بلجيكا في مرمى الاتهامات: بين إيواء الإسلام السياسي ومحاصرة الإخوان
حالة من الجدل سادات الأوساط الأوروبية في ظل الاتهامات التي وجهتها الإدارة الفرنسية للسلطات البلجيكية بأنها تعرضت لاختراق من قبل تنظيم الإخوان، لاسيما في ظل اعتراضات رسمية صدرت من رئيسة جهاز الاستخبارات البلجيكية، والتي أكدت أن بلادها ليست ممرًا لنشاطات الإخوان، ويأتي ذلك في الوقت الذي أصدرت فيه الخارجية الأمريكي قرارًا بتصنيف فروع الإخوان في مصر ولبنان والأردن على قوائم الإرهاب، وسعى عدد من الدول الأوربية لاتخاذ قرارًا مماثلة وعلى رأسهم الأرجنتين، وفرنسا.
رغم أن الدولة تعيش حالة من الجدل الحاد بشأن مستقبل الجماعات الأصولية الحركية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، في ظل تجاذبات سياسية وأمنية حادة، مع اتجاه الحكومة الجديدة لاتخاذ خطوات فعلية نحو حظر بعض المنظمات المرتبطة بالإخوان، في إطار حماية النظام الديمقراطي ومنع التطرف، فإن ذلك لا ينفى الواقع الحقيقي من اختراق جماعة الإخوان للمؤسسات التنفيذية خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي في مقدمة التحولات التي تشهدها الساحة البلجيكية إقرار مشروع "قانون المنظمات الراديكالية" الذي تم طرحه في يوليو 2025، ويتيح حظر أي كيان يُشتبه في ترويجه للعنف أو توفيره دعمًا ماديًا أو لوجستيًا لجماعات مصنفة كمتطرفة. القانون يستهدف بشكل واضح شبكات الإسلام السياسي التي كانت تتحرك سابقًا في مساحة رمادية بين الدعوة والحقوق المدنية.
وقد تحولت بروكسل ومحيطها إلى أحد أبرز المراكز التي وفّرت بيئة خصبة لانتشار تيارات الإسلام السياسي والجماعات الراديكالية، فرغم أن دولًا أوروبية عدة شهدت تناميًا في حضور هذه الحركات، إلا أن بلجيكا بدت الأكثر عرضة لتغلغلها، مستفيدة من طبيعة مجتمعها العلماني ووجود جالية مسلمة كبيرة مقارنة بعدد السكان.
وقد ازدادت الدعوات داخل البرلمان البلجيكي في السنوات الأخيرة، لوضع الإخوان على قوائم الحظر، على غرار الخطوات التي اتخذتها النمسا وألمانيا وبريطانيا بدرجات متفاوتة، ومع صعود اليمين القومي والأحزاب الشعبوية، تجدد النقاش حول ضرورة وضع إطار قانوني يجرّم الانتماء أو الدعم المالي للجماعة، خاصة مع تزايد التقارير الأمنية عن تمويلات قادمة من الخارج ودور بعض الجمعيات في نشر الفكر المتشدد.
وبحسب وزير الداخلية البلجيكي، فإن مذكرة أمنية صدرت في عام 2020 من جهاز (أمن الدولة)، وقد وجهت تحديداً إلى المسؤولين في فيدرالية والونيا – بروكسل، تتضمن تحذيراً بشأن الصلة بين CIIB وتنظيم الإخوان المسلمين، بعد أن تقدّمت الجمعية بطلب رسمي للحصول على دعم مالي حكومي.
وفي تقرير استخباراتي صدر في أبريل الماضي، اعتبر الجهاز الأمني أن CIIB يعد "منظمة ضغط تحمل طابعًا إخوانيًا"، أسسها سبعة أفراد، بينهم "عضو معروف في جماعة الإخوان"، وآخر "ناشط في فكر الجماعة"، وفق ما جاء في الوثيقة الأمنية. وقدم التقرير أيضاً تقييمًا للجمعية بوصفها تروّج لسردية تعتبر أن "المجتمعات والدول الأوروبية بطبيعتها معادية للإسلام والمسلمين".

ورغم نفي الجمعية لهذه المزاعم، فإن المعطيات المالية التي كشف عنها الإعلام البلجيكي تبين أن CIIB قد حصلت على تمويلات حكومية بقيمة إجمالية تقدّر بـ300,000 يورو على مدى السنوات الأخيرة، منها ما صدر عن الدولة الفيدرالية نفسها.
