رؤيته الفكرية تجاه المرأة في جانب الغريزة الجنسية، حيث ركزت غالبية النصوص التي يتبناها في الحديث عن المرأة على أحكام وطء المرأة بعد سبيها، والاستمتاع الجنسي بالسبية، وأحكام مشاركة المرأة ووطئها بعد السبي، وأحكام زواج المرأة بعد سبيها والتفريق بينها وبين زوجها.
يشير الباحث المغربي يوسف هريمة، في دراسته المعنونة بـ"الأصولية والحرمان الجنسي: المرأة في مواجهة الفتاوى"، إلى أن حضور المرأة في ذهنية الأصولي – باعتبارها عصب تفكيره أو مركزًا لدورانه – هو حضور لا يُفهم من حيث المكانة الاعتبارية التي تحتلها، ولا لأن فكره الذكوري يسمح بمنحها ما تستحقه، أو على الأقل ما يجعلها في مصاف الإنسانية المساوية له. هذا الهوس الذكوري يجعل من المرأة مادة للإخضاع، أو وسيلة لإبراز الجنون الذكوري، أو ما يمكن تسميته بفوبيا المرأة.

بينما يرى الدكتور عبد الصمد الديالمي، في كتابه "المدينة الإسلامية والأصولية والإرهاب: مقاربة جنسية"، أن التعلق النفسي بالهوس الجنسي عامل في انسداد الشخصية وتحجرها فكريًا، وتحولها من الوسطية والاعتدال إلى التشدد والتطرف، وبروز دورها في عمق التنظيمات المتطرفة المسلحة.
العلاقة بين الهوس الجنسي والتطرف الفكري علاقة متشابكة، نابعة من نظرة الجماعات الأصولية إلى المرأة وطبيعة الدور الذي تقوم به داخل المجتمع، من كونها – وفقًا لرؤيتهم – وعاءً لتفريغ غريزتهم الجنسية المكبوتة، لذلك يقع في مقدمة أولوياتهم السبي والتعدد الزوجي، فالكثير من رموز التيارات السلفية والسلفية الجهادية تعددت زيجاتهم وطلاقاتهم، لا سيما من الفتيات الصغيرات، ما يعني أن الأمر في حقيقته لديهم ليس إلا إرضاءً لشهوتهم الجنسية، التي تدفعهم للتعامل مع المرأة من باب الغنيمة، في حالة أقرب إلى الإحساس بلذة الانتصار عليها وخضوعها لشخوصهم وكسر شوكتها.