وتشير دراسة للعالم فيليس داسيتو إلى أن المسلمين مرشحون لأن يصبحوا أغلبية في العاصمة بروكسل بحلول عام 2030، وهو ما يطرح تساؤلات حول مستقبل التوازن الديمغرافي والثقافي في البلاد، ومدى قدرة السلطات البلجيكية على استيعاب هذا التحول دون السماح بخلق مجتمع موازٍ منفصل عن البنية السياسية والدستورية.
وقالت مجلة "إنترفيو" السياسية الفرنسية، إنه منذ عدة عقود، تعد بلجيكا أرضاً خصبة لزرع شبكات مرتبطة بجماعة الإخوان، في ظاهرة تظل هادئة لكنها معترف بها من قبل أجهزة الاستخبارات، وباحثين متخصصين، وعدة تحقيقات برلمانية.
وأشارت المجلة الفرنسية إلى أن الإخوان ينتشرون في بلجيكا؛ من خلال مجموعة من الجمعيات والمساجد والهياكل التعليمية والثقافية التي تنشر رؤية محافظة للإسلام باستخدام الأدوات الديمقراطية والإطار القانوني البلجيكي.

الشبكة التنظيمية
وظهرت أولى هذه الشبكات منذ ستينيات القرن الماضي مع وصول الطلاب والعمال المهاجرين، وفي بروكسل، اعتُبر "المركز الإسلامي والثقافي في بلجيكا"، المقام داخل "الجامع الكبير"، واجهة للتيار الإخواني. ووصف فيليتشه داسيتو، أستاذ علم اجتماع الأديان في جامعة لوفان الكاثوليكية في كتابه " السوسنة والهلال" الصادر في بروكسل عام 2011، تلك الشبكات بأنها "مختبر الإسلام الأوروبي"، مشيراً إلى تأثيرها المتزايد. وأكد جهاز أمن الدولة البلجيكي (VSSE) في عدة مناسبات أن جماعة الإخوان تمثل "حركة يجب مراقبتها". ففي تقريره لعام 2018، لفت إلى "استراتيجيتهم في التأثير المنظم في المجالات التعليمية والسياسية".
وأكدت "اللجنة أر"، وهو جهاز رقابة على أجهزة الاستخبارات، أن التيار الإخواني "طور شبكة جمعوية خفية قادرة على الحوار مع المؤسسات، وفي الوقت نفسه نشر أجندة دينية محافظة".
مثّلت هجمات باريس 2015 ثم تفجيرات بروكسل 2016 نقطة تحول حاسمة، فقد تبيّن للسلطات أن أحياء مثل مولنبيك تحولت إلى ملاذ للجماعات المتطرفة، بما فيها شبكات مرتبطة بتنظيمي "القاعدة" و"داعش"، ورغم أن هذه العمليات لم تكن جميعها ذات صلة مباشرة بالإخوان، فإن البيئة الفكرية والتنظيمية التي وفرتها الجماعة ساعدت على خلق مناخ خصب للتطرف. ومن ثم تصاعد الجدل داخل بلجيكا حول العلاقة بين الإسلام السياسي وموجات التطرف والعنف .

الإخوان وبناء النفوذ الناعم
بدأ حضور جماعة الإخوان في بلجيكا منذ سبعينيات القرن الماضي مع موجات الهجرة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتمكن السوري محمد هواري من تأسيس نواة التنظيم داخل جامعة بروكسل، ومنذ ذلك الوقت تمددت الجماعة عبر الجمعيات والمنظمات والمراكز الإسلامية، ومن أبرزها “رابطة مسلمي بلجيك"، و"اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"، و"منتدى الشباب المسلم"، و"منظمة الاعتقاد المسلم للأعمال الخيرية"، إضافة عدد من إلى المراكز الإسلامية والمساجد المؤثرة مثل دار القرآن، وجمعية اللقاء الإسلامية، والتي منحت جماعة الإخوان مساحة كبيرة من التغلغل في المجتمع، وتحويل بروكسل إلى مركز إقليمي لإدارة كياناتهم في مختلف قطاعات في أوروبا.
المجتمعات الموازية
لم يتوقف الحضور الإسلامي الحركي عند الجمعيات، بل تمدد إلى تأسيس أحزاب ذات مرجعية إسلامية، مثل حزب "فريق فؤاد أحيدار" الذي نجح في دخول برلمان بروكسل، فضلا عن حزب "الإسلام" بقيادة رضوان أحروش، الذي رفع شعار "أسلم تسلم"، وسعى إلى أسلمة المجتمع البلجيكي، تمكن من الحصول على مقعدين في انتخابات بلدية 2012، وارتفعت نسبته في الانتخابات البرلمانية من 5% عام 2010 إلى 10% في 2014.
كما ظهر حزب "الشباب المسلم" عام 2004 بزعامة عبد الله بستان، مركزًا على قضايا التعليم والعمل والسكن والحجاب، ومنبثقًا عن حركة "الشبيبة الإسلامية" (2002)، ومن ثم يعكس هذا التطور، الحضور السياسي للإسلاميين، والذي لم يعد مقصورًا على العمل الأهلي والدعوي، بل تجاوز إلى الساحة السياسية وصناديق الاقتراع.
هذه الأحزاب حاولت تقديم نفسها كمدافع عن "حقوق المسلمين"، لكنها في العمق تمثل امتدادًا لفكر "الإسلام السياسي" والجماعات الأصولية، وتستفيد من القاعدة الديمغرافية للجاليات العربية والإسلامية في الغرب، ما أثر حفيظة وقلق السلطات البلجيكية بشأن إمكانية تحولها إلى أدوات لتقويض النظام الديمقراطي من الداخل، وبناء ما يعرف بـ"المجتعات الموازية".
غالبية الأحزاب السياسية التقليدية، لم تنخرط في مساحات للتعاون المشترك مع الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، ولا تزال متحفظة على أنشطتها خشية تعزيز حضور أجندات تعتبرها "انعزالية" أو متعارضة مع قيم الدولة المدنية، ومن ثم بذلك يبقى الإسلاميون في بلجيكا بين خيارين: إما التكيف مع قواعد اللعبة الديمقراطية وفق ضوابط الدولة، أو مواجهة المزيد من العزلة السياسية.

الدوائر السلفية
إلى جانب تمدد جماعة الإخوان في جنبات المجتمع البلجيكي، لعبت تيارات أخرى دورًا في تأجيج المشهد المتطرف، فقد أسس السوري بسام العياشي "المركز الإسلامي البلجيكي" في بروكسل، الذي ارتبط لاحقًا بتنظيم “القاعدة" ، وفي بلدة "مولنبيك" القريبة من العاصمة، ازدهر التيار السلفي المتشدد، ومنها خرجت مجموعات مثل "الشريعة من أجل بلجيكا" التي أسسها المغربي فؤاد بلقاسم عام 2010، ويتبنى خطابًا مناهضًا للديمقراطية، وسعى إلى فرض الشريعة، متأثرًا بجماعات أوروبية متشددة مثل "“لإسلام من أجل بريطانيا"، وانخرط أعضاؤه في أعمال عنف وتحريض، قبل أن ينتهي الأمر بكثير منهم إلى القتال في صفوف تنظيم "داعش" في سوريا.
تُظهر الإحصاءات أن بلجيكا كانت أكبر مصدر للمقاتلين الأجانب في التنظيمات الإرهابية المتطرفة في مناطق الصراع بالشرق الأوسط، بإجمالي يقارب 380 مقاتلًا، بينهم أول انتحارية غربية نفذت عملية في العراق عام 2005.
هذا التمدد لم يمر دون مواجهة من السلطات البلجيكية التي اتخذت عدة إجراءات لتقييد نفوذ هذه الجماعات، ومن أبرزها تضييق منح الإقامات، وطرد المتورطين في أعمال مرتبطة بالإرهاب، إلى جانب ذلك سحبت الحكومة تصاريح العمل من أئمة المساجد التابعين للمراكز الإسلامية، في خطوة تهدف إلى قطع الطريق أمام التأثيرات الخارجية على المشهد الديني البلجيكي.
وقد خصصت الحكومة البلجيكية 400 مليون يورو لتعزيز سياسات مكافحة التطرف، وعملت على إغلاق المساجد غير المسجلة، ومراقبة تمويل الجمعيات الأهلية، مع وضع تشريعات قانونية للحد من الظاهرة وتجفف منابعها، ورغم أن هذه السياسات ليست كافية لكنها تمثل انتقالًا من مرحلة "الاحتواء" إلى مرحلة "المواجهة.

مع إقرار القانون الجديد، ستواجه الجمعيات ذات الصلة بالإخوان خطر التفكيك أو المنع، ما يؤدي إلى انكماش واضح في أنشطت، وقد تحافظ بعض الأحزاب الإسلامية على تمثيلها المحلي، لكنها ستظل بعيدة عن مراكز القرار الكبرى، وفي الغالب أن سياسات الرقابة على التمويل والأئمة ستُضعف الروابط بين الجماعات الأصولية داخل بلجيكا ومراكزها التقليدية في الشرق الأوسط، ومن المرجح أن تلجأ هذه المؤسسات والجمعيات المتضررة إلى القضاء المحلي أو الأوروبي للطعن في قرارات الحظر أو التقييد.
وحذرت الباحثة البلجيكية فلورنس بيرجود بلاكلر، من طريقة تعامل حكومتها إزاء مسألة تغلغل جماعات الاسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان، مشيرة إلى أن الجماعة تعمل على اختراق النسيج الاجتماعي والمنظمات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني في بروكسل.
وكشفت الباحثة بالمركز الفرنسي الوطني للبحث العلمي (CNRS)، في حوار مع مجلة "ليكسبريس" الفرنسية، أن مناطق معينة في بروكسل أصبحت الآن ملاذا للإخوان وغيرها من جماعات الإسلام السياسي في أوروبا، وأن تيار الإسلام السياسي استقر في بلجيكا لمدة أربعين عامًا في أعقاب الهجرة من دولهم الأصلية، وعملت جماعة الإخوان على اختراق النسيج الاجتماعي للبلاد واستغلال المنظمات غير الحكومية والجمعيات الخيرية التي تساعد الفقراء والمحتاجين، إلى جانب المؤسسات التعليمية والاجتماعية والإنسانية في بروكسل لنشر أفكارها.
وأوضحت أن بروكسل تعتبر "نقطة الضعف الناعمة في أوروبا" وملاذ لجماعة الاخوان منذ الثمانينيات، حيث تمكنوا من الاستقرار والانتشار في قلب أوروبا والتقرب من المؤسسات الأوروبية دون مقاومة كبيرة أو ردود فعل قوية، ما سمح للأطراف الأكثر سياسية من جماعة الإخوان الأوروبيين الانضمام إلى حركة الإخوان الأم وغيرها من الجماعات "الجهادية".
ولفتت إلى أن "الإخوان" تمكنوا من التسلل ببطء إلى بلجيكا والتأقلم مع المجتمعات الأوروبية والدخول في الحياة السياسية "بشكل سلمي ولكن ظاهريا" والتحالف مع الأحزاب السياسية المختلفة، وهو ما وصفه الباحث الأمريكي لورنزو فيدينو في كتابه "الإخوان المسلمون الجدد في الغرب".

واستكملت أن الاخوان قامت بتشكيل تحالفات مع الاحزاب السياسية في بروكسل من أجل التأثير على الساحة السياسية، حيث ان جماعة الاخوان دائما ما يكون لديها مشروعات تمكين سياسي ودائما ما تعمل بخطط منذ "مقترحات الخمسين" لحسن البنا، مؤسس الإخوان في عام 1928، مضيفة "جماعة الإخوان الأوروبية فعالة للغاية في ديمقراطياتنا سواء في المشهد الجمعي أو على المستوى السياسي من خلال إستراتيجيتها التي تعمل على التغلغل في الحياة السياسية".
مأزق الدولة البلجيكية
أمام هذه التحديات، تجد بلجيكا نفسها في موقف صعب، فهي من جهة دولة علمانية ليبرالية تحترم حرية الدين، ومن جهة أخرى تواجه خطورة صعود جماعات تسعى إلى خلق مجتمعات فكرية موازية ومعزولة عن القوانين والدستور، بالطبع هذا التحدي دفع السلطات لمراجعة اتفاقياتها مع بعض المراكز الإسلامية، في محاولة لاستعادة السيطرة على إدارة الشأن الديني، وإعادة النظر في علاقة "المراكز الإسلامية"، مع الممولين الخارجيين، لتقليص نفوذ الأطراف التي تستغل المنابر الدينية للترويج للأفكار المتطرفة.
ختامًا:
يظهر من المشهد أن السلطات البلجيكية تقف على مفترق طرق بين الحفاظ على مبادئها الديمقراطية، وحماية أمنها القومي من تهديدات الجماعات الأصولية المتطرفة، وعلى رأسها جماعة الإخوان والتيارات السلفية التقليدية. فبين الجمعيات الخيرية، والأحزاب السياسية، والمراكز الدعوية، يتجلى مشروع متكامل للتغلغل في قلب أوروبا، ما يجعل "إمارة بلجيكا" ـ كما يصفها البعض ـ نموذجًا خطيرًا لفهم كيف تستغل الحركات الأصولية البيئة الليبرالية لتصدير التطرف.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل تنجح بروكسل في احتواء هذا التحدي، أم أن أوروبا كلها ستدفع ثمن تأخر المواجهة؟.

